المدى/خاص
فرّق المستشار المالي للحكومة العراقية، مظهر محمد صالح، اليوم الاثنين، بين أزمة السيولة والعجز المالي، مؤكداً أن معالجة الفجوة المؤقتة في التدفقات النقدية تختلف عن مواجهة عجز مالي مستمر ومتكرر، فيما حذر من تحويل أزمة السيولة إلى أزمة مالية ونقدية أوسع.
وقال صالح خلال حديث لـ(المدى) إن الحكومة، في حال امتلاكها موارد كافية على المدى المتوسط ومواجهتها فجوة مؤقتة في التدفقات النقدية، تستطيع الاعتماد على أدوات إدارة السيولة والاقتراض قصير الأجل لمعالجة المشكلة.
وأضاف أن استمرار العجز وتكراره يجعل الاقتراض غير كافٍ كحل دائم، لأن الدين سيتراكم وترتفع كلفة خدمته، مشيراً إلى أن المعالجة في هذه الحالة تتطلب إصلاحاً مالياً يوازن بين حجم الإنفاق ومستوى الإيرادات، إلى جانب تقليل الاعتماد على النفط وتنمية الإيرادات غير النفطية.
طباعة العملة
وأكد صالح أن طباعة العملة لا تمثل في الوقت الراهن معالجة رسمية مطروحة لتمويل الالتزامات الحكومية في العراق، مبيناً أن المعالجات الأساسية تدور حول إدارة السيولة، وأدوات الدين، والاقتراض الداخلي، وترشيد الإنفاق، وزيادة الإيرادات.
وأوضح أن الإصدار النقدي المباشر لتمويل العجز، فضلاً عن كونه مقيداً قانونياً بموجب قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004، يحمل مخاطر تضخمية ونقدية أكبر، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره حلاً بسيطاً لمشكلة السيولة.
وأشار إلى أن تمويل الإنفاق الحكومي من خلال إصدار نقد جديد بلا مقابل ليس السياسة المعتمدة حالياً، لافتاً إلى تحذيرات البنك المركزي من أن اللجوء إلى هذا المسار يؤدي إلى زيادة مباشرة في الكتلة النقدية، وقد يخلق ضغوطاً تضخمية ويضعف القوة الشرائية للدينار.
ثلاثة تحديات
وبيّن صالح أن التحدي الحقيقي أمام السياسة المالية يتمثل في تحقيق التوازن بين ثلاثة أهداف تتمثل بتوفير السيولة في الوقت الراهن، ومنع تراكم الدين والمتأخرات، والحفاظ على استقرار الدينار والأسعار.
وأوضح أن الاقتراض المفرط يؤجل المشكلة، فيما قد يؤدي خفض الإنفاق بصورة حادة إلى الضغط على النشاط الاقتصادي، بينما يمكن أن يفضي الإصدار النقدي إلى مشكلات تتعلق بالتضخم وسعر الصرف.
وأكد أن المعالجة الأكثر أماناً تقوم على حزمة متزامنة تشمل ضبط الإنفاق غير الضروري، وإدارة الدين والسيولة، وتحسين الإيرادات غير النفطية، وحماية الاحتياطيات، والحفاظ على استقرار الدينار، إلى جانب تنفيذ إصلاحات أعمق لتقليل اعتماد الموازنة على النفط.
وقال صالح إن القضية لا تتعلق فقط بمصدر الأموال التي تحتاجها الحكومة، وإنما بكيفية توفيرها من دون تحويل أزمة سيولة مؤقتة إلى أزمة مالية ونقدية أوسع.
لا أموال أمريكية جديدة
وفي ما يتعلق بالدعم الأمريكي، أوضح صالح أن الحكومة لا تحصل حالياً على أموال أمريكية جديدة لسد عجزها، وإنما تعمل على ضمان استمرار وصول أموال العراق الموجودة في الخارج، وهي عائدات العراق الدولارية الموجودة لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
وأشار إلى أن ذلك يقود إلى تحسين تدفق الدولار إلى النظام المصرفي والسوق، ويوفر متنفساً نقدياً مهماً، لكنه لا يعالج بمفرده مشكلة العجز المالي في حال استمرار تجاوز النفقات العامة للإيرادات.
وأضاف أن هناك توجهاً للاستفادة من الدعم والتعاون الخارجي لتحسين موقف السيولة، إلا أنه لا يوجد حتى الآن ما يؤكد وجود حزمة إنقاذ مالية خارجية كبيرة لتمويل الموازنة.
ولفت إلى أن الاتجاه يتمثل في تأمين السيولة من الداخل والخارج معاً، فيما يبدو الدعم الخارجي، في حال وجوده، مسانداً ومكملاً وليس بديلاً عن موارد الدولة أو تمويلاً مباشراً لعجز الموازنة.
أشهر وسنوات للإصلاح
وأوضح صالح أن الإجراءات النقدية الداعمة للسياسة المالية في الظرف الراهن قادرة على توفير متنفس سريع للسيولة وشراء الوقت لمواجهة التحديات العاجلة، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة العجز المالي والاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.
وبيّن أن ظهور نتائج ملموسة في إسناد المالية العامة ومعالجة ضغوط السيولة يحتاج إلى عدة أشهر، بينما يتطلب تحقيق إصلاح مالي واقتصادي مستدام سنوات من العمل المتدرج.
وأشار إلى أن إحدى الركائز الأساسية لهذا المسار تتمثل في تنويع مصادر الإيرادات وتقليل الاعتماد على النفط، ولا سيما رفع مساهمة الإيرادات غير النفطية في إجمالي الإيرادات العامة من مستوياتها الحالية التي تقارب 10% إلى نحو 45% على المدى المستهدف.
وأكد أن هذا الهدف لا يمثل إجراءً نقدياً عاجلاً، وإنما يندرج ضمن التخطيط المالي والاقتصادي طويل الأجل لإعادة هيكلة الاقتصاد، وتوسيع القاعدة الإنتاجية والإيرادية، وتعزيز قدرة المالية العامة على مواجهة تقلبات أسعار النفط.
وشدد صالح على أن الإجراءات العاجلة ينبغي أن تؤمّن الاستقرار والسيولة في المدى القصير، فيما تتولى الإصلاحات المالية والاقتصادية الهيكلية بناء مالية عامة أكثر استدامة وأقل اعتماداً على النفط في المدى المتوسط والطويل.
وفي ما يتعلق بقيمة الشحنات الدولارية، قال إن رقم 500 مليون دولار للشحنة هو الرقم المتاح حالياً، ولا يوجد حتى الآن رقم رسمي مؤكد لزيادة شهرية جديدة.