نواكشوط – «القدس العربي»: عادت عجلة الحوار الوطني في موريتانيا إلى الدوران مجدداً بعد أن دخلت مرحلة جديدة عنوانها تبادل الوثائق والملاحظات بين مختلف القوى السياسية، في مؤشر على اقتراب انتهاء المرحلة التحضيرية والانتقال نحو حوار طال انتظاره.
فقد وزع المنسق الوطني للحوار وثيقة جديدة بعنوان «الدليل العملي لانطلاق الحوار»، ضمّنها مختلف الملاحظات والمقترحات التي وردته من الأغلبية والمعارضة، في محاولة واضحة لتجاوز حالة الجمود التي خيمت على المسار خلال الأسابيع الماضية، وفتح الطريق أمام إطلاق حوار توافقي يواجه القضايا الكبرى التي تشغل الساحة الوطنية.
وجاء تسليم هذا الدليل بعد أيام من تسليم كل من أحزاب الأغلبية الرئاسية وقطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية ردودها إلى منسق الحوار الوطني، موسى فال.
وأكد محمد ولد مولود «أن الوثيقة جاءت ثمرة دراسة مستفيضة وتشاور داخل هيئات الائتلاف، في إطار ما وصفه بـ»التفاعل الإيجابي والمسؤول» مع المسار التحضيري، والحرص على تهيئة الظروف الكفيلة بإنجاح الحوار وتحقيق أهدافه.
ولا تمثل الوثيقة الجديدة التي وزعها منسق الحوار الوطني على الأطراف المشاركة مجرد تعديل شكلي للدليل المرجعي السابق، بل تعكس، حسب مصدر مقرب من التنسيقية، محاولة لاستيعاب مختلف الملاحظات التي قدمتها أحزاب الأغلبية والمعارضة خلال الأيام الماضية، بما يعيد الثقة إلى عملية الحوار ويمنحها فرصة جديدة قبل الانتقال إلى مرحلة الانعقاد الفعل.
من الجمود إلى البحث عن تسوية
وأكدت مصادر مطلعة أن الوثيقة الجديدة استوعبت جميع المقترحات التي تقدمت بها القوى السياسية، وهو ما يشير إلى أن المنسق اختار نهجاً أكثر مرونة يقوم على جمع المواقف المختلفة داخل وثيقة واحدة، بدلاً من ترجيح رؤية طرف على حساب آخر.
وكان موسى فال، قدم قبل نحو أسبوعين دليلاً مرجعياً لتنظيم الحوار، غير أن الوثيقة أثارت تحفظات واسعة، خاصة من جانب أحزاب الأغلبية التي رأت أنها أغفلت أهم القضايا الخلافية، وفي مقدمتها ملف المدد والولايات الرئاسية، بينما اعتبرت المعارضة أن إدراج هذا الملف يمثل خروجاً عن التفاهمات السابقة، ومحاولة لفتح باب الجدل حول قضية حسمها الدستور والتصريحات الرسمية.
ومنذ ذلك الحين دخل مسار الحوار مرحلة من الجمود، قبل أن تعود المشاورات مجدداً بصيغة أكثر انفتاحاً.
وتحدد الوثيقة الجديدة أربعة محاور رئيسية للحوار، هي: الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، ونموذج الحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.
وتغطي هذه المحاور معظم الملفات الكبرى التي ظلت مطروحة في النقاش السياسي خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من قضايا العدالة الاجتماعية والإصلاح السياسي، وصولاً إلى التنمية المحلية ومكافحة الفساد وتعزيز المشاركة السياسية.
غير أن المراقبين يرون أن نجاح الحوار لن يقاس بعناوين المحاور، وإنما بمدى قدرة المشاركين على الاتفاق حول الملفات الأكثر حساسية، والتي ظلت سبباً في تعثر معظم الحوارات السابقة.
عقدة المأموريات
الخلاف الحقيقي لم يكن يوماً حول الحاجة إلى الحوار، بل حول سقف القضايا المطروحة للنقاش. فأحزاب الأغلبية ترى أن أي حوار شامل ينبغي ألا يستثني أي ملف، بما في ذلك القضايا التي أثارت خلافاً في السنوات الماضية، معتبرة أن الحوار يفقد معناه إذا اقتصر على الملفات محل الإجماع.
أما المعارضة فتعتبر أن فتح بعض الملفات، وفي مقدمتها المأموريات، يمثل تشتيتاً لأولويات الحوار، خاصة بعد تأكيد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في أكثر من مناسبة احترامه للدستور وعدم سعيه إلى تعديل القيود المتعلقة بالمأموريات الرئاسية.
وهذا التباين جعل قضية جدول الأعمال تتحول إلى أول اختبار حقيقي لقدرة الفرقاء على بناء الثقة. وليست هذه المحاولة الأولى في تاريخ موريتانيا، فقد عرف البلد سلسلة طويلة من الحوارات السياسية منذ بداية التعددية الديمقراطية.
فقد شهدت البلاد حوار عام 2001، ثم المشاورات السياسية بعد أزمة 2008، وصولاً إلى الحوار الوطني الشامل عام 2022 الذي جمع معظم القوى السياسية، وأفضى إلى توصيات شملت مراجعة المنظومة الانتخابية، وإنشاء اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات بصيغتها الحالية، وتعزيز مشاركة النساء والشباب، وإصلاح عدد من القوانين السياسية والإدارية.
ورغم أن تلك الحوارات نجحت في تحقيق بعض التوافقات، فإن كثيراً من توصياتها بقي حبيس النصوص أو نُفذ بصورة جزئية، وهو ما خلق حالة من الحذر لدى الأطراف السياسية التي أصبحت تطالب هذه المرة بضمانات واضحة لتنفيذ أي مخرجات يتم الاتفاق عليها.
ويأتي استئناف الحوار في ظرف داخلي وإقليمي مختلف عما كان عليه قبل سنوات.
فموريتانيا تواجه تحديات اقتصادية مرتبطة بارتفاع كلفة المعيشة، ومتطلبات الإصلاح المالي، واستحقاقات التنمية، بالتزامن مع بيئة أمنية معقدة في منطقة الساحل، حيث تتزايد التحولات الجيوسياسية بعد تشكيل تحالف دول الساحل الثلاث وتراجع النفوذ التقليدي للقوى الغربية في المنطقة.
كما تبرز تحديات الوحدة الوطنية، وقضايا الهجرة، والبطالة، والإصلاح الإداري، باعتبارها ملفات تتطلب توافقاً سياسياً واسعاً يضمن استقرار البلاد في السنوات المقبلة.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى حوار يتجاوز المناكفات السياسية نحو صياغة رؤية مشتركة للدولة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فرصة جديدة… ولكن بشروط
وتمثل الوثيقة الجديدة التي قدمها موسى فال محاولة لإنقاذ المسار قبل دخوله مرحلة التعثر الكامل، وهي تعكس إدراكاً بأن نجاح الحوار يبدأ من الاتفاق على قواعده قبل مناقشة مضامينه.
غير أن نجاح هذه الجولة سيظل رهيناً بثلاثة عوامل أساسية: أولها بناء الثقة بين الأغلبية والمعارضة، وثانيها الاتفاق على آلية واضحة لتنفيذ المخرجات، وثالثها توفير الإرادة السياسية اللازمة لتحويل التوافقات إلى إصلاحات مؤسسية وتشريعية. فالحوار في موريتانيا لم يعد مجرد مناسبة لتبادل المواقف أو إصدار البيانات الختامية، بل أصبح اختباراً لقدرة الطبقة السياسية على إنتاج تسويات مستقرة في مرحلة إقليمية تتسم بكثرة المتغيرات.
وإذا نجحت الأطراف في تجاوز الخلاف حول جدول الأعمال، فقد يتحول هذا الحوار إلى محطة تأسيسية تعيد رسم قواعد التنافس السياسي وتعزز الاستقرار المؤسسي؛ أما إذا بقيت الخلافات الإجرائية تتقدم على جوهر الإصلاح، فإن البلاد قد تجد نفسها أمام حلقة جديدة من الحوارات التي تبدأ بطموحات كبيرة وتنتهي بنتائج محدودة.