تسفي برئيل
بعد مرور خمسة أشهر فقط على تعيينه في منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، “أقيل” محمد باقر ذو القدر، وحل مكانه محسن رضائي. للوهلة الأولى، تبدو خطوة ضرورية، فهي تندرج ضمن توجه برز لدى القيادة الإيرانية في الفترة الأخيرة: التشدد في المواقف، وضع شروط جديدة لفتح مضيق هرمز واستغلال الذخر الاستراتيجي الذي سقط في أيديهم إلى أقصى درجة.
مع ذلك، هذا ليس صراعاً تقليدياً فقط بين المتطرفين والبراغماتيين؛ فخلف تبادل الأدوار هذا صراع سياسي وشخصي على السلطة والنفوذ، وهو أعمق بكثير من كونه نقاشاً حول السياسة أو التكتيك في إجراء المفاوضات. حتى عندما تم تعيين ذو القدر وريثاً لعلي لاريجاني الذي اغتالته إسرائيل في آذار الماضي، كان التفسير في إسرائيل وفي الغرب متقارباً. عندها قالوا إن هذه حالة تطرف، واستيلاء الحرس الثوري على موقع آخر للسلطة في النظام، وتعيين “رقيب” لمراقبة محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان ورئيس وفد التفاوض، أثناء مواصلة المحادثات مع الولايات المتحدة.
لكن حسب آخر التفسيرات التي نشرتها وسائل الإعلام الإيرانية أمس، تظهر الصورة مختلفة كلياً؛ فقد تبين أن ذو القدر، الذي كان يعارض المفاوضات علناً في السابق، أيد في الواقع تحركات قاليباف والمفاوضات التي يقودها الرئيس مسعود بزشكيان. إلى جانب وزير الخارجية عباس عراقجي ونائبه كاظم غريب أبادي، صهر ذو القدر، شكل الثلاثة كتلة سياسية تصدت لنهج معارضي المفاوضات المتطرف.
ليست صراعات السلطة هذه جديدة على الساحة الإيرانية؛ فقد رافقت المواجهات السرية والعلنية قرارات النظام الحاسمة خلال سنوات حكمه. ولكن في السابق، كان بإمكان المرشد الأعلى علي خامنئي أن يحسم ويفرض موقفه. فبفضل منصبه وسلطته، التي تراكمت مع مرور السنين، أسكت الانتقادات ووازن بين الأيديولوجيا والاحتياجات السياسية والاقتصادية. أما الآن، فإيران تفتقر إلى شخص على مستوى سلطته. فنجله مجتبى، غائب عن المشهد السياسي، والنتيجة أن القرارات تتخذ بنوع من “النقاش الجماعي”. ويسعى كل طرف إلى تجنيد الشخصيات المؤثرة وتحييد المعارضين. وتشخص أنظار الجميع نحو رسم ميزان القوى السياسية التي ستوجه البلاد في اليوم التالي وليس فقط نحو حل الأزمة الراهنة. في كل الحالات، لن يختفي ذو القدر من المشهد السياسي: فقد تم تعيينه مستشاراً رفيعاً لمجتبى خامنئي، ولكن جُرد من صلاحياته كأمين عام للمجلس.
أما رضائي (72 سنة)، الذي كان قائد الحرس الثوري في فترة الحرب بين إيران والعراق، فقد تولى منصبه مع سجل مليء بالإنجازات. إضافة إلى ذلك، فقد خاض أربع جولات انتخابات رئاسية فاشلة. ومع حصوله على شهادة الدكتوراة في الاقتصاد، قدم نفسه خبيراً في هذا المجال. وخلال حملاته الانتخابية، طرح خططاً طموحة لحل الأزمة الاقتصادية، بما في ذلك زيادة خيالية في مخصصات المحتاجين ورفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 50 ألف دولار، وإيجاد أماكن عمل جديدة ووعود أخرى، كان من المفروض أن تجعل إيران جنة.
الآن، سيواجه معضلة صمود الدولة. فرغم امتلاك إيران ميزة استراتيجية قوية تتمثل في السيطرة على مضيق هرمز، فإن هذه الميزة تعيق اقتصادها حالياً. في زنزانة الاعتقال البحرية حيث رضائي والنظام الإيراني، هناك أيضاً الرئيس الأمريكي ترامب. ولكن إيران بحاجة كبيرة إلى تحرير مضيق هرمز من أجل البقاء. في حين لا يستطيع ترامب التخلص من هذا الوضع لأسباب أخرى. عملياً، لا يدور الخلاف الآن حول ضمان حرية الملاحة في الخليج الفارسي، بل يتعلق بمسألة السيطرة على المضيق. لذلك، هذا يمثل امتحاناً حقيقياً لهيبة الرئيس الأمريكي.
ترامب، الذي يسعى -حسب تقارير أمريكية- إلى إيجاد مخرج محترم من الأزمة الإيرانية، قطع شوطاً طويلاً بالفعل. فقد وضع ثقته في المفاوضات الجارية بين طهران وعُمان حول تنظيم الملاحة في المضيق. ولم يتم التوصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي، لكن ملامحه، حتى قبل مناقشة رسوم العبور التي تطلبها إيران، تشير إلى أن إيران ستكون قادرة على التحكم بحركة الملاحة الداخلة إلى المضيق، في حين ستشرف سلطنة عمان على الملاحة الخارجة.
هنا يكمن تنازل كبير من قبل الولايات المتحدة. فبالإضافة إلى الاعتراف بسيادة إيران في مضيق هرمز، وهو الوضع المستمد من جغرافية المنطقة، فهذا الترتيب يخول طهران أيضاً بوضع قواعد الملاحة في هذا الممر الذي كان مفتوحاً في السابق أمام السفن كلها. مع ذلك، يمكن التكهن بأن الولايات المتحدة، التي ليست شريكة رسمية في المفاوضات، ستوقع على أي مسودة توافق عليها الدولتان شريطة أن يعلن ترامب تحقيق الهدف وفتح مضيق هرمز واستكمال النصر وعدم المس بهيبة الولايات المتحدة.
ولكن إيران تعرف الوضع جيداً؛ فالمضيق أداة الضغط الوحيدة الباقية لها، وفتحه فقط، رغم أنه سيضخ لاقتصادها أوكسجين الحياة، قد يبقيها دون أدوات ضغط لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية الرئيسية. في أفضل الحالات، فتح المضيق سيمكنها من تصدير 6 ملايين برميل نفط في اليوم، ما سيوفر لها 4 مليارات دولار شهرياً (على فرض انخفاض سعر برميل النفط إلى 70 دولاراً). ولكنها خطوة لن ترفع العقوبات المفروضة عليها، ولن توفر مئات المليارات المطلوبة لإعادة الاعمار.
انطلاقاً من هذا الفهم، أوضحت إيران الأسبوع الماضي بأن الاتفاق حول مضيق هرمز، لن يفتح بالفعل ما لم تتم تلبية عدة شروط. وبعد بضعة أيام، نشرت قائمة طلباتها، التي تشمل انسحاب كل القوات الأمريكية من محيطها، ودفع تعويضات عن أضرار الحرب، وتحرير الأصول المجمدة، ووقف الهجمات على وكلائها في العراق ولبنان واليمن، وبالطبع رفع العقوبات.
بكلمات أخرى، تطلب إيران من الولايات المتحدة تنفيذ بنود مذكرة التفاهم التي وقع عليها في حزيران الماضي، ليس كجزء من المفاوضات الجارية، بل كدفعة كاملة وكمقدمة لتنفيذ الاتفاق الذي ستوقع عليه مع سلطنة عمان. بهذا تعمل إيران على حرمان الولايات المتحدة من أدوات الضغط التي كان من المفروض أن تخدمها في المفاوضات حول مشروعها النووي – وهي القضية التي أصبحت الآن خارج سياق النقاشات.
يتمثل رد ترامب في مواصلة الحصار وشن حرب اقتصادية على إيران. ولكن هذه الحملة تحتاج إلى الصبر، ولا تضمن تحقيق مكاسب بسرعة، ولا تزيل تهديد إيران لجيرانها. في الواقع، اقتصاد إيران يعاني من الانهيار، وبنيته التحتية المدنية تعمل جزئياً، والتضخم ارتفع إلى 80 في المئة تقريباً. وقد أدى فقدان مئات آلاف أماكن العمل وانخفاض سعر الريال وارتفاع الأسعار بشكل هستيري وصعوبة دفع الرواتب، إلى تآكل مكانة الطبقة الوسطى. مع ذلك، إيران دولة تعلمت التعايش مع العقوبات؛ فقد عملت بجهد لسنوات على بناء شبكات تصدير واستيراد بديلة، وما زال جيرانها في الشرق والشمال يتاجرون معها، أيضاً آليات النظام تستطيع فرض نظام التقشف الشديد لفترة طويلة.
رغم وجود صراع يدور الآن على السلطة في إيران، ولا يوجد جمهور يخرج إلى الشوارع، فمن المرجح أن يتحول مضيق هرمز من صراع على السلطة والمال والمكانة إلى انعطافة أيديولوجية في داخل النظام الإيراني.
هآرتس 11/8/2026