تحالف يساري جديد يرى النور قبل انتخابات 2026


الرباط – «القدس العربي»: أُعلِن في المغرب عن تأسيس تحالف يساري موحد يجمع بين «فدرالية اليسار الديمقراطي» و»الحزب الاشتراكي الموحد»، وذلك في أفق الاستعداد للانتخابات التشريعية المقررة في 23 أيلول/ سبتمبر المقبل. لكن قادة الحزبين يستبعدان أن تكون هذه الخطوة مجرد تحالف انتخابي ظرفي، مؤكدين أنها «مشروع سياسي استراتيجي يُراد له أن يستمر بعد الاستحقاقات».
وكشف بيان مشترك في هذا الخصوص أن تأسيس «تحالف اليسار» يهدف إلى تجاوز حالة التشتت التي عرفتها الساحة اليسارية المغربية خلال السنوات الماضية. وأضاف أن من بين أهدافه أيضاً «بناء جبهة اجتماعية وسياسية قادرة على تقديم بدائل تعبر عن تطلعات المغاربة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية»، علاوة على «الربط بين السيادة الوطنية والانتقال الديمقراطي، باعتبار الديمقراطية صمام أمان لحماية البلاد وتقوية الجبهة الداخلية».
كما شدد البيان على ضرورة إقرار إصلاحات دستورية وسياسية عميقة، وتعزيز صلاحيات المؤسسات المنتخبة، إضافة إلى محاربة الريع والفساد وتضارب المصالح وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما دعا إلى تمكين الشباب والنساء والدفاع عن المساواة الفعلية والحقوق والحريات.
وفي تصريح لـ«القدس العربي»، أكد جمال العسري، الأمين العام لـ»الحزب الاشتراكي الموحد»، أن تأسيس تحالف اليسار يأتي في سياق «التحولات العميقة التي يشهدها العالم وأمام استمرار الأزمات التي يعيشها المجتمع المغربي في كافة المجالات، ووفاء لتضحيات الأجيال المناضلة في سبيل بناء مغرب الغد، مغرب الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، واستناداً إلى الرصيد النضالي المشترك لليسار المغربي بما يحمله من مكتسبات».
وأبرز العسري أن إعلان تأسيس التحالف هو «استلهام للدروس المستفادة من تجارب اليسار في العالم، وإدراك لكون وحدة اليسار ليست غاية تنظيمية في حد ذاتها، بل أداة سياسية لخدمة قضايا الشعب والدفاع عن مصالح الفئات الشعبية والطبقة العاملة والطبقات الوسطى والقوى الحية في المجتمع».
ويرى المتحدث نفسه أن هذه الخطوة «تؤسس لمرحلة جديدة من العمل المشترك في أفق تقوية حضور اليسار وتجديد دوره في الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة والمساواة الفعلية». وأضاف قائلاً إن هذه الخطوة تدخل في سياق «الإيمان بأن اللحظة السياسية الراهنة ببلادنا، بجميع تعقيداتها الداخلية وتحدياتها الخارجية، تستدعي وضوحاً استراتيجياً وجرأة سياسية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة لصالح مشروع مجتمعي ديمقراطي متكامل، وصيانة المكتسبات السياسية والاجتماعية وحماية مصالح الوطن والشعب في مواجهة تغول الفساد والاستبداد وزواج السلطة بالمال».

رهان على تجاوز التشتت واستعادة الثقة

وتابع جمال العسري: «من خلال هذا التأسيس أعلنا عن التزامنا السياسي والأخلاقي والبرنامجي، وخوضنا للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026 وما يليها بروح وحدوية تقوم على التنسيق والعمل المشترك». كما شدد القيادي اليساري على أن هذا التحالف «يتجاوز اللحظة الانتخابية إلى ما بعدها، وما يستدعي ذلك من تنسيق خطواتنا النضالية لخوض معركة التغيير ومعركة الانتقال الديمقراطي». وقال إن «هذا الانتقال تأخر المغرب كثيراً في تحقيقه». وزاد موضحاً أن «الحزبين مقتنعان بأن العبور نحو الديمقراطية رهين بتغيير موازين القوى المختلة لصالح قوى السلطوية والسلطة الاحتكارية، وأن بناء جبهة يسارية خطوة أولى نحو تغيير موازين القوى هذه، ومنطلق تأسيس هذه الجبهة هو تأسيس هذا التحالف السياسي والاستراتيجي».
و أوضح يوسف بوستة عن «فدرالية اليسار الديمقراطي»، أنه «لا نخفي على أحد سراً إن قلنا إن الصعوبات والإكراهات كانت ولا تزال قائمة، لكن رهاننا على الأمل والإرادة المشتركة يبقى دائماً أقوى لبناء وحدة يسارية متماسكة».
ويرى بوستة أن «هذا التحالف يأتي اليوم كخطوة تصحيحية ولبنة أساسية نتطلع من خلالها إلى تخطي أعطاب البدايات التي شابت عملية الاندماج في محطاتها الأولى». وبحسب المتحدث، فإن «الهدف الواضح والمستقبلي هو لمّ شمل وتوحيد شعب اليسار تحت لواء جبهة موحدة، تنطلق من أرضية برنامجية ونضالية صلبة تستجيب لانتظارات المرحلة الحالية، وتؤسس لتعاقد جديد يمهد الطريق نحو تحقيق التغيير الديمقراطي الشامل».
وبحسب مراقبين، فإن نص ميثاق التأسيس والتصريحات التي صدرت عن قادة الحزبين المتحالفين تحمل رسالة واضحة تتمثل في السعي إلى تقديم التحالف باعتباره مشروعاً لإعادة بناء قطب يساري، وليس مجرد تنسيق انتخابي ظرفي. واللافت، في رأي عدد من المتتبعين للشأن الحزبي، أن التحالف المذكور أعاد إلى الواجهة شعارات تاريخية لليسار المغربي، مثل محاربة الريع وتغول المال في السياسة، وتوحيد العائلة اليسارية بعد سنوات من الانقسامات.
ويقدم الخطاب الرسمي للتحالف ثلاثة مبررات رئيسية، أولها تجاوز تشتت القوى اليسارية، وثانيها توحيد النضالات الديمقراطية والتقدمية، وثالثها بناء بديل سياسي واجتماعي قادر على مواجهة السياسات الحالية. ويرى الحزبان أن المرحلة الحالية تتطلب «جبهة اجتماعية متماسكة» قادرة على تقديم أجوبة عن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية.
أين «التقدم والاشتراكية»؟
ويرى مراقبون أن الحدث لا يقتصر على الإعلان عن تأسيس «تحالف اليسار»، بل يشمل أيضاً غياب حزب «التقدم والاشتراكية» عنه، رغم أنه يعدّ من أكبر الأحزاب ذات المرجعية اليسارية في المغرب، وهو ما جعل عدداً من المتابعين يتساءلون عما إذا كان التحالف خطوة أولى نحو وحدة أوسع لليسار، أم مجرد تنسيق ثنائي محدود.
ويقول بعض المحللين إن الهاجس الانتخابي حاضر، رغم استبعاد قادة التحالف له كسبب مباشر وراء هذه الخطوة. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى غياب حزب «التقدم والاشتراكية»، أحد أبرز مكونات اليسار المغربي وأكثرها حضوراً في المؤسسات المنتخبة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة التحالف الجديد على تمثيل مختلف الحساسيات اليسارية.
ويواصل هؤلاء المحللون تشريح هذه الخطوة، مؤكدين أن التحالف يحمل رسالة مفادها أن اليسار المغربي لا يريد دخول انتخابات 2026 مشتتاً كما حدث في محطات سابقة، بل يسعى إلى تقديم نفسه كقطب سياسي موحد نسبياً في مواجهة أحزاب الأغلبية الحالية، مع الحفاظ على خطابه التقليدي المرتكز على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الريع.
وفي مقابل ذلك، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل سينجح هذا التحالف في استعادة جزء من الناخبين اليساريين الذين فقدوا الثقة في الأحزاب خلال السنوات الأخيرة، أم إنه سيظل إطاراً نخبوياً محدود التأثير؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *