الرحلة بين اللجوء والحرب… البحر لا يغادرهم: صيادو المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان



رانيا سعد الله

صيدا – «القدس العربي»: مع ساعات الفجر الأولى، حين تكون شوارع مخيم الرشيدية جنوب لبنان ما تزال هادئة، يستعد هيثم حسن قاسم (32 عاماً) ليوم جديد.
يحمل معه ما اعتاد حمله منذ سنوات؛ خبرة ورثها عن والده وأعمامه، وارتباطاً عميقاً بالبحر الذي شكّل جزءاً من حياته منذ الطفولة.

ينحدر هيثم من عائلة فلسطينية تعود أصولها إلى مدينة صفد، ويعيش في مخيم الرشيدية، أكبر المخيمات الفلسطينية في منطقة صور جنوب لبنان. يقع المخيم على بعد نحو 5 كيلومترات جنوب المدينة، وهو الأقرب جغرافياً إلى فلسطين بين المخيمات الفلسطينية في لبنان، إذ لا تفصله عن الحدود سوى نحو 23 كيلومتراً.
بالنسبة إلى هيثم، لم يكن البحر مجرد مهنة أو مصدر دخل. فمنذ أن كان في الثامنة من عمره، تعلم السباحة ودخول البحر برفقة والده وأعمامه الذين عملوا في صيد الأسماك. كبر الطفل الذي اعتاد ملاحقة الأمواج على شاطئ الرشيدية، لكن علاقته بالبحر لم تتغير.
يقول: «اشتغلت بالعمار مثل كثير من شباب المخيم، لكن ولا مرة قدرت أترك البحر. هو جزء مني، والمنفس الوحيد إلنا».
على امتداد الساحل اللبناني الجنوبي، تعتمد عشرات العائلات الفلسطينية على صيد الأسماك مصدراً أساسياً للرزق. في مدن مثل صور وصيدا، ما زال البحر يوفر فرصة عمل للاجئين الذين يواجهون قيوداً واسعة في سوق العمل اللبناني. ورغم التحديات المتعلقة بالحصول على التصاريح، أو العمل في بعض المرافئ ومناطق الصيد، استمر الصيادون الفلسطينيون في التمسك بهذه المهنة التي ورثها كثيرون عن آبائهم وأجدادهم.
لكن الأشهر الأخيرة حملت واقعاً أكثر قسوة. فمع تصاعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، تغيرت تفاصيل الحياة اليومية للصيادين. لم يعد النزول إلى البحر قراراً عادياً يتعلق بحالة الطقس أو موسم الصيد، بل أصبح مرتبطاً بحسابات الخوف والمخاطر الأمنية وإمكانية الوصول إلى أماكن العمل.
يشرح هيثم أن كثيراً من الصيادين في مخيم الرشيدية اضطروا خلال فترات التصعيد إلى التوجه نحو ميناء صيدا للعمل على متن قوارب يملكها صيادون لبنانيون، بعدما أصبحت ظروف العمل في محيط المخيم أكثر تعقيداً.
كانت الرحلة اليومية من المخيم إلى صيدا تمثل تحدياً بحد ذاتها. فإلى جانب مشقة التنقل، كان القلق يرافقهم طوال الطريق. يقول: «كنا نطلع كل يوم وإحنا مش عارفين شو ممكن يصير. كل واحد فينا تارك وراه أهل وعيلة، وعم يفكر فيهم طول الوقت».
ورغم المخاطر، لم يكن أمام كثير من الصيادين خيار آخر. فالبحر بالنسبة إليهم ليس مجرد مكان للعمل، بل المصدر الوحيد لتأمين احتياجات أسرهم.
على بعد كيلومترات قليلة شمال صور، يعيش وليد درويش في تجمع جل البحر، وهو أحد التجمعات الفلسطينية الساحلية التي يرتبط اسمها مباشرة بمهنة الصيد. فمعظم سكان التجمع يعتمدون بشكل شبه كامل على البحر مصدراً للعيش.
يتحدث وليد عن واقع الصيادين خلال الأشهر الماضية، قائلاً إن العمل لم يتوقف رغم الظروف الصعبة: «حتى قبل أسبوعين، وبظل كل المخاطر والانتهاكات الإسرائيلية على البلد، كنا ننزل بشكل يومي. ما عنا خيار ثاني، الصيد هو مصدر عيشنا الوحيد».
ويضيف أن نحو أربعين صياداً من أبناء التجمع كانوا يخرجون يومياً للعمل في مناطق تمتد حتى القاسمية، متحدين المخاوف التي فرضتها الحرب وتداعياتها على المنطقة.
بالنسبة إلى سكان جل البحر، كما هي الحال في الرشيدية، لا يرتبط البحر فقط بالاقتصاد أو العمل. إنه جزء من الهوية الجماعية للمكان. فمنذ عقود، شكّلت مهنة الصيد العمود الفقري لحياة عشرات العائلات التي وجدت في البحر ملاذاً من ضيق المخيمات ومحدودية الفرص.
ورغم أن الحرب أضافت طبقة جديدة من المعاناة إلى حياة اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، فإن كثيرين منهم ما زالوا يتمسكون بما تبقى لهم من مصادر الرزق. ففي كل صباح، يواصل الصيادون تجهيز شباكهم وقواربهم، مدفوعين بحاجة عائلاتهم إلى لقمة العيش، وبعلاقة قديمة مع البحر يصعب التخلي عنها.
بين المخيم والشاطئ، وبين الخوف والرزق، تستمر حياة هؤلاء الصيادين في مواجهة واقع متغير لا يترك لهم الكثير من الخيارات. لكنهم، كما يقول هيثم، يعودون دائماً إلى البحر، لأنه المكان الوحيد الذي يشعرون فيه بأنهم أقرب إلى الحياة، وربما أقرب أيضاً إلى فلسطين التي ما زالت تسكن ذاكرتهم رغم المسافات.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *