تتناقض الاستطلاعات التي نشرت الأسبوع الماضي في القنوات الرئيسية حول المسألة المصيرية للانتخابات، وهي حجم كتلة نتنياهو وحجم كتلة ما يسمى كتلة آيزنكوت، التي تضم أحزاب “يشار” و”معا” و”إسرائيل بيتنا” و”الديمقراطيون”. على سبيل المثال، أظهر استطلاع اجراه شموئيل روزنر واستطلاع “المؤشر” الذي نشر الأسبوع الماضي في القناة 13، أن نتنياهو حصل على 55 مقعدا، مقابل 50 لآيزنكوت. من جهة أخرى، أظهر استطلاع نشر مساء أمس في القناة 12، لمانو جيفع ومعهد مدغام، أن نتنياهو حصل على 49 مقعداً، مقابل 54 لآيزنكوت. وفي المقابل، أظهر استطلاع آخر أجرته مؤسسة دودي حسيد ومعهد كنتار، الذي نشر في “كان 11” الأحد، أن نتنياهو حصل على 53، مقابل 50 مقعداً لآيزنكوت.
الفروق بين الكتل كبيرة وتـأثيرها كبير. مع ذلك، الفرق في النتائج نفسها ليس بالضرورة كبيراً إحصائياً، فهو ينبع بالأساس من نتائج الأحزاب الصغيرة القريبة من نسبة الحسم، لا سيما حزب عوفر فنتر “شعبك يا إسرائيل” وحزب “الاحتياط” وحزب “الاقتصاد” ليوعز هندل ويارون زليخة. في استطلاع “كان 11” مثلاً، حصل هذان الحزبان على 3.3 في المئة فقط، وهي تعني نسبة قليلة عن نسبة الحسم. كان يكفي لو سئل شخص عن موقفه، وقال إنه سيصوت للأول، وسئل شخص آخر عن موقفه، وقال إنه سيصوت للثاني، وأنهما أجابا إجابة مختلفة لما تجاوز أي من الحزبين نسبة الحسم. في مثل هذه الحالة، مع تغير صغير ضمن هامش الخطأ في العينة ودون أي تغيير في نمط تصويت الجمهور، فإن كتلة آيزنكوت ستقفز إلى 54 مقعداً وتهبط كتلة نتنياهو إلى 51 مقعداً. فجأة، أصبحت الأرقام متقاربة.
هذا دليل آخر على أن الحزبين عندما يكونا قريبان من نسبة الحسم، فإن أي تغيير صغير جداً يكفي لتغيير خارطة المقاعد كلها. نظرياً، ليسا هما الحزبين الوحيدين المعرضين للخطر، فحزب “الصهيونية الدينية” وحزب “راعم” يظهران في منطقة الخطر وضمن هامش الخطأ في العينة. هذا لا يعني أن سموتريتش أو منصور عباس بحاجة وبحق إلى الخوف على مكانهما في الكنيست القادمة، بل يحصلان في الواقع على 5 – 6 مقاعد في الاستطلاعات، ضمن هامش الخطأ، لكنهما يحافظان على هذا العدد باستمرار في كل الاستطلاعات منذ فترة، وهذا عامل مهم. بشكل عام، يتمتع حزبان عريقان بميزة في مثل هذه الظروف في يوم الانتخابات. يمتلك “الصهيونية الدينية” بنية قوية على مستوى البلاد، ويتوقع أن يعمل بالتنسيق مع الليكود في يوم الانتخابات، ومعروف أن منصور عباس يعرف كل ناخبيه بالاسم والعنوان. عندما يظهر اسم عباس في الاستطلاعات مع الرقم 5 يبدو الأمر أكثر استقراراً من غيره.
الفروق بين الكتل كبيرة وتـأثيرها كبير.. مع ذلك، الفرق في النتائج نفسها ليس بالضرورة كبيراً إحصائياً، فهو ينبع بالأساس من نتائج الأحزاب الصغيرة القريبة من نسبة الحسم
هذا ليس حال حزب يوعز – زليخة، وحزب فنتر، اللذين تنقصها كوادر ناشطة متمرسة وإلى خبرة في يوم الانتخابات، ولا يملكان قاعدة شعبية، لكن المشكلة أعمق من ذلك؛ فالاستطلاعات بشكل أساسي تعتمد على حساب ثلاثة أسئلة: “لأي حزب تنوي التصويت؟”، “ما مستوى تأكدك من التصويت لهذا الحزب؟” و”ما مستوى تأكدك من الذهاب إلى التصويت أصلا؟”. التوازن الدقيق بين الإجابات على هذه الأسئلة هو الجزء الأكثر تعقيداً وحساسية في عمل من يجري الاستطلاعات.
في حالة هذين الحزبين تظهر الاستطلاعات دائماً أن المصوتين لهما لم يحسموا أمرهم حتى الآن. ففي الاستطلاع الذي أجرته القناة 13 مثلاً، أجاب 8.7 في المئة فقط من مصوتي حزب يوعز – زليخة بأنهم متأكدون جداً من التصويت، وقال 20.5 في المئة أنهم متأكدون من التصويت لفنتر، وقال 34.7 في المئة من مصوتي حزب الاحتياط وحزب الاقتصاد أنهم “غير متأكدين” أو “غير متأكدين أبداً” من التصويت، وهكذا أجاب 27.3 في المئة من مصوتي فنتر. هذه نسب اسوأ بكثير من كل الأحزاب الأخرى. وخلافاً للأحزاب الأخرى، فإن أقلية من هؤلاء المترددين ستختار في الواقع خياراً مختلفاً. فيكفي أن تختار أقلية من هؤلاء المترددين خياراً آخر حتى يتم إبقاء الحزبين خارج الكنيست.
في حالة فنتر، من الجدير الإشارة إلى أنه واجه امتحاناً صعباً في الاسبوع الماضي، حيث تشكل شبه إجماع حول عدم وصوله إلى نسبة الحسم، وهذه كانت لحظة حاسمة بالنسبة له. ففي مواقف مشابهة في السابق، عندما انخفض التصويت لحزب معين عن النسبة المطلوبة، عجز هذا الحزب عن التعافي، حيث أدرك مؤيدوه الباقون أن أصواتهم قد تضيع هباء، فسارعوا إلى الانضمام إلى المنسحبين الأصليين.
إن تعافي فنتر، على الأقل في بعض الاستطلاعات، قد ينقذه. ما الذي أدى إلى ذلك؟ ربما كانت حملة نتنياهو الشرسة، وربما المفرطة في الضراوة ضده، التي لم تكتف بتصنيف يوسف حداد، رقم 2 في حزبه، كمؤيد للدولة الفلسطينية، بل وحتى إعادة إعمار قطاع غزة. بل ووصفته أيضاً بأنه يساري ينوي الانضمام ليئير غولان والأحزاب العربية. هذا الأمر دفع فنتر إلى شن هجوم إعلامي خاطف، دون نجاح، حيث صرح أنه “ليس في جيب بيبي”. وقال على الفور إنه سيجلس فقط في حكومة برئاسته.
لكن هذا ضمن له بروزاً إعلامياً في صورة شيطان، ولكنه شيطان بارز. يصعب تصديق أن نتنياهو، السياسي البارز، لم يعتقد أن هذا سيساعد فنتر. لذلك، من المعقول أن نتنياهو هدف إلى ذلك بالضبط – تعزيز قوة فنتر من خلال إبرازه، وربما أيضاً من خلال تمييزه عن نتنياهو نفسه، ما يسمح له بأن يكون حلقة الوصل لاستيعاب من يؤيدون الائتلاف الذين لا يرغبون في دعمه.
في كل الحالات، من غير المؤكد أن هذا ما يجب التركيز عليه. ففي المرحلة الأخيرة في الحملة، يجب تحويل الجهود الرئيسية من إقناع الناخبين إلى حشد الناخبين. سينصب التركيز في الـ 15 يوماً التي بقيت حتى موعد الانتخابات على قدرة الأحزاب على إخراج الناخبين من البيوت. على آيزنكوت التأكد من أن المعسكر الليبرالي يحشد كل ناخب فيه بالفعل. ليس المهم لمن سيصوت، المهم هو الخروج. وفي جانب المعسكر الليبرالي مهمة رئيسية على عاتق الأحزاب العربية: فالمواطنون الذين يترددون في الخروج والتصويت هم على الأغلب من المجتمع العربي.
إذا نجح قادتهم بزيادة نسبة التصويت بـ 10 في المئة فلن يعزز هذا التمثيل العربي في الكنيست فقط، بل سيوسع قاعدة الناخبين كلها، ويجبر فنتر وهندل على جذب المزيد من المصوتين لتجاوز نسبة الحسم. يمكن للناخب العربي بصوت واحد أن يدخل عضواً آخر من حزب “راعم” إلى الكنيست، وأن يبقي فنتر وحداد وهندل وزليخة خارجها، وأن يكون هو صاحب الصوت الذي سيشكل الحكومة التي ستطيح ببن غفير وتبعده عن منصبه، وهذا قد يكون كافياً لإقناعه.
أمنون هراري
هآرتس 13/10/2026