المقابر الجماعية في العراق وتسييس الجريمة!


كتبنا كثيرا عن جرائم الإخفاء القسري، وعن السياسة المنهجية التي تعتمدها الدولة العراقية للتغطية على هذه الجرائم المثبتة (عدها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية 1998 جريمة ضد الإنسانية، وترقى لأن تكون جريمة حرب، إذا ارتكبت في سياق حرب ذات طابع دولي أو غير دولي)، وكانت التغطية على هذه الجرائم تتم عبر آليات متعددة تضمن إفلات مرتكبيها من العقاب!
في يوم 18 أيار 2026 أعلنت مؤسسة الشهداء عن فتح سبع مقابر جماعية في منطقة سهل عكاز في ناحية الصقلاوية في محافظة الأنبار، والعثور على 16 رفات فيها. لكن في سياق انعدام المهنية وغياب المصداقية، استبقت الهيئة التحقيقات والفحوصات المخبرية لتحليل الحمض النووي (DNA)، ولم تنتظر أصلا استكمال إخراج كل الرفات، وأصدرت بيانا قالت فيه إن هذه المقابر «تعود لضحايا قضوا في ثمانينيات القرن الماضي على يد نظام صدام»! وأضاف البيان أن المكتب الإعلامي لرئيس المؤسسة يستهجن ويرفض «بأشد العبارات المحاولات البائسة والممنهجة التي يقودها بعض أذناب النظام المباد لمخادعة المجتمع العراقي والرأي العام، عبر تزييف الحقائق التاريخية والادعاء كذباً وزوراً بأن هذه المقابر تعود لحقبة ما بعد عام 2014». وأن « جميع المكتشفات والقرائن الجنائية المستحصلة من أرض الموقع تثبت قطعاً، وبما لا يقبل الشك، وحشية الجرائم التي ارتكبتها أجهزة النظام الـبعثي المجرم بحق هؤلاء الأبرياء في ثمانينيات القرن المنصرم»! وأن الهيئة «ستستمر في أداء رسالتها الوطنية والإنسانية بكشف الجرائم التاريخية وملاحقتها بالاعتماد على الحقائق والقرائن الطبية والقانونية التي لا يمكن للأكاذيب أن تطمسها»!
لكن بعد يوم واحد فقط، نسيت الهيئة بيانها السابق، وأصدرت بيانا جديدا نقضت فيه كل الخطاب السياسي المتهافت الذي جاء في بيانها السابق، لتقول إن أعمال الكشف ورفع العينات يتم وفق إجراءات علمية وقانونية معتمدة، وبإشراف فرق مختصة بملف المقابر الجماعية والطب العدلي، تمهيداً لإجراء فحوصات الحمض النووي (DNA) والتحاليل الجنائية داخل المحافظة، بهدف التحقق من هوية الرفات وتحديد تاريخ المقبرة بشكل دقيق». وأن «نتائج الفحوصات المختبرية والأدلة الفنية وحدها القادرة على حسم طبيعة الموقع، بعيداً عن محاولات التضليل الإعلامي أو إطلاق الأحكام المسبقة»!
في هذا السياق كانت هناك حملة منهجية، اجتاحت المجال العام، عبر وسائل الإعلام المختلفة، ووسائل التواصل الاجتماعي، للتشكيك بأي محاولة للربط بين هذه المقابر الجماعية، وجرائم الإخفاء القسري التي جرت في المنطقة نفسها في سياق الحرب على داعش.
فبالعودة إلى هذا السياق وثقت بعثة الأمم المتحدة (يونامي) في تقريرها عن وضع حقوق الإنسان في العراق للمدة من كانون الثاني/ يناير إلى حزيران/يونيو 2016 أنه «في يومي 4 و5 تقريبا من شهر حزيران/يونيو [2016]، فر آلاف المدنيين من قريتهم من الصقلاوية بالقرب من الفلوجة … فاعترضتهم جماعة مسلحة مساندة للقوات الامنية العراقية، حددها الشهود بأنها من كتائب حزب الله. وقامت الميليشيا على الفور بفصل نحو 1500 من الرجال والصبيان المراهقين عن النساء والأطفال … وفي يوم 5 حزيران تم فصلهم إلى مجموعتين؛ تتكون أحداهما من 605 رجال وصبي، والثانية من حوالي 900 شخص. بعد أن تم تسليم المجموعة الاصغر إلى السلطات الحكومية، بما في ذلك جثث أربعة رجال، تبين الصور التي التقطت لهم لحظة تسليمهم، أن أيديهم كانت مقيدة، وبدا عليهم انهم تعرضوا للضرب حتى الموت… وتم إعداد قائمة تضم 643 رجلا وصبيا مفقودين، فضلا عن 49 آخرين يعتقد أنهم إما ان يكونوا أعدموا تعسفيا او عذبوا حتى الموت في أثناء الاحتجاز الأولي لدى كتائب حزب الله … وفي 6 حزيران أعلن رئيس وزراء العراق حيدر العبادي، صراحة، عن تأسيس لجان للتحقيق… وأصدر أوامر صارمة لمحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات».

 تاريخ التعامل مع ملفات حقوق الإنسان في العراق وتحقيقات اللجان، لا يشجع على الوثوق بنتائج تحقيق تصدر عن جهة رسمية عراقية

لكن نتائج التحقيق لم تصدر، ولم يحاسب أحد حتى اليوم، مع أن المعلومات التي توفرت لاحقا لهذه اللجنة، ووفقا لما قاله لي شخصيا وزير سابق في حكومة السيد العبادي، أكدت أن المجموعة الأولى قد اقتادتها المليشيا التي يقودها القيادي في منظمة بدر داغر الموسوي (الوثائق المصورة تثبت وجوده في منطقة الجريمة)، اختفت قسريا ولم يعثر عليهم حتى اليوم!
المفارقة هنا، أن بعثة الأمم المتحدة التي وثقت هذه الجريمة، كما وثقت جرائم أخرى عديدة، «تغافلت» عن هذه الجرائم تماما فيما بعد، ولم تعد تشير إليها مطلقا، ولهذا كنا دائما نطلق على هذه البعثة توصيف «شاهد الزور»!
على عكس منظمات دولية أخرى ظلت حريصة على عدم التغطية على هذه الجرائم، مثل منظمة العفو الدولية التي استمرت في التذكير بهذه الجريمة في بياناتها؛ فتحت عنوان «أفصحوا عن مكان وجود 643 رجلاً وصبياً اختفوا منذ خمس سنوات « قالت المنظمة في بيان لها بتاريخ 3 حزيران/ يونيو 2021 أنه حتى الآن، لم تصرح السلطات العراقية علناً قط عن نتيجة التحقيق في حالات الاختفاء والانتهاكات التي ارتكبت أثناء عملية استعادة الفلوجة، تاركة الأسر في حالة مستديمة من عدم اليقين، وانه «يجب على السلطات العراقية وضع حد لهذا العذاب، والكشف عن مصير وأماكن وجود أولئك الذين اختفوا قسرياً على أيدي هيئة الحشد الشعبي. كما نحث السلطات على الإفصاح علناً عن نتائج تحقيقاتها الرسمية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات».
أما منظمة هيومن رايتس ووتش، فقد كانت حريصة في تقريرها المبعوث إلى «الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي» في أيار/ مايو 2020 على التذكير بجرائم الاختفاء القسري في العراق بين عامي 2014 و 2017 في سياق الحرب على داعش، ومن بينها جريمة الصقلاوية. فقد تحدث التقرير حول وقوع « أبرز إخفاء جماعي منذ العام 2003 خلال العمليات العسكرية التي قامت بها قوات الأمن العراقية من يونيو/حزيران إلى يوليو/تموز 2016 ضد داعش في مدينة الفلوجة بمحافظة الأنبار. في ذلك الوقت، أفادت هيومن رايتس ووتش اعتمادا على ادعاءات موثوقة  أنه خلال أسبوعين، من القتال، نفذت القوات الحكومية إعدامات دون محاكمة، وضربت رجالا عُزلا، وارتكبت الإخفاء القسري، ومثّلت بالجثث». ونقلت المنظمة عن عضو لجنة التحقيق التابعة لرئيس الوزراء في جريمة الصقلاوية تحديدا في أوائل 2017، الذي قال لها «إنه بسبب حساسية نتائجهم، لن يُصدروا أي منها»!
تاريخ التعامل مع ملفات حقوق الإنسان في العراق وتحقيقات اللجان التي تتشكل من دون إعلان نتائج تحقيقاتها، لا يشجع على الوثوق بنتائج تحقيق تصدر عن جهة رسمية عراقية، بل يشي بوضوح بالتسييس المنهجي للجرائم والتعامل معها وفقا لهوية مرتكبيها، اجتماعيا وسياسيا وقضائيا. كما أن استمرار هذا التدليس على الحقائق تتحمله ايضا الطبقة السياسية السنية التي عجزت عن تحقيق مطالب ذوي الضحايا ولم تكن تجرؤ حتى على تسمية جريمة الاخفاء القسري وفقا لتوصيفها القانوني، حيث اضطرت لاختراع مصلح لا معنى له، من الناحية القانونية، وهو مصطلح «المغيبين».من أجل ذلك كله، لا يمكن الوثوق اليوم أيضا بنتائج، إن صدرت، تتعلق بهوية الضحايا الذين عثر على رفاتهم في المقبرة الجماعية في الصقلاوية، وقد فضحت مبدئيا بيانات هيئة الشهداء هذه الحقيقة!
٭ كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *