غاص الفنان الحروفي سليم العلمي في تفاصيل المادة الحروفية، بوصفها فنا له أسسه المرجعية ومقوماته الجمالية، فقدم تجربة تنبض بالتجديد من خلال التحليل والتركيب والاستدلال والتطبيق، مستندا إلى فهم عميق لفن الحروفية. فهو يدرك قيمة العلاقة بين التشكيل والخط والصيغ الجمالية، لذلك يوظف الحروف والعلامات والأشكال والألوان ضمن رؤية بصرية غير مألوفة، تجعل من العمل الحروفي فضاء جماليا قائما بذاته. وتعكس أعماله نضجا فنيا وتفاعلا واعيا مع جماليات الحروفية وبنياتها، متجاوزة الوظيفة التقليدية للحرف بوصفه ناقلا للمعنى، إلى وظيفة تشكيلية ورمزية أكثر رحابة. فالحرف لديه يتحول إلى عنصر بصري مستقل، يتوحد مع التجريد، ويؤسس بنية تشكيلية تبرز فيها القيمة الجمالية قبل أي اعتبار آخر، بما يمنح العمل قدرة على التأثير في الوعي والذائقة، ويؤكد أن الحروفية العربية تمتلك مقومات فن عالمي.
ويولي الفنان عناية دقيقة لكل مفردة داخل اللوحة، إذ يصوغ عناصرها بتوازن تقني وجمالي، ويمنح كل شكل منزلته داخل البناء العام، لتتآلف الخطوط والألوان والعلامات في نسق بصري متجانس، يجمع بين الرونق والأناقة والوظيفة الرمزية. ومن خلال هذا التآلف يرتقي بالحرف العربي إلى مستوى رفيع من التعبير الفني، ويمنحه دلالات تتجاوز المعنى اللغوي إلى آفاق بصرية وثقافية أكثر اتساعا.
ويعزز سليم العلمي هذا المنحى عبر مسالك تشكيلية متعددة، تثري المادة الحروفية وتوسع المجال البصري، مستندا إلى التجريد وإلى توظيف تقنيات معاصرة تكشف الإمكانات التعبيرية الكامنة في الحرف. كما تسهم هذه التقنيات في إعادة بناء العلاقات بين الأشكال والعناصر التركيبية، بما يبرز رمزية الحرف داخل الفضاء التشكيلي، ويمنح العمل خصوصية تنبع من أسلوبه الشخصي.
وتتميز تجربته الحروفية بخصائص خطية وتشكيلية وجمالية متفردة، استجابت لتحولات فنية وثقافية وفلسفية، وأسهمت في بناء مشروع بصري متكامل. وقد لعبت موهبته دورا أساسيا في الارتقاء بالعمل الحروفي، من خلال تنوع الأداء، وشمولية الرؤية، والقدرة على الجمع بين الثقافة الفنية والتصور الجمالي، وهو ما يظهر بوضوح في أعماله التي تستند إلى مرجعيات فلسفية وفنية وتقنية، وتترجمها إلى صياغات بصرية متماسكة.
وبفضل هذا المسار استطاع سليم العلمي أن ينتج أعمالا حروفية متنوعة في تراكيبها وأشكالها، وأن يبتكر حلولا بصرية تقوم على اختزال المساحات، وتنويع العلامات، واستثمار تقويسات الحروف واسترسالاتها وإيقاعاتها. وهكذا أضفى على المشهد الحروفي طابعا إبداعيا متفردا، وجعل المتلقي العربي والغربي يقترب من الخصائص الجمالية والثقافية التي يختزنها الحرف العربي.
ويشكل هذا المنجز إضافة مهمة إلى الحروفية التونسية والعربية، بما يقدمه من ثراء في الأشكال والعلامات، ومن توظيف واع للأدوات الجمالية داخل الفضاء التشكيلي. وقد أتاح هذا التوظيف بناء نسق دلالي متجدد، منح الأعمال أبعادا جمالية متعددة، ورفعها إلى مستوى يواكب التجارب الفنية العالمية.
يقوم أسلوب سليم العلمي على تطوير الصيغ الجمالية انطلاقا من المقومات التراثية والحضارية، مع الانفتاح على آفاق التجريد والإيحاء. ومن خلال هذا التوازن بين الأصالة والابتكار استطاع أن يتجاوز القالب التقليدي للحروفية، وأن يقدم تجربة تؤكد حيوية الحرف العربي وقدرته على إنتاج خطاب تشكيلي معاصر.
كاتب مغربي