الضفة – «القدس العربي»: بدا أن أزمة جديدة وخطيرة بدأت تشكل خطرا جدّياً على القطاع الصحي حسب ما أفادت به مصادر وزارة الصحة الفلسطينية لـ»القدس العربي».
وعلمت «القدس العربي» من مصادر في وزارة الصحة أن أزمة المخزون الدوائي خطيرة، وأخطر مما يعتقد كثيرون.
وقالت المصادر إن هذه الأزمة تمس حياة قطاعات عديدة من المرضى، فيما تستعد الوزارة خلال الساعات المقبلة لإصدار بيان تفصيلي تتناول فيه الأزمة الأخطر التي يمر بها القطاع الصحي في الضفة الغربية.
وأضافت المصادر أن «جميع الحلول المتوفرة لن توقف الأزمة، في ظل استمرار إسرائيل في احتجاز أموال المقاصة، وهو ما يمثل حكما بإعدام المرضى الفلسطينيين، خصوصا مرضى السرطان والكلى».
وعكست قصص المواطنين الذين تحدثت إليهم «القدس العربي» بعضا من ملامح خطر يلوح.
فالمواطنة ربى المصري، من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، لم تجد وسيلة لنقل استغاثتها المتعلقة بصحة أخيها المصاب بمرض «الكرونز» منذ عام 2018، إلا عبر بث مناشدتها وإعلاء صوتها في وسائل الإعلام المختلفة، بعد أن فقدت كل الأمل والرجاء في الجهات الرسمية والخاصة.
وتقول المصري في حديث مع «القدس العربي»: «أرفع صوتي لنقل مناشدة إنسانية لأصحاب الضمائر.. ولكل مسؤول في القطاع الصحي.. فقلوبنا يعتصرها الألم.. والعيون يملؤها الخوف على حياة أطفالنا وشبابنا المرضى الذين يواجهون مضاعفات خطيرة تتفشى في أجسادهم وتهدر حياتهم في كل لحظة، والسبب عدم توفر الدواء».
وتضيف: «الموت لا يتربص بمرضى القلب أو بمن يصابون بالسكتات الدماغية كما يظن البعض، وكما ترفع بعض المستشفيات شعار إنقاذ الحياة عبر التدخل بتقديم العلاج، فمريض «الكرونز» إذا حرم من جرعة علاجه يواجه خطر الموت تماما».
و»داء كرونز» هو حالة التهابية مزمنة تصيب الجهاز الهضمي، ويقع المرض تحت مظلة أمراض الأمعاء الالتهابية، ويهاجم الجهاز المناعي أنسجة الأمعاء عن طريق الخطأ، مسببا تورما وتقرحات في أي جزء منه، وقد تبدأ في الفم وصولا إلى فتحة الشرج.
ويعاني شقيق المصري، «أحمد»، 33 عاما، من المرض منذ عام 2018، حيث تدرج بالعلاج وصولا إلى العلاج البيولوجي، ويفترض أن يحصل على إبر بالوريد كل شهرين.
وتشدد المصري على أن العلاج منذ شهرين متواصلين «مقطوع وغير متوفر»، وهو الأمر الذي يؤدي إلى مضاعفات خطيرة على الجهاز الهضمي، إلى جانب فقدان السوائل من الجسم بشكل خطير للغاية، ما يسبب تقرحات شديدة في الأمعاء.
وتتابع مطلقة صرختها: «نداء للجميع… نعرف حجم المعاناة التي يعيشها الأطباء.. ونقر بالحقوق المالية للأطباء وللشركات الخاصة.. وندرك أزمة الرواتب والديون على الحكومة.. لكن في مقابل ذلك فإن أرواح أولادنا في خطر شديد».
وتضيف: «لا يجب أن تصبح أرواح أولادنا ثمنا للأزمات المالية.. حياة أولادنا غالية، وهي أغلى من كل الرواتب والمستحقات المالية والديون المتراكمة على الحكومة.. وضعنا حرج، ولا يجب أن نضحي بحياة المرضى لأن السلطة عاجزة عن سداد مستحقات شركات الأدوية».
ومنذ بداية أيار/ مايو، يخوض الأطباء والممرضون العاملون في القطاع العام الفلسطيني في الضفة الغربية إضرابا بسبب عدم حصولهم على رواتبهم كاملة منذ سنوات. وحتى قبل الإضراب، اقتصرت الخدمات المقدمة حاليا في المستشفيات الحكومية على الحالات المنقذة للحياة، كما تحدث أطباء لـ»القدس العربي».
ويشمل الإضراب في المؤسسات الطبية الحكومية أكثر من 400 عيادة تابعة لوزارة الصحة تعمل في الضفة الغربية.
وتطالب المصري بضرورة أن «نسند أنفسنا ببعض»، وتنادي أصحاب «الضمائر الحية» والأطباء بحق الواجب المهني، وتشدد على ضرورة التحرك من «أجل توفير العلاج لمرضى «الكرونز» قبل أن نفقدهم… فالأرواح لا تنتظر الميزانيات».
وتبلغ تكاليف إبرة شقيقها المريض نحو 4000 شيكل، وهي «لا تتوفر خارج إطار وزارة الصحة نهائيا، كما لا تباع في الصيدليات ولا توفرها مستودعات الدواء مهما كانت طبيعتها».
صرخة طبيب
وفي المقابل، يتساءل الدكتور قصي عبده، المختص في أمراض الجهاز الهضمي، ورئيس جمعية الجهاز الهضمي الفلسطينية: «هل أصبح الحصول على جرعة العلاج البيولوجي أصعب من الحصول على جرعة مخدرات؟».
ويطرح عبده هذا السؤال من زاوية إنسانية، في ظل ما يراه من معاناة المرضى بسبب انقطاع العلاجات البيولوجية، خصوصا مرضى داء كرونز والتهاب القولون التقرحي، الذين تمثل هذه الأدوية بالنسبة لهم شريان حياة أكثر من كونها مجرد علاج.
ويقول عبده إن المريض ينتظر جرعته بقلق وترقب، ليس بسبب اعتماد إدماني، وإنما لأنها الوسيلة التي تساعده على السيطرة على مرضه وتجنب الانتكاسات والمضاعفات وتدهور حالته الصحية.
ويشدد على أنه «عندما يصبح الحصول على هذا العلاج صعبا أو غير مضمون، يعيش المريض وأسرته حالة من الخوف والإحباط لا ينبغي أن تكون جزءا من رحلتهم العلاجية».
وفي وقت سابق، ناشد الطبيب عبده على صفحته الشخصية على «الفيسبوك» من دون أي نتيجة، وهو ما دفعه إلى تكرار المناشدة السابقة التي «ذهبت أدراج الرياح، بينما لا يزال المرضى يدفعون ثمن انقطاع العلاج من صحتهم واستقرار حياتهم».
وقال الطبيب عبده: «إن مرضى كرونز والتهاب القولون التقرحي يعتمدون بشكل أساسي على العلاج البيولوجي، وعلى رأسه دواء الإنفلكسماب، كخيار علاجي حيوي لا غنى عنه للسيطرة على المرض ومنع تفاقمه».
وأكد أن انقطاع هذا الدواء أو عدم توفره بشكل منتظم يعرض المرضى لمخاطر صحية جسيمة، ويؤدي إلى انتكاسات متكررة قد تكون حادة ومهددة للحياة.
أزمة مخزون خطيرة
وتعاني الصيدليات الحكومية من نقص حاد في معظم الأدوية، بينما تتراجع مخزونات الأدوية المخصصة للعلاجات المنقذة للحياة، مثل أدوية السرطان وأمراض الكلى. كما أن العديد من المرضى المشمولين بالتأمين الصحي الحكومي لم يعودوا قادرين على شراء أدويتهم من السوق الخاصة.
وكشفت جانبا من المعطيات الأولية التي تشير إلى أن أكثر من ثلث الأصناف الموجودة في قائمة الأدوية الأساسية بات رصيدها صفرا، وأكثر من نصف أدوية السرطان رصيدها صفر، وأن الأزمة وصلت حد خيوط الجراحة.
وشددت على أن الأزمة الدوائية هي الأكبر في تاريخ القطاع الصحي الفلسطيني، وهو ما يجعل المخاوف متزايدة من تدهور أوضاع المرضى المصابين بالأمراض المزمنة في الضفة الغربية وارتفاع معدلات الوفيات، في ظل الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها السلطة الفلسطينية وتفاقم الأوضاع الاقتصادية للسكان.
خلية أزمة
وقبل أيام، عقد وزير الصحة، د. ماجد أبو رمضان، اجتماعات متعاقبة مع الإدارات ذات العلاقة، ضمن خلية الأزمة التي يقودها وكيل وزارة الصحة، د. وائل الشيخ، لبحث واقع توفر الأدوية والمستهلكات الطبية في ظل الأزمة المالية المتفاقمة والضغط الكبير على القطاع الصحي.
وقالت الوزارة في بيان صحافي وصلت نسخة منه إلى «القدس العربي»، إن الأزمة الراهنة باتت تطال مختلف مكونات القطاع الصحي في الضفة الغربية، بما يشمل المشافي الحكومية والأهلية والخاصة، إضافة إلى موردي الدواء والمستهلكات الطبية، نتيجة تراكم الديون وعدم انتظام السداد.
وأشارت إلى أن مئات الأصناف من الأدوية والمستهلكات الطبية الحيوية وصلت إلى مستويات حرجة من النفاد، بما في ذلك أدوية إنقاذ الحياة، وأدوية الأورام، وأدوية غسيل الكلى، ما يشكل تهديدا مباشرا لاستمرارية تقديم الخدمات الصحية.
أرقام مقلقة
وقال أبو رمضان، خلال اجتماع مع ممثلي شركات الأدوية الأسبوع الماضي، إن الوزارة كانت تشتري بصورة منتظمة 1260 صنفا دوائيا، لكن المتوفر حاليا في مخازنها وعلى رفوفها لا يتجاوز 260 صنفا.
وناشد أبو رمضان شركات الأدوية مواصلة تزويد الوزارة بالأدوية، رغم أن ديونها لها بلغت 1.3 مليار شيكل، لكنه أضاف أن العديد من الشركات لم تعد قادرة على تلبية هذا الطلب لأنها فقدت قدرتها المالية على استيراد الأدوية من الخارج.
وتشير الأرقام إلى أن الدين المتراكم على وزارة الصحة الفلسطينية تجاه الموردين الخارجيين يقدر بنحو 2.6 مليار شيكل.
وتعود الأسباب المباشرة الرئيسية لهذه الأزمة إلى احتجاز إسرائيل عائدات المقاصة والجمارك الفلسطينية من قبل وزارة المالية الإسرائيلية، بعد اقتطاع المدفوعات الخاصة بالمياه والكهرباء وغيرها من الخدمات، إضافة إلى منع نحو 170 ألف عامل فلسطيني من العودة إلى أعمالهم داخل إسرائيل.