متابعة/المدى
تكشف وقائع متراكمة داخل مؤسسات الدولة العراقية عن منظومة مالية موازية تشكلت على مدى أكثر من عقدين، وعملت من خلال ما يعرف بـ«المكاتب الاقتصادية» التابعة لأحزاب وقوى سياسية وفصائل مسلحة، لتتحول تدريجياً من شبكات محدودة تبحث عن العمولات إلى بنية واسعة تتداخل مع الوزارات والعقود الحكومية والمصارف وشركات المقاولات.
وبحسب تقرير مطول لصحيفة «الشرق الأوسط» تابعته (المدى)، فإن هذه المكاتب لم تعد مجرد أدوات لجمع الأموال أو تمويل النشاط الحزبي، بل أصبحت جزءاً مؤثراً في توزيع العقود وتوجيه الإنفاق العام وإنتاج رجال أعمال وشركات واجهة، إلى جانب بناء شبكات من الوسطاء والموظفين داخل مؤسسات الدولة.
ويستند التقرير إلى شهادات لمسؤولين ومحققين سابقين ومحاسبين ونواب وخبراء اقتصاديين، تحدثوا عن نظام مالي شديد التعقيد، جرى تطويره على مراحل، بما يسمح بإخفاء المستفيدين الحقيقيين من العقود والعمولات، وإبقاء الإجراءات الرسمية سليمة من الناحية الشكلية، رغم أن العائدات النهائية تذهب إلى جهات غير ظاهرة في الوثائق.
من الرشوة الفردية إلى منظومة كاملة
يروي التقرير حادثة تعود إلى صيف عام 2010، عندما خضع متهم بقضية اختلاس لاستجواب طويل في بغداد. وبحسب رواية المحقق، فإن المتهم لم يُبدِ قلقاً من الأدلة المعروضة ضده، بل تحدث بثقة عن امتلاكه مبلغاً يصل إلى مليون دولار لإخراجه من القضية.
وعندما ظن المحقق أن الحديث يدور عن محاولة لرشوته، أجابه المتهم بأن المال ليس مخصصاً له شخصياً، في إشارة إلى أن المبلغ كان جزءاً من شبكة حماية أوسع تتجاوز المحقق والقضية نفسها.
ويقول المحقق، الذي تقاعد عام 2012، إن القضية بقيت مفتوحة، وإن الواقعة كشفت له مبكراً أن بعض المتهمين لم يكونوا يتحركون بوصفهم أفراداً معزولين، بل بوصفهم جزءاً من منظومة تمتلك المال والنفوذ والقدرة على تعطيل مسار التحقيق.
ومع مرور السنوات، تبين أن الأموال التي تخصص لحماية المتهمين أو تمرير العقود لا تُدار دائماً بطريقة مباشرة، بل من خلال كيانات ظل وشركات ووسطاء وشخصيات لا تشغل في العادة مناصب رسمية، لكنها تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في قرارات الدولة.
ما هي المكاتب الاقتصادية؟
يشير التقرير إلى أن المكاتب الاقتصادية ظهرت في صورتها الأولى بعد عام 2003، لكنها بدأت تتبلور بصورة أوضح بين عامي 2006 و2010، بالتزامن مع اتساع نفوذ الأحزاب داخل مؤسسات الدولة واحتدام الصراع على الموارد والمناصب.
وفي المرحلة الأولى، كانت مهمة المكتب الاقتصادي بسيطة نسبياً، إذ يحصل الحزب أو الجهة السياسية على وزارة أو مؤسسة، ثم يتولى أفراد مقربون منه توجيه العقود نحو شركات محددة، مقابل نسبة من قيمة العقد أو أرباحه.
لكن هذه الصيغة تطورت لاحقاً، بعدما اكتسبت الأحزاب خبرة أكبر في التعامل مع الموازنات والعقود والإجراءات الحكومية، وأدركت أن الاكتفاء ببيع العقد إلى شركة منفذة يحرمها من جزء كبير من الأرباح.
وهنا بدأت بعض القوى بإنشاء شركات مرتبطة بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تتولى الحصول على العقود وتنفيذها، قبل أن تنتقل المنظومة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تقوم على تأسيس شركات وسيطة مسجلة رسمياً، مهمتها تسلم العقد ثم إحالته إلى شركة أخرى تتولى التنفيذ الفعلي.
وبهذه الطريقة، يحتفظ المكتب الاقتصادي بحصة من الأرباح، بينما يبقى بعيداً عن التوقيع المباشر أو الظهور في الأوراق الرسمية.
مستويان داخل الشبكة
بحسب الشهادات الواردة في التقرير، تتوزع المكاتب الاقتصادية على مستويين رئيسيين.
المستوى الأول يرتبط بقيادات سياسية وحزبية كبيرة، ويقتصر دوره في كثير من الأحيان على ضمان الحصول على العقود وتحديد النسب وتقاسم الأرباح، من دون الدخول في التفاصيل التنفيذية.
أما المستوى الثاني، فيضم شبكة أوسع من الوسطاء والمقاولين ومديري الشركات وموظفي الوزارات ومكاتب الصيرفة، وهم الذين يتولون تنفيذ العملية المالية وتوزيع العمولات وتأمين مرور العقود عبر مراحلها الإدارية.
وترى مصادر تحدثت للتقرير أن غالبية الموقوفين في حملات الاعتقال الأخيرة ينتمون إلى المستوى الثاني، فيما لا تزال الطبقة العليا من الشبكة بعيدة عن التحقيق المباشر.
ويقول مستشار مطلع على عمل المؤسسات الحكومية إن المستوى الأول يتمتع بحماية سياسية واسعة، وإن دوره لا يظهر عادة في الكتب الرسمية أو أوامر الصرف، بينما يتحمل الوسطاء والموظفون والمسؤولون التنفيذيون مخاطر التوقيع والمتابعة.
كيف تتشكل الشبكة داخل الوزارة؟
بحسب التقرير، تبدأ العملية بعد حصول حزب أو تحالف سياسي على وزارة أو منصب رفيع ضمن مفاوضات تشكيل الحكومة.
ومنذ الأيام الأولى لتسلم الوزير أو الوكيل أو المدير العام منصبه، يدخل فريق مرتبط بالمكتب الاقتصادي للحزب في تفاصيل العقود الكبرى، ويبدأ بتحديد الشركات والقطاعات التي ستمنح لها الأولوية.
ويقول مسؤول سابق إن الوزير قد يجد نفسه أمام عقد جاهز جرى التفاوض عليه خارج الوزارة، ولا يُطلب منه سوى إكمال الإجراءات الرسمية والتوقيع.
وفي بعض الحالات، يكون الوزير نفسه جزءاً من الشبكة، وفي حالات أخرى يكون مجرد واجهة إدارية تعمل تحت ضغط الجهة السياسية التي رشحته للمنصب.
ويرى مسؤولون سابقون أن المكاتب الاقتصادية اكتسبت مع الوقت نفوذاً يفوق أحياناً نفوذ الوزير، لأنها تمتلك القدرة على التواصل مع قيادات الأحزاب والمصارف والمقاولين والجهات الرقابية، فضلاً عن امتلاكها شبكات حماية سياسية وأمنية.
الانتخابات بوابة لتوزيع السوق
لا يقتصر أثر الانتخابات في العراق على تشكيل الحكومات واختيار المسؤولين، بل يمتد إلى إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي بين القوى السياسية.
وبحسب التقرير، فإن مفاوضات تشكيل الحكومات تتضمن بصورة غير معلنة تحديد الحصص الاقتصادية المرتبطة بالوزارات والهيئات والمصارف والشركات العامة.
فالحصول على وزارة خدمية أو نفطية لا يُنظر إليه بوصفه مكسباً سياسياً فقط، بل بوصفه مدخلاً إلى عقود تمتد لأربع سنوات، وتشمل مشاريع الإنشاء والتجهيز والطاقة والنقل والخدمات.
ولهذا السبب، تخوض الأحزاب مفاوضات معقدة على الوزارات التي تمتلك موازنات كبيرة أو عقوداً مستمرة، فيما تتحول بعض المناصب الثانوية إلى نقاط نفوذ مهمة بسبب قدرتها على تعطيل العقود أو تمريرها.
ويصف خبير اقتصادي المكاتب الاقتصادية بأنها «المركز المالي غير المعلن للمحاصصة»، لأنها تترجم النفوذ السياسي إلى حصص مالية، وتحوّل المناصب الحكومية إلى أدوات لإدارة السوق.
عشرات الشبكات ومئات الخلايا
يقدر الخبير الاقتصادي صادق الركابي، بحسب التقرير، عدد المكاتب الاقتصادية المرتبطة بالأحزاب بنحو 40 شبكة، تمتلك قرابة 200 خلية نفوذ داخل الوزارات ومجالس المحافظات والبلديات والمصارف والمؤسسات العامة.
ويشير إلى أن هذه الخلايا أنشأت أكثر من ألف شركة واجهة أو شبكة مقاولين مرتبطة بها، فيما تستحوذ المكاتب، وفق تقديراته، على نحو 10 في المائة من الموازنة العامة، بما يعادل قرابة 15 مليار دولار سنوياً.
ولا تشمل هذه التقديرات، بحسب الركابي، عائدات تهريب النفط والمشتقات أو الاستيلاء على أصول القطاع الخاص أو العمولات غير المرتبطة مباشرة بالموازنة.
كما يقدر حجم الأموال التي تستولي عليها هذه الشبكات بنحو 15.3 مليار دولار سنوياً، بينما تبقى الأرقام الدقيقة محل خلاف، نظراً لغياب بيانات رسمية شاملة عن حجم الأموال التي فقدتها الدولة بسبب الفساد والعقود الوهمية.
رجال أعمال تصنعهم الأحزاب
من أبرز نتائج توسع المكاتب الاقتصادية، وفق التقرير، ظهور طبقة من رجال الأعمال ارتبطت صعوداً بالأحزاب والقوى النافذة.
فبعض الأحزاب لم تكتفِ بالتعامل مع تجار معروفين، بل صنعت رجال أعمال من داخل بيئتها التنظيمية، ومنحتهم تسهيلات للحصول على العقود والإعفاءات والفرص الاستثمارية.
وفي المقابل، اضطر عدد من رجال الأعمال العاملين في السوق إلى الدخول في شراكات مع جهات سياسية، أو دفع نسب وعمولات، لضمان الحصول على عقد أو استلام مستحقاتهم.
ويقول تجار شاركوا في التحقيق إن بعض الشركات المرتبطة بالمكاتب لديها نشاط تجاري حقيقي، لكنها لا تستطيع توسيع أعمالها أو الحصول على الفرص الكبرى من دون المرور عبر الجهات التي تتحكم بالعقود.
أما شركات القطاع الخاص التي لا تمتلك غطاءً سياسياً، فتواجه صعوبات في الحصول على مستحقاتها أو المنافسة على المشاريع، ما يؤدي إلى إضعاف البيئة الاستثمارية ودفع عدد من المستثمرين إلى الانسحاب أو تقليص نشاطهم.
من بيع العقود إلى تأسيس الشركات
مرت المكاتب الاقتصادية، وفق التقرير، بثلاث مراحل رئيسية.
في المرحلة الأولى، بين عامي 2004 و2008، كانت الأموال المتحصلة من العقود والاختلاس تُنقل إلى الخارج، وتستخدم في شراء عقارات وفنادق وأراضٍ.
وفي المرحلة الثانية، بين عامي 2010 و2014، بدأت الشبكات بإنشاء مصارف محلية أو التعامل مع مصارف قريبة منها، بهدف إيداع الأموال وسحبها بصورة شبه رسمية، والاستفادة من نافذة بيع العملة وفروق أسعار الصرف.
أما المرحلة الثالثة، فبدأت بعد تشديد الرقابة الأميركية على المصارف والتحويلات المالية، إذ اضطرت المكاتب إلى البحث عن وسائل جديدة لإدخال الأموال في الاقتصاد المحلي، من خلال شركات عقارية ومجمعات تجارية ومصانع ومشاريع تبدو قانونية في ظاهرها.
ومع تضييق حركة الأموال إلى الخارج، أصبحت العقارات والمولات والمصانع الصغيرة أدوات لتخزين الأموال وإعادة تدويرها، بدلاً من إبقائها في حسابات مصرفية قد تتعرض للتجميد أو التدقيق.
النموذج البدائي ومشاريع الورق
في سنواتها الأولى، اعتمدت المكاتب الاقتصادية نموذجاً بسيطاً يقوم على إحالة العقد إلى شركة مقابل نسبة قد تصل إلى 30 في المائة من أرباحه.
لكن ضعف الخبرة الإدارية لدى بعض الأحزاب والجهات التي دخلت مؤسسات الدولة بعد عام 2003 أدى إلى فوضى كبيرة في إدارة العقود.
ويورد التقرير أمثلة عن مشاريع نُفذت على الورق فقط، شملت أعمدة إنارة ومحولات كهربائية وحدائق عامة وشبكات صرف صحي، من دون أن تظهر آثار حقيقية لها على الأرض.
وبحسب مسؤول رقابي سابق، فإن عدداً من المشاريع كان يسجل رسمياً بوصفه منجزاً، رغم أن التنفيذ الفعلي كان ناقصاً أو معدوماً.
ومع الوقت، تعلمت الشبكات كيفية استخدام الإجراءات الرسمية لتغطية العقود، وبدأت تؤسس شركات تابعة لها تتولى التنفيذ، ما رفع حصتها من الأرباح إلى 50 أو 60 في المائة في بعض الحالات.
إلا أن ضعف الخبرة الفنية أدى إلى تعثر مشاريع كثيرة، إذ تشير تقديرات إلى أن عدد المشاريع المتلكئة بين عامي 2008 و2014 بلغ نحو ستة آلاف مشروع.
ولادة الشركات الوهمية الوسيطة
بعد تزايد مشكلات التنفيذ والتدقيق، انتقلت المكاتب الاقتصادية إلى نموذج أكثر مرونة، يقوم على إنشاء شركات وسيطة مسجلة أصولياً، تحصل على العقد من الحكومة ثم تعيد التفاوض عليه مع شركة متخصصة.
وتستفيد الشركة الوسيطة من الفارق بين الكلفة الحقيقية للمشروع والقيمة المقدرة في العقد، ثم توزع الأرباح وفق نسب متفق عليها بين الأطراف.
فإذا قدرت كلفة تنفيذ مشروع بستة ملايين دولار، بينما بلغت قيمة العرض الحكومي 16 مليوناً، فإن هامش الربح يصل إلى عشرة ملايين دولار.
بعد ذلك تبدأ المساومات لتحديد الربح النهائي والنسبة التي يحصل عليها المكتب الاقتصادي، وقد تصل الحصة إلى ملايين الدولارات في عقد واحد.
ويشير محققون سابقون إلى أن هذه الآلية تجعل إثبات الجريمة أكثر تعقيداً، لأن الأوراق الرسمية تبدو سليمة، والعقد مسجل باسم شركة قانونية، ولا يظهر اسم الجهة السياسية أو الشخص الذي حصل على الحصة.
ولهذا يرى محقق سابق أن القضاء بحاجة إلى خبراء متخصصين في تحليل الكلف التخمينية، لأن الفارق بين الكلفة الحقيقية والقيمة المعتمدة في العقد يمثل المدخل الأساسي لفهم كيفية توزيع الأموال.
شبكة لا تعتمد على توقيع واحد
تقوم قوة المكاتب الاقتصادية على أنها لا ترتبط بتوقيع واضح يمكن أن يقود إلى رأس الشبكة.
فالمسؤول السياسي لا يوقع، والوسيط لا يظهر في العقد، والشركة المنفذة تتعامل مع شركة وسيطة مسجلة، بينما تودع العمولة في مكتب صيرفة أو تسجل على شكل صك أو عقار أو مركبة.
وبذلك تصبح كل حلقة منفصلة شكلياً عن الأخرى، رغم أن الجميع يعمل ضمن مسار واحد.
ويقول محققون إن بعض المتهمين أنفسهم لا يعرفون الصورة الكاملة، بل يؤدون أدواراً جزئية في شبكة تنتهي إلى مسؤولين سياسيين أو قيادات حزبية لا تظهر أسماؤهم في أي مستند رسمي.
وهذه البنية، وفق التقرير، هي التي سمحت للمكاتب الاقتصادية بالبقاء والتكيف مع الحكومات المتعاقبة، وتجاوز حملات مكافحة الفساد التي غالباً ما استهدفت موظفين أو وسطاء من دون الوصول إلى الجهات التي صنعت الشبكة وأدارتها.