بيروت ـ «القدس العربي»: باتت تلة علي الطاهر في جنوب لبنان تتحكم بعملية التفاوض بين لبنان وإسرائيل في ظل أجواء تفيد بأن تل أبيب تشترط تسليم التلة للجيش اللبناني ونزع سلاح «حزب الله» لعقد الجولة الثامنة من المفاوضات في روما، وسط تعقيدات في المشهد الإقليمي تتمثل بانتهاء مدة الستين يوماً لوقف النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وتلميحات طهران إلى أن تلة علي الطاهر باتت مرتبطة بحساباتها.
ويحضر الملف اللبناني اليوم في روما في لقاء رئيس الجمهورية العماد جوزف عون مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، بعد لقاء عقده في الفاتيكان مع البابا لاوون الرابع عشر، حيث شكره «على كافة الجهود التي يبذلها لدعم لبنان لتحقيق مطالبه لإزالة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية على أرضه»، ودعاه إلى «مواصلة دعمه لهذه المطالب، وعلى رأسها إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود صيغة الإطار، والوقف الفوري لاعتداءاتها على القرى والبنى التحتية في الجنوب وعلى المدنيين، وانسحابها من المناطق التي تحتلها».
والتقى الرئيس اللبناني أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، ووزير خارجية الفاتيكان المونسنيور ريتشارد غالاغير، وعرض معهما لآخر التطورات على الساحة اللبنانية، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على قرى لبنان وبناه التحتية والمدنيين. وفي خلال اللقاءين، توجه الرئيس عون بالشكر لحاضرة الفاتيكان على كافة الجهود التي تبذلها لدعمه منذ زيارة الحبر الأعظم الأخيرة إلى لبنان. ثم عرض التطورات السياسية، والاقتصادية، والحياتية التي شهدها لبنان في الفترة الماضية.
وقف الاعتداءات
ودعا الرئيس عون البابا والمسؤولين في الفاتيكان، «إلى مواصلة جهودهم الدبلوماسية في كافة المحافل الدولية لتحقيق المطالب اللبنانية، وعلى رأسها إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود صيغة الإطار، التي تم توقيعها برعاية الولايات المتحدة الأمريكية في 26 حزيران/يونيو الماضي، ووقف اعتداءاتها اليومية التي تستهدف خاصة المدنيين والمنشآت المدنية والبنى التحتية والقرى في الجنوب». كما دعا «الكرسي الرسولي إلى دعم لبنان لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، تمهيداً لإعادة إعمار ما هدمته إسرائيل، وإعادة النازحين إلى أرضهم وقراهم»، مؤكداً «أن هذه الخطوات يجب أن تتزامن مع بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحصر قرار الحرب والسلم بيدها، كسبيل وحيد لتحقيق الأمن والاستقرار على الحدود». وقد قدم الرئيس عون للبابا لاوون تمثالاً نصفياً للطوباوي البطريرك الياس الحويك، يتضمن ذخائر الطوباوي لمناسبة تطويبه. وفي وقت لاحق، أعرب الفاتيكان عن قلقه حيال «صعوبات» تواجه تطبيق اتفاق الإطار بين إسرائيل ولبنان، وإذ أعلن عن «ترحيبه بتوقيع هذه الوثيقة»، عبّر «عن قلقه العميق إزاء الصعوبات التي تواجه تطبيقها»، مؤكداً «دعمه للجهود المبذولة في هذا الاتجاه».
تقاعس السلطة
ورأت كتلة «الوفاء للمقاومة» في بيان «أن العدو الصهيوني المحتل يُمعن بالتلطي خلف الاتفاق الإطار مع السلطة اللبنانية لممارسة إجرامه الموصوف ضد الجنوب وأهله قتلاً جماعياً وتدميراً وتفجيراً للأحياء السكنية وتجريفاً للقرى والطرقات وسرقة لأشجار الزيتون المعمرة، فيما توغل السلطة في أدائها التفريطي الاستسلامي التنازلي متقاعسة عن القيام بأبسط واجباتها السياسية والسيادية والدبلوماسية مما يشجع العدو على التمادي في مجازره وارتكابه جرائم الإبادة الجماعية على غرار ما حصل الأسبوع الماضي في بلدتي أنصار ودير الزهراني حيث ارتقى أحد عشر شهيداً وشهيدة، ستة منهم من أسرة واحدة أبيدت بكاملها وهي عائلة الشهيد علي الحاج حسن وزوجته زينب ناصر الدين وأولادهما الأربعة».
عون التقى البابا وطلب دعم الكرسي الرسولي في إلزام إسرائيل تنفيذ الاتفاق
وأدانت «الكتلة» بشدة «هذا التمادي الصهيوني في استباحة أرواح الناس وتحويل قرى وبلدات الجنوب إلى مناطق غير صالحة للحياة»، مسجلة «استهجانها الشديد لإصرار السلطة على نهجها التفاوضي التفريطي، الذي لم يحقق أياً من الأهداف والشروط التي رفعتها السلطة تبريراً لانخراطها في اتفاقية العار، وفي مقدمها وقف القتل وأعمال العدوان وتأمين انسحاب العدو».
ولفتت «الكتلة»، «أركان السلطة، إلى أن نهجهم وسلوكهم يغريان العدو بمواصلة احتلاله للبنان وممارسة التوحش والإبادة لإعدام الحياة في مدنه وقراه الجنوبية.. وبموافقة ودعم من الإدارة الأمريكية المجرمة»، مجددة دعوة السلطة «لإعلان موت «الاتفاق الإطار» والانسحاب من المفاوضات وجولاتها المخزية».
وتوقفت الكتلة عند «استمرار العدو الصهيوني في اعتداءاته على غزة، وتوسع جرائمه بشكل ممنهج إلى الضفة الغربية سيما على صعيد تكثيف الاستيطان»، فعبّرت «عن إدانتها الشديدة لهذا الانفلات الصهيوني العدواني والصمت الدولي إزاءه، والخذلان العربي المفجع»، وأعربت أيضاً «عن إدانتها للعدوان الصهيوني على سوريا والذي استهدف مطار أبو الظهور في إدلب»، ورأت فيه «مظهراً آخر من مظاهر الاستباحة الصهيونية المفتوحة لسيادة الدولة السورية».
الخطيب: السلطة «شريكة في الإجرام»
وفي السياق عينه، اعتبر نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى العلامة الشيخ علي الخطيب أن «السلطة اللبنانية أعطت في موقفها الشرعية للكيان الصهيوني لاحتلال الجنوب اللبناني». جاء ذلك في كلمة له خلال احتفال تكريم لمناسبة الذكرى الثانية لرحيل العلامة الشيخ حسن طراد، لفت الخطيب الى «العدوان الإسرائيلي على لبنان حيث تُمحى القرى وتنبش المقابر ويقتل الأطفال وتمحى المدنية والعمران في بلادنا، هذا والعالم ساكت والعالم تآمر علينا، ليس فقط من العدو الإسرائيلي الذي هو عدو الحياة، ولكن للأسف أن هناك في الداخل من يتآمر ويتعاون مع العدو الإسرائيلي على ما يجري في جنوب لبنان وما يجري في لبنان».
وتابع :»هناك متآمرون في الداخل يتعاونون مع العدو الإسرائيلي ويشجعونه على هذا الفعل، وكانت الشجاعة عند أهلنا من التضحيات من الصبر ما أدهش العالم، وما زلنا نقف أمام هذا المتوحش بكل عزيمة بكل قوة بكل صبر بكل يقين، أننا سنهزم هذا الشر بإذن الله سبحانه وتعالى، وسنحرَّر هذا الجنوب رغم المتآمرين ورغماً عن هذه السلطة المتآمرة علينا التي أعطت الشرعية للعدو الإسرائيلي في أن يحتل جنوب لبنان، أعطته الذرائع لعدوانه علينا في قتل أطفالنا ونسائنا، وحتى بعد أن فشل».
وأضاف: «وعدوا الناس أن الدبلوماسية ستحرر الجنوب ستجبر العدو الإسرائيلي على الانسحاب، سيعود الناس إلى بيوتهم وستعمر بلدانهم وتعود أفضل مما كانت، فأين هي هذه الديبلوماسية؟
وماذا أنتجت هذه الديلوماسية سوى أنها أعطت فقط للعدو الإسرائيلي شرعية البقاء في جنوب لبنان، وهذه السلطة اللاشرعية بأعمالها بموافقاتها باتفاقاتها، باتفاق الإطار الذي عقدته مع العدو الإسرائيلي هي شريكة في دماء ابنائنا، هي شريكة في ما جرى علينا، هي شريكة في هذا الإجرام الذي يحصل في جنوب لبنان من نبش المقابر، أجساد أجدادنا وأبائنا ،من هذا الدمار الهائل الذي يحصل دون أن يكون لهذه السلطة موقف ودون أن تستطيع أن تجبر العدو الإسرائيلي على أن يتراجع عن شبر واحد من أرضنا المحتلة».
وشدد على أن «الإسرائيلي إنما يقف في الحدود التي يقف عليها ولا يتقدم، ليس لأنه يحترم الاتفاقات وليس لأنه يخاف من هذه السلطة التي تأمر جيشها بالتراجع وتضعه حيث تضعه ثم تسحبه من أجل أن يحقق وتمهد للعدو الإسرائيلي أن يدخل براحته إلى المناطق الأخرى كما فعل بعد 15 شهراً من نكله للاتفاق 1701 ».
وسأل: «هل قدمت لنا السلطة حلاً؟ نحن نسألكم أنتم وضعتم أنفسكم في موقع المسؤولية أن تعطونا الحل، أنتم المطالبون بالحل ليس نحن المطالبون بالحل، نحن حملنا السلاح ووقفنا في وجه العدو الإسرائيلي المعتدي على أرضنا المحتل، أرضنا ليس نحن من أدخلنا العدو الإسرائيلي حتى تطلبوا منا الحل، نحن نسألكم ما هو الحل؟ أنتم قدمتم هذا الحل، نحن قلنا لكم بأن إسرائيل لن تتراجع لا تعطوا لإسرائيل الشرعية للبقاء في جنوب لبنان ولكنكم أصمَّيتم آذانكم وذهبتم إلى المفاوضات المباشرة، فكانت النتيجة هي أنكم أعطيتم العدو شرعية الاحتلال».
الاحتلال يواصل التفجيرات العنيفة جنوباً… وسلام مع تسريع شراء الوحدات السكنية الجاهزة للعائدين
وأشار الخطيب إلى أن «الذي أوقف العدو الإسرائيلي عن الاستمرار في قصفه وفي التقدم هي المقاومة وهي الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي دفعت مرشدها وقائدها الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي والقادة العسكريين دفاعاً عنا ودفاعاً عن فلسطين». واعتبر ان «إيران كانت بعيدة وكان بإمكانها أن تجد حلولاً ديبلوماسية وتكون مع الولايات المتحدة الأمريكية على أحسن ما يرام وأن تعود لتحكم الخليج مرة أخرى كما كان في عهد الشاه المقبور دون أن تتحمل كل هذه التكاليف، هي تتحمل كل هذه التكاليف لأنها تتمسك بموضوع مقاومة العدو الإسرائيلي، وهي بحول الله سبحانه وتعالى وقوته كانت على قدر هذه المسؤولية وتحملت هذه المسؤولية واستطاعت أن تضع الولايات المتحدة في هذا المأزق الذي يفتش عن مخرج له رئيسها المتعجرف ولكنها لا تعطيه إلى ذلك سبيلاً. ليس هناك مخرج للولايات المتحدة الأمريكية إلا أن تخرج خاسئةً ذليلة من ذلك، كما أن جنوب لبنان بإذن الله سبحانه وتعالى سيتحرر بفضل هذا الدعم الذي ننتظره من إيران ولن يكون هذا بعيداً»….
تفجيرات وغارات
أمنياً، قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلية بلدة حولا والمنطقة الواقعة بين بلدتي طلوسة ومركبا ووادي السلوقي والحجير وأودية قبريخا وتولين. ونفذت تفجيرات جديدة عنيفة في كفرتبنيت وفي محيط بلدة زوطر الشرقية وصل صداها الى مدينة صيدا وما بعدها من شدتها، كما نفذت تفجيرات في المنصوري ومجدل زون. كذلك، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي ليلاً سلسلة غارات على مرتفع علي الطاهر ومحيط الدبشة عند الأطراف الشمالية للنبطية الفوقا ودوحة كفررمان. وتعرضت هذه المناطق، وحتى ساعات الفجر، لقصف مدفعي متقطع.
في الموازاة، عرض رئيس الحكومة نواف سلام مع رئيس بلدية رميش حنا العميل ورئيس بلدية دبل عقل نداف أوضاع الأهالي الصامدين في القرى والبلدات الجنوبية الحدودية، والاحتياجات الأساسية التي تتيح لهم الاستمرار في أرضهم. وعرض رئيسا البلديتين أبرز التحديات التي تواجه الأهالي، ولا سيما ضرورة ضمان استدامة شريان التواصل مع الداخل اللبناني، وتأمين مادة المازوت، واستمرار عمل المدارس والخدمات الأساسية، إضافة إلى دعم البلديات ومتابعة دفعات وزارة الشؤون الاجتماعية، مؤكدين أهمية بقاء مؤسسات الدولة حاضرة في القرى الحدودية، بما يؤمّن مقومات صمود أهلها.
وأكد الرئيس سلام «أن دعم صمود أهالي القرى الحدودية أولوية وطنية، وكذلك تأمين شريان تواصل دائم وآمن مع هذه القرى ومقومات الحياة الأساسية فيها». وأشاد «بصمود أهالي هذه القرى»، مؤكدًا «أن الدولة اللبنانية ستبقى حاضرة إلى جانب أهلها».
جهود العودة
وترأس سلام اجتماعًا خُصص لمتابعة جهود العودة والتعافي في عدد من القرى الجنوبية، بحضور رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر، والأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العميد بسام نابلسي، ومدير غرفة العمليات المركزية في رئاسة مجلس الوزراء زاهي شاهين. وتركز الاجتماع على متابعة الأعمال الجارية في قرى فرون، قلاويه، صريفا، برج قلاويه، زوطر الغربية، والغندورية، والخطوات المطلوبة لتسريع عودة الأهالي إليها واستعادة الخدمات الأساسية فيها.
وشدد سلام على «ضرورة تسريع إجراءات شراء الوحدات السكنية الجاهزة في هذه القرى من قبل مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة». وأوعز «إلى مجلس الجنوب بالمباشرة بتنفيذ أعمال التصليح في المنازل غير المدمّرة بالكامل في هذه القرى، بما يسهّل عودة الأهالي إلى قراهم ومنازلهم»، طالباً «من المعنيين التنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية لتقديم الدعم النقدي لتغطية بدلات الإيجار للعائدين من أهالي هذه القرى».