الخرطوم – “القدس العربي”: أعلن الجيش السوداني والقوات المشتركة عن صدّ هجوم نفذته قوات “الدعم السريع” في بئر سليبة في ولاية غرب دارفور، في وقت يحتدم الصراع حول طرق الإمداد والممرات الاستراتيجية في إقليم دارفور وولايات كردفان.
وقال حاكم إقليم دارفور والمشرف العام على القوات المشتركة، مني أركو مناوي، إن الجيش والقوات المتحالفة معه أحبطت محاولة التفاف نفذتها قوات “الدعم السريع” على مواقعها في منطقة بئر سليبة، مشيراً إلى أن الهجوم جاء عبر متحركين، أحدهما من الاتجاه الشمالي لمنطقة كلبس، والآخر من جهة صليعة غرب دارفور.
الهدف كان مباغتة القوات الموجودة في بئر سليبة وكسر دفاعاتها
وبين أن الهدف كان مباغتة القوات الموجودة في بئر سليبة وكسر دفاعاتها، مضيفاً أن القوات المدافعة تمكنت من إفشال الهجوم.
فيما أشار المتحدث باسم القوة المشتركة، متوكل أبوجا، إلى أن المهاجمين تكبدوا خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، معلناً تدمير أكثر من 38 عربة قتالية والاستيلاء على 27 عربة بكامل عتادها، إلى جانب مقتل قائد القوة المهاجمة وعدد من عناصرها.
وتكتسب بئر سليبة أهمية عسكرية بسبب موقعها شمال مدينة الجنينة، قرب الطرق الصحراوية التي تربط مناطق غرب دارفور بشمال إقليم دارفور والحدود مع دولة تشاد. فيما تمنح السيطرة على المنطقة الأطراف المتحاربة قدرة أكبر على مراقبة التحركات وطرق الإمداد في المحور الشمالي الغربي لإقليم دارفور.
وفي تداعيات تصاعد العمليات العسكرية على المدنيين، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن نحو 6,650 شخصاً نزحوا خلال الأسبوع الماضي من 11 قرية في محلية سربا غرب دارفور، نتيجة تصاعد القتال وانعدام الأمن في محيط بئر سليبة، حيث فر سكان من مناطق مجاورة باتجاه أبو سروج، فيما عبر آخرون الحدود إلى دولة تشاد على الحدود الغربية للبلاد.
تصعيد في كردفان
في الأثناء، يواصل الجيش السوداني عملياته في شمال كردفان ضد قوات “الدعم السريع”، بالتزامن مع تعزيز انتشاره على المحاور التي تربط غرب البلاد بوسطها والعاصمة الخرطوم.
وأفادت مصادر عسكرية بتحقيق الجيش تقدماً في مناطق كجمر وأبو حديد، بينما كثف غاراته بطائرات مسيرة على مواقع لـ”الدعم” في حمرة الوز وسودري. وذكرت أن ضربات جوية استهدفت تجمعات ومركبات عسكرية لقوات “الدعم” في الولاية.
وتشكل ولايات كردفان حلقة وصل بين مناطق النفوذ في غرب السودان والوسط، كما تمثل طرقها البرية شرايين أساسية لنقل القوات والوقود والمواد الغذائية.
وفي مدينة الأبيّض، عاصمة شمال كردفان، تتفاقم الأزمة الإنسانية، حيث أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” بإن الهجمات بالطائرات المسيرة ألحقت أضراراً بالمنازل والأسواق والمدارس ومنشآت المياه، وأن ما يقارب مليون شخص يتأثرون بتداعيات هذه الهجمات والاضطرابات التي أصابت الخدمات الأساسية.
وأشارت إلى أن النساء والأطفال يقضون ساعات طويلة تحت الشمس في انتظار شاحنات المياه، بعد تضرر شبكات المياه.
النساء والأطفال يقضون ساعات طويلة تحت الشمس في انتظار شاحنات المياه، بعد تضرر شبكات المياه
وتأتي أزمة المياه وسط تحذيرات أممية من تداعيات صحية خطيرة.
وكانت الأمم المتحدة قد أفادت في يوليو/ تموز الماضي بأن إمدادات المياه في الأبيّض لا تلبي سوى نحو 20% من احتياجات المدينة، بالتزامن مع انتشار الكوليرا في ولايات كردفان. كما قالت منظمة أطباء بلا حدود إن الضربات طالت مرافق مياه ومحطات وقود ومدارس ومحطة الكهرباء الرئيسية في المدينة.
وتزداد خطورة الوضع بالنسبة للأطفال. فقد قالت “يونيسف” إن ما لا يقل عن 330 طفلاً قتلوا أو أصيبوا خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، مع تسجيل أعلى مستويات الخسائر في إقليم دارفور وولايات كردفان.
وفي شمال كردفان وحدها، أدت الهجمات منذ مايو/ أيار الماضي إلى أكثر من 35 إصابة أو وفاة بين الأطفال، حسب المنظمة.
وفي يوليو/ تموز الماضي، أدى هجوم بطائرة مسيرة على سوق في الرهد شمال كردفان، إلى مقتل طفلين على الأقل وإصابة ستة أطفال آخرين، بالإضافة إلى سقوط قتلى وجرحى من البالغين.
شكل الدولة
سياسياً، قال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي إن البلاد دفعت ثمناً باهظاً من الدماء والنزوح والفقد، وإن إعادة إنتاج ممارسات الماضي ليست خياراً، داعياً إلى دولة تخضع فيها السلطة للقانون، ويحاسب فيها مرتكبو الجرائم أياً كانت مواقعهم.
وأكد أن السودان الذي ينشده يجب ألا يقوم على الإقصاء أو الانتقام أو عقلية الغلبة، بل على المواطنة والعدالة وسيادة القانون، معتبراً أن الحرب لا ينبغي أن تختزل في الصراع على السلطة وإنما في معركة على مستقبل الدولة.
أكدت “الخماسية”، الأسبوع الماضي، رفضها لأي ترتيبات تؤدي إلى إنشاء هياكل حكم موازية من شأنها تعميق انقسام الدولة
وتأتي هذه التصريحات بينما تتكثف المساعي الدولية لإطلاق مسار سياسي مدني. ففي يونيو/ حزيران الماضي، أعلنت مجموعة “الخماسية” التي تضم الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، استمرار المشاورات مع القوى السياسية والمدنية السودانية تمهيداً لتشكيل لجنة تحضيرية لحوار سوداني شامل.
وأكدت “الخماسية”، الأسبوع الماضي، رفضها لأي ترتيبات تؤدي إلى إنشاء هياكل حكم موازية من شأنها تعميق انقسام الدولة، وشددت على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.
فيما أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وبريطانيا، دعمهم لمسار مدني شامل، على أن يضم القوى السياسية والمجتمع المدني والنساء والشباب وممثلين عن مختلف المناطق والمكونات الاجتماعية. ودعوا إلى مسار قابل للإنجاز خلال فترة زمنية محددة، باعتباره مكملاً لجهود وقف إطلاق النار.
خلاف حول مكان الحوار
في المقابل، حذر رئيس حزب “الأمة”، مبارك الفاضل، من عقد حوار سياسي داخل السودان، معتبراً أن الظروف الحالية قد تجعله عاملاً في تكريس الانقسام بدلاً من إنهاء الحرب. ودعا إلى الاستفادة من مسار “الخماسية” وإجراء حوار في أرض محايدة يتيح مشاركة قوى سياسية ومدنية من مختلف مناطق البلاد.
حذر رئيس حزب “الأمة”، مبارك الفاضل، من عقد حوار سياسي داخل السودان
وتأتي المخاوف السياسية والإنسانية في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من أن الأنماط التي شهدها إقليم دارفور قد تتكرر في ولايات كردفان.
وكانت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة قد قالت في يوليو/ تموز الماضي إن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات “الدعم السريع” وحلفاؤها خلال حصار الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، والسيطرة عليها تضمنت عمليات قتل جماعي واغتصاباً وخطفاً وتجويعاً متعمداً، وخلصت إلى أن الأفعال ترقى إلى جرائم إبادة جماعية، محذرة من تكرارها في ولايات كردفان.