الضفة الغربية ـ «القدس العربي»: في منتصف الأسبوع الماضي، 25 أب/اغسطس، أصيب ثلاثة مواطنين فلسطينيين خلال هجوم شنه مستوطنون على تجمع الحِسْوِة، ببرية التعامرة، شرق بيت لحم. تركزت إصابات علي حمد الكرشان وابنيه عمر وهيثم في منطقة الرأس، ونُقلوا إلى مستشفى بمدينة بيت لحم لتلقي العلاج.
غير أن الجريمة لم تتوقف على إصابة المواطنين الثلاثة بل امتدت إلى المساحة الأكثر إيلاما حيث امتدت يد المستوطنين بعد محاصرة التجمع البدوي والاعتداء بالضرب على أفراد عائلة الكرشان، بينهم نساء وأطفال، وهاجموا منازل سالم حمدي الكرشان وأبنائه، قبل أن يستولوا على نحو 220 رأسًا من الماشية.
تندرج هذه الحادثة ضمن نمط متصاعد لـ «الاستيطان الرعوي» في مناطق الأغوار وبرية القدس وجنوب الضفة والمناطق المصنفة «ج»، حيث تستخدم مجموعات المستوطنين سرقة المواشي كأداة أساسية للضغط الاقتصادي على التجمعات البدوية والرعوية بهدف تهجيرهم قسرياً والسيطرة على أراضيهم ومراعيهم.
في قصة ثانية أكثر دموية وقعت بتاريخ 28 شباط/فبراير العام الجاري، وتحديدا في ثاني أيّام شهر رمضان الماضي، وذلك نحو السّاعة الثانية بعد الظهر حيث تقدّم مستوطنان – أحدهما فتىً (15 عامًا) – يسوقان قطيع أبقار في اتّجاه مزرعتيّ أغنام في أطراف قرية مخماس الواقعة جنوبي شرق مدينة رام الله. طارد المستوطنان صاحب إحدى المزرعتين، عايد أبو علي (52 عاماً) الذي كان يرعى أغنامه في جوار مزرعته. وبينما كان المستوطن الفتى يلوّح بعصاه مهدّداً عايد أبو علي وأغنامه، كان المستوطن الثاني يصوّر ما يجري. بعد ذلك، رشق الاثنان حجارة نحو عايد وأغنامه. وبعد نحو 10 دقائق على وُصول المستوطنَيْن، جاء ما يقارب 15 شخصًا من سكان القرية لنجدة عايد أبو علي. في الوقت نفسه تقريباً، جاء مستوطنان آخران أحدهما معروف لدى السكان باسم «إلياهو» وكان مسلّحًا بمسدّس، والثاني معروف هو أيضاً لدى السكان بأنه حارس مستوطنة مجاورة واسمه «أمير» وكان مسلّحًا ببندقيّة M16. في تلك المرحلة، حطّم المستوطن الفتى زجاج نافذة في سيّارة مؤيّد أبو علي، وأطلق المستوطن المدعو «أمير» 20-30 رصاصة في الهواء لكي يُبعد أفراد العائلة والسكان.
انسحب سكان القرية في اتّجاه المنازل وهناك انضمّ إليهم نحو عشرة آخرين من السكان، بضمنهم نصر الله أبو صيام (19 عاماً). في تلك المرحلة جاء من ناحية تلّة مجاورة تسمّى القُبّة مستوطنان ملثّمان وأخذا يرشقان السكان بالحجارة فأصابا نصر الله أبو صيام في خاصرته. بعد وقت قصير، جاء جنود في أربع سيارات «جيب» عسكريّة وأطلقوا الغاز المُسيل للدّموع نحو السكان فانسحب هؤلاء من المنطقة – ذهب بعضهم في اتّجاه منازل القرية والبعض الآخر في اتّجاه تلّة القُبّة، بينما اقتحم المستوطنون المزرعة ودخلوا إلى الحظائر. عندما حاول السكان العودة إلى المزرعة ليمنعوا سرقة الأغنام، أطلق الجنود نحوهم الغاز المُسيل للدّموع والرّصاص الحيّ، ووفّروا الحماية للّصوص فمكّنوهم من سرقة المئات من رؤوس الأغنام من المزرعتين.
نحو السّاعة 14:30 فوجئ السكان الذين فرّوا إلى التلّة بسبعة مستوطنين ملثّمين كانوا قد لحقوا بهم إلى هناك من جهة مزرعة عايد أبو علي. كان اثنان من المستوطنين مسلّحَيْن ببندقيتيّ M16، وواحد مسلّحًا بمسدّس، والبقيّة مسلّحين بالهراوات. وكان أحدهم قد ركع في وضعيّة قنص وأطلق النار على مجموعة الشبّان الفلسطينيّين من مسافة نحو 50 متراً. هبط الشبّان من التلّة فارّين من المستوطنين. في تلك الأثناء، لاحظت مجموعة أخرى من السكان أنّ 15 غنمة قد فرّت حين أخرج المستوطنون القطعان من الحظيرتين وصعدت التلّة. اتّجه عدد من السكان إلى التلّة ليُعيدوا الأغنام. وعندما وصلوا إلى رأس التلّة، فوجئوا بمستوطنين هناك وأخذ بعض السكان يرشقون المستوطنين بالحجارة.
بعد مضيّ وقت قصير، وبحسب شهادة حقوقية قدمتها مؤسسة بتسيلم، نحو السّاعة 14:45، أطلق مستوطن النار نحو السكان من بندقيّة M16 فأصاب نصر الله أبو صيام في فخذه الأيمن وأوقعه أرضاً. حمل عدد من السكان نصر الله وهبطوا به من التلّة ثمّ نُقل في سيّارة إلى عيادة محلية ومن ثم اضطرّ أصدقاء نصر الله إلى حمله والسير به مسافة كيلومتر تقريباً، حتى وصلوا إلى مدخل مخيّم قلنديا للّاجئين، ومن هناك تمّ نقله بسيّارة إسعاف إلى المستشفى في رام الله حيث وصل هناك ليعلن عن وفاته.
في الأيّام التي تلت هُجوم المستوطنين حضر صاحبا المزرعتين إلى محطّة الشرطة في «جيفع بنيامين» أربع مرّات على الأقلّ، لكي يقدّما شكوى ضدّ المستوطنين، لكنّ عناصر الشرطة منعوهما من دُخول المحطّة، بذرائع مختلفة.
في بلدة جِلجيليا، شمال مدينة رام الله قتلت قوّات إسرائيليّة بالرصاص شابّاً في الـ18 من عمره حاول استعادة القطيع الذي سرقه مستوطنون من عمّه، خلال هجوم مشترك شنّه مستوطنون وقوّات من الجيش والشرطة على ثلاث بلدات في منطقة رام الله بتاريخ 13 مايو أيار من العام الجاري بعد أن شنّ مستوطنون برفقة قوّات من الجيش سلسلة هجمات على ثلاث بلدات فلسطينية: سِنجِل وجِلجيليا وعبوين وكان جوهرها سرقة قطعان الماشية.
وفي أحدث تقرير صادر عن منظمة حقوقية إسرائيلية تسمى «بتسيلم» وحمل عنوان «يسرقون «نعجة الفقير» جاء فيه أنه في إطار الهجوم واسع النطاق الذي تشنه إسرائيل منذ تشرين الأول 2023 على مختلف مقومات حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية، بواسطة قواتها الرسمية والمستوطنين، تصاعدت أيضًا الاعتداءات على الفلسطينيين الذين يعتمدون في معيشتهم على تربية المواشي وأصبحت سرقة قطعان الأغنام أمرًا روتينيًا.
خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2026، وثقت المنظمة 17 حادثة سرقة حيوانات المزرعة من فلسطينيين. ورغم أن مثل هذه السرقات وقعت في سنوات سابقة أيضًا، إلا أنّ بعضها اتخذ هذا العام طابعًا أكثر تنظيمًا، وفي 8 حالات منها قام جنود الجيش بتوفير الحماية للمستوطنين أثناء تنفيذ السرقة.
وقعت خمسة من هذه الأحداث في مناطق صُنفت، وفق اتفاقيات أوسلو، ضمن المنطقة B، بل إن أحدها وقع في المنطقة A وجاء في التقرير الذي لم يحظى باهتمام رغم خطورة الموضوع أنه بعد أن ضيّقت إسرائيل على رعاة الأغنام والأبقار الفلسطينيين وطردتهم من معظم الأراضي المفتوحة التي كانوا يرعون فيها قطعانهم سابقًا، بهدف الاستيلاء عليها، اضطر هؤلاء إلى نقل قطعانهم إلى داخل القرى، لكنهم اكتشفوا أنهم لا يتمتعون بالأمان هناك أيضًا وأنّ مصدر رزقهم قد يُسلب منهم في أية لحظة. ذلك أن السرقات التي وثقناها منذ بداية العام نُفّذت، كلها تقريبًا، في داخل القرى نفسها، حيث يتم الاحتفاظ بالقطعان.
ويتراوح متوسط سعر الخاروف في الضفة الغربية اليوم بين 2.000 و4.000 شيكل، وبناءً عليه تبلغ القيمة المتوسطة لقطيع يضم مئة رأس نحو 300 ألف شيكل. وبسبب خطر السرقات ومنع الرعي، أصبحت تربية المواشي لكسب الرزق عملًا محفوفًا بالمخاطر ويكاد يكون مستحيلًا، ما اضطر كثيرين من المربين إلى بيع قطعانهم والبحث عن مصادر دخل بديلة.
منذ بداية العام 2026 وحتى نهاية شهر أيار/مايو، وثقت بتسيلم 17 حالة سرقة حيوانات المزرعة في أنحاء الضفة الغربية: فعلى سبيل المثال، في قرية المغير، التي كان مربو المواشي فيها يمتلكون حتى قبل بضع سنوات عشرات آلاف رؤوس الأغنام، لم يبق اليوم سوى بضعة آلاف فقط. ويتكبد أصحابها خسائر فادحة لأن إسرائيل تمنعهم من رعيها في أراضي القرية، ما يجبرهم على شراء الأعلاف لها.
وقالت «بتسيلم» إن منع الرعي، فرض القيود على الحركة وأعمال العنف الشديدة تهدف كلها إلى تمكين إسرائيل من السيطرة على الأراضي المفتوحة في الضفة الغربية. وبعد أن تم إجبار مربي المواشي على مغادرة تلك الأراضي وحُصرهم في داخل القرى، أصبحت سرقة القطعان حلقة إضافية في الهجوم على القرى، تهدف إلى تدمير قطاع تربية المواشي ومنع أي عودة إلى الرعي، ثم قطع مصدر رزق المربين بالتالي.
وثقت منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة 1666 انتهاكًا ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون بحق التجمعات البدوية في الضفة الغربية المحتلة خلال شهر تموز/يوليو الماضي.
وقالت إن طبيعة الانتهاكات تكشف عن تكامل بين الأدوات العسكرية والأمنية والاستيطانية والاقتصادية، بما يشير إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة «ج»، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على مساحات تشكل امتدادًا جغرافيًا للمشاريع الاستيطانية المستقبلية.
وسجل التقرير 472 اعتداءً نفذها المستوطنون، بما يقارب 28 في المئة من إجمالي الانتهاكات الموثقة خلال تموز/يوليو، معتبرًا أن ذلك يؤكد تحول عنف المستوطنين إلى إحدى أبرز أدوات الضغط على الفلسطينيين.
وفي حديث رئيس «اتحاد جمعيات المزارعين» عباس ملحم مع «القدس العربي»، شاركنا مخاوفه في ظل ما يترتب على حالات السرقة، وجعل حياة المزارعين ومربي الماشية جحيمًا لا يطاق.
وشدد ملحم: «إذا سرقنا منك أرضك نكون كمن يقطع يدك، أما اليد الثانية فيتم قطعها إذا حرمت من الحيوانات التي تقوم بتربيتها، وهي مصدر الحياة الثانية للمزارعين».
ويضيف: «في حال تم استهداف الأرض والحيوانات، فإن ما يحدث هو تدمير كامل لمصادر رزق وحياة المزارعين، وبالتالي تحويل حياة المزارعين إلى جحيم وحرمانهم من كل مقومات الصمود».
ويرى ملحم أن المستوطنين يدركون تمامًا من أين وكيف يمكن قلع المزارع الفلسطيني من صموده، أما عملية قتل الأغنام ومصادرتها وسرقتها وكل ما يجعل من حياته ممكنة، فتعني قتل الحياة وكل مقوماتها وأرضها.
وتابع: «ما يجري هو أكبر عملية إيلام وفعل قتل فظيع».
ويرى أن عمليات سرقة قطعان الأغنام تحدث يوميًا، ومعروف تمامًا من قام بسرقتها. هناك مقاطع مصورة بالفيديو، ووجوه السارقين مكشوفة في أغلب الأحيان، وعندما تذهب لرفع قضية من خلال الشرطة الإسرائيلية، فإن الجواب يكون جاهزًا ومفاده أن هذه الأغنام ليست لك.
وبحسب ملحم، فإن عدد ما سُرق من الماعز والأغنام من بداية السنة وحتى اليوم يصل إلى 20 ألف رأس تقريبًا، حيث توجد أعداد غير مسجلة رسميًا، وهذا يشمل ما قُتل ذبحًا أو سُرق. ويرى أن المعطيات تقول إن عمليات استهداف المزارعين تعزز إجراءات الطرد الإجباري.
الباحث في شؤون الاستيطان في مناطق الأغوار الفلسطينية رائد موقدي يقول في تصريحات لـ«القدس العربي» إن مستقبل الثروة الحيوانية أصبح في خطر شديد من مناحي عديدة، «نسبة كبيرة من المراعي أغلقت كليا بفعل البؤر الاستيطانية وسياسة التسييج ونشاطات المستوطنين والنتيجة الماثلة تتمثل في انحسار وتراجع مساحات المراعي بشكل كبير جدا».
ويضيف موقدي: «يمكن هنا أن نضيف أن المستوطنين أيضا سيطروا على نسبة كبيرة من الينابيع المائية هناك، وبالتالي المور المائي شحيح جدا، ومع ارتفاع أسعار الأعلاف وزيادة المخاطر وحالات السرقة التي تزيد ولا تتقلص فإن الواقع يخبرنا أن هناك عزوف أكبر عن مهنة تربية المواشي امام حالة عامة من الخطر الشديد».
وتكشف المقارنة الشهرية الرسمية الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن تصاعد حاد في اعتداءات المستوطنين خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 إذ ارتفع مجموعها من 2524 اعتداءً في الفترة المناظرة من عام 2025 إلى 4113 اعتداءً، بزيادة مقدارها 1589 اعتداءً ونسبتها 63 في المئة. وتجاوزت أعداد عام 2026 نظيرتها في جميع الأشهر من دون استثناء، مع بلوغها أعلى مستوياتها في حزيران وتموز بواقع 748 و798 اعتداءً، مقارنة بـ442 و466 اعتداءً في الشهرين نفسيهما من العام السابق.
ويبين المسار الشهري أن التصاعد لم يكن خطياً تماماً، لكنه حافظ على مستوى مرتفع واتخذ منحى أشد حدة مع الاقتراب من منتصف العام.
وقالت الهيئة: «لا يمكن قراءة هذا الارتفاع بوصفه تجمّعاً لحوادث فردية منفصلة، بل باعتباره نتاج بيئة تمكين سياسي وأمني وقانوني تعززت منذ تشكيل حكومة اليمين المتطرف نهاية عام 2022. فقد تزامن تصاعد الاعتداءات مع توسيع البؤر الاستعمارية، ولا سيما الرعوية منها، وتسليح المستعمرين وإدماج بعضهم في تشكيلات أمنية، وتوفير الحماية العسكرية وتراجع المساءلة، إلى جانب تبادل وظيفي متزايد بين الجيش والمستعمرين في فرض السيطرة على الأرض وتقييد وصول الفلسطينيين إليها. ويضاف إلى ذلك تردد المواقف الدولية وضعف أدوات الردع والمحاسبة، بما أسهم في انتقال إرهاب المستعمرين من اعتداءات متفرقة إلى أداة منظمة لفرض الوقائع الجغرافية ودفع التجمعات الفلسطينية نحو الانحسار والتهجير».