نواكشوط –«القدس العربي»: في مؤشر جديد على تصاعد التوتر السياسي والاجتماعي في موريتانيا، صعّدت أقطاب المعارضة لهجتها تجاه السلطة، متهمة النظام بالوقوف وراء ما وصفته بـ «حالة الاحتقان» التي تعيشها البلاد، نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية والتضييق على الحريات واستمرار السياسات التي تزيد من معاناة المواطنين.
جاء ذلك في سياق بيان مشترك صدر عقب مهرجان جماهيري حاشد بنواكشوط، عن أقطاب المعارضة الموريتانية الثلاثة، وهي: مؤسسة المعارضة الديمقراطية الموريتانية التي يقودها إسلاميو حزب «تواصل»، وقطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية ويضم المعارضة التقليدية، وقطب التناوب الديمقراطي 2029، ويضم الأحزاب والتيارات ذات الخطاب المتشدد.
ودعت المعارضة في بيانها نظام الرئيس ولد الشيخ الغزواني إلى «وقف التدهور القائم وإعادة التهدئة»، محذّرة مما سمته «مخاطر استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وما قد تخلقه من توترات تهدد الاستقرار الداخلي، في وقت تشهد فيه البلاد نقاشات متصاعدة حول الغلاء وحرية التعبير والوحدة الوطنية».
وأكدت المعارضة في البيان «أن الجماهير التي احتشدت، قالت بصوت جهوري: لا لارتفاع الأسعار، لا للفساد وسوء التسيير، ولا لتحميل المواطنين تبعات فشل النظام في إدارة الأزمات»، معتبرة «أن الأوضاع بلغت مرحلة لم يعد معها الشارع قادرا على تحمل مزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية».
التحذير من الاحتقان
ولم يقتصر خطاب المعارضة على الجانب المعيشي فقط، بل اتجه نحو تحميل النظام المسؤولية الكاملة عن «حالة الاحتقان الحالية»، من خلال ما وصفته بـ «التضييق على الحريات العامة، واستهداف السياسيين والمدونين والصحفيين، واعتقال النواب والحقوقيين بسبب آرائهم».
لكن اللافت في بيان المعارضة هذه المرة كان التركيز القوي على ملف الوحدة الوطنية، حيث حذّرت من «محاولات دق الإسفين بين مكونات الشعب، معتبرة أن اللعب على التناقضات الاجتماعية والعرقية أصبح يشكل خطرا حقيقيا على الاستقرار الداخلي.
ويأتي هذا الخطاب في ظل تصاعد الجدل خلال الأشهر الأخيرة حول قضايا الهوية والتمييز والشرائح الاجتماعية، وهي ملفات ظلت تاريخيا من أكثر القضايا حساسية في المشهد الموريتاني، وغالبا ما تعود إلى الواجهة في فترات التوتر السياسي أو الأزمات الاقتصادية.
وترى المعارضة أن معالجة هذه الملفات لا يمكن أن تتم عبر «التوظيف السياسي أو الأمني»، بل من خلال «حوار وطني جاد» يعالج جذور الاختلالات الاجتماعية ويعزز المواطنة والمساواة.
ويأتي هذا التصعيد السياسي في وقت تشهد فيه موريتانيا نقاشات متزايدة حول ملف الحريات، عقب توقيف وسجن عدد من النشطاء والمدونين والبرلمانيين، من بينهم النائبتان مريم الشيخ وقامو عاشور، اللتان طالبت المعارضة بالإفراج الفوري عنهما، معتبرة أن استمرار اعتقالهما يمثل مؤشرا على «تراجع خطير» في مناخ الحريات السياسية وحرية التعبير.
وخلال كلمات قادة المعارضة في المهرجان، بدا واضحا السعي إلى الربط بين الأزمة الاقتصادية والتوتر السياسي، إذ اعتبر المتحدثون أن ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين ترافق مع «انسداد سياسي» وتراجع في الثقة بين السلطة والشارع.
مزيد من التوتر
ويؤكد هذا المهرجان الذي توحت فيه المعارضة والبيان المشترك الصادر بعده أن الساحة السياسية في موريتانيا تتجه نحو مزيد من التوتر، بعد أن رفعت المعارضة من سقف خطابها تجاه السلطة، متحدثة في بيان عن «حالة احتقان سياسي» قالت إن النظام يتحمل مسؤوليتها الكاملة.
ويأتي هذا التصعيد في أعقاب حشد جماهيري نظمته أقطاب المعارضة في نواكشوط، سعت من خلاله إلى توجيه رسائل سياسية قوية بشأن الغلاء المعيشي، وارتفاع أسعار المحروقات، ومخاطر الانقسام الاجتماعي، وسط ظرف إقليمي حساس وتحديات داخلية متزايدة تلقي بظلالها على المشهد الوطني.
وشكّل المهرجان مناسبة لإعادة توحيد خطاب أطراف سياسية متباينة حول جملة من القضايا المشتركة، في مقدمتها الغلاء المعيشي، وارتفاع أسعار المحروقات، وتراجع الحريات، إضافة إلى ما تعتبره المعارضة «استغلالا خطيرا» للملفات الاجتماعية والهوياتية بما يهدد السلم الأهلي.
وركّزت خطابات عدد من قادة الأحزاب المعارضة على الزيادة المتكررة في أسعار الوقود وما تسببت فيه من موجة غلاء طالت المواد الأساسية والنقل والخدمات، معتبرين أن الحكومة «فشلت في حماية الفئات الهشة»، رغم ما تمتلكه البلاد من ثروات معدنية وسمكية وطاقوية.
كما استحضرت المعارضة ما وصفته بـ»اتساع مظاهر الفساد والهدر»، متهمة السلطة بعدم توجيه الموارد الوطنية لتحسين ظروف المواطنين، في وقت تتزايد فيه معدلات البطالة والفقر، خاصة في الأوساط الشبابية.
في المقابل، لم يصدر حتى الآن رد رسمي مباشر على بيان المعارضة الأخير، غير أن الحكومة كانت قد دافعت في مناسبات سابقة عن سياساتها الاقتصادية، مؤكدة أنها تواصل دعم المواد الأساسية والمحروقات رغم الضغوط المالية العالمية، كما تعتبر أن الإجراءات الأمنية والقضائية المتخذة بحق بعض النشطاء تدخل في إطار تطبيق القانون وليس التضييق على الحريات.
رسائل سياسية
ويرى مراقبون أن الحراك المعارض الحالي يحمل عدة رسائل سياسية، أولاها محاولة استعادة الشارع بعد فترة من الهدوء النسبي، وثانيها توجيه ضغط مباشر على السلطة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وثالثها إعادة ترتيب صفوف المعارضة حول خطاب موحد يقوم على الدفاع عن الحريات والعدالة الاجتماعية.
كما يلفت هؤلاء إلى أن المعارضة تسعى إلى الاستفادة من حالة التململ الشعبي الناتجة عن الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصا مع تزايد تأثير الأزمات الاقتصادية العالمية على السوق المحلية، وارتفاع أسعار الوقود والنقل والمواد الغذائية خلال الأشهر الأخيرة.
غير أن التحدي الأكبر أمام المعارضة يبقى في قدرتها على تحويل هذا الزخم الجماهيري إلى مشروع سياسي متماسك قادر على إحداث تأثير فعلي في المشهد الوطني، خاصة في ظل التباينات الإيديولوجية والتنظيمية بين مكوناتها المختلفة.
في المقابل، تبدو السلطة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بامتصاص حالة الاحتقان عبر خطوات عملية تتجاوز الخطاب السياسي، سواء من خلال التهدئة السياسية، أو إطلاق حوار مع القوى المعارضة، أو اتخاذ إجراءات اقتصادية تخفف من معاناة المواطنين.
ومع استمرار التجاذب بين الطرفين، تبدو موريتانيا أمام مرحلة سياسية دقيقة، عنوانها الأبرز تصاعد الاحتقان الاجتماعي والسياسي في ظل أوضاع معيشية صعبة، ووسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي غياب التهدئة والتوافق إلى تعميق الأزمة الداخلية في بلد هو في محيط إقليمي بالغ الحساسية والتعقيد.