طرابلس ـ «القدس العربي»: أعادت سلسلة من حوادث الاختطاف والاحتجاز التعسفي في ليبيا ملف الاختفاء القسري إلى واجهة المشهد الحقوقي، وسط تحذيرات أممية من استمرار هذه الممارسات، ومطالبات بفتح تحقيقات تكشف ملابساتها وتحدد المسؤولين عنها. وبينما انتهت بعض الوقائع بالإفراج عن المختطفين بعد أيام أو ساعات من احتجازهم، لا يزال مصير آخرين مجهولًا، في مشهد يعكس استمرار التحديات المتعلقة بحماية الحريات الشخصية وضمان خضوع الأجهزة الأمنية والتشكيلات المسلحة للقانون.
وشهد تشرين الأول/أكتوبر الجاري حوادث متلاحقة، أبرزها اختفاء الأكاديمي والوزير السابق محمد شرف الدين الفيتوري ومرافقه أبو بكر الجراري في طرابلس، واعتقال الشقيقين مصطفى ومحمد الشيخ في مدينة غات جنوب غربي البلاد، قبل أن تتجدد المخاوف إثر اختطاف الإعلامي الحسن باكير في مدينة مصراتة. ورغم الإفراج عن الفيتوري والجراري وباكير، فإن الوقائع أثارت تساؤلات بشأن ظروف احتجازهم والجهات المسؤولة عن ذلك، ومدى قدرة السلطات على منع تكرار الانتهاكات ومحاسبة المتورطين فيها.
اختفاء الأكاديميين
بدأت إحدى أبرز الحوادث في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر، عندما انقطع الاتصال بأستاذ الإعلام والوزير السابق محمد شرف الدين الفيتوري، البالغ من العمر 72 عامًا، ومرافقه أبو بكر الجراري، عقب مغادرتهما الأكاديمية الليبية للدراسات العليا في منطقة جنزور غربي العاصمة طرابلس.
وأعلنت أسرة الفيتوري فقدان الاتصال بهما، موضحة أن آخر ظهور لهما كان داخل مقر الأكاديمية قرابة الثالثة عصرًا، قبل أن تنقطع أخبارهُما. وعُثر لاحقًا على سيارة الفيتوري في منطقة النجيلة، وبداخلها هاتف الجراري، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية.
وأثارت الحادثة مخاوف واسعة، خصوصًا بعد تأكيد عائلة الفيتوري حاجته إلى أدوية ورعاية صحية، في ظل عدم معرفة مكان احتجازه أو الظروف المحيطة باختفائه.
وفي التاسع من تشرين الأول/أكتوبر، أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها البالغ إزاء تقارير عن حالات اختفاء قسري واحتجاز تعسفي واختطاف، مشيرة إلى واقعة الفيتوري والجراري، ومطالبة بالكشف عن مصيرهما وضمان سلامتهما.
غير أن القضية شهدت تطورًا بعد يوم واحد من التحذير الأممي، إذ عاد الفيتوري والجراري إلى منزليهما مساء العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، بعد ستة أيام من انقطاع الاتصال بهما، وسط ترحيب حقوقي بالإفراج عنهما واستمرار المطالبات بكشف ملابسات احتجازهما.
وفي العشرين من تشرين الأول/أكتوبر، رحبت لجنة العدالة بالإفراج عن الأكاديميين، موضحة أن عودتهما جاءت عقب تدخل مباشر من النائب العام الصديق الصور، بعد تحديد مكان احتجازهما والجهة المسؤولة عن اعتقالهما تعسفيًا.
وأكدت اللجنة أن الإفراج لا ينهي المسؤولية القانونية عن الانتهاكات التي تعرض لها الإثنان، مطالبة بفتح تحقيق شامل ومستقل وشفاف، وتحديد المسؤولين عن الواقعة وتقديمهم إلى العدالة، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب.
وتطرح الحادثة تساؤلات بشأن الضمانات القانونية التي تحول دون احتجاز المواطنين خارج الإجراءات القضائية، خصوصًا أن تحديد مكان المحتجزين والتدخل للإفراج عنهما لا يغنيان عن معرفة أسباب توقيفهما والجهة التي أصدرت الأوامر باحتجازهما.
اختطاف إعلامي
ولم تمض أيام على الإفراج عن الفيتوري والجراري حتى شهدت مدينة مصراتة حادثة أخرى، بعدما تعرض الإعلامي الحسن باكير للاختطاف في العشرين من تشرين الأول/أكتوبر، في واقعة وثق جانبًا منها تسجيل مصور متداول على منصات التواصل الاجتماعي.
وأظهر التسجيل أشخاصًا ملثمين يعترضون سيارة الإعلامي ويجبرونه على الخروج منها، قبل اقتياده إلى جهة مجهولة، ما أثار موجة من المطالبات بالكشف عن مكان وجوده وضمان سلامته.
وأدانت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا الواقعة، معتبرة أنها تمثل تهديدًا لحرية الرأي والتعبير والعمل الصحافي، وطالبت الجهات الأمنية المختصة في مصراتة بالكشف عن مصيره والإفراج عنه.
كما حذرت من استهداف الأصوات الناقدة وتقييد حرية التعبير من خلال إساءة استخدام السلطة، مشددة على ضرورة حماية الإعلاميين من التهديد والترهيب وضمان ممارستهم عملهم في إطار القانون.
وفي الحادي والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر، أُطلق سراح باكير بعد ساعات من اختطافه، وسط ترحيب نقابات مهنية وجهات حقوقية، غير أن الإفراج لم ينه الجدل بشأن ما تعرض له خلال فترة احتجازه.
فقد نشر الإعلامي لاحقًا صورًا ومقطع فيديو قال إنها تظهر آثار تعذيبه، مؤكدًا تعرضه للضرب المبرح والتهديد بالقتل، وربط يديه بأربطة بلاستيكية، وتغطية رأسه بكيس أسود وعينيه بمنشفة سوداء خلال نقله من مصراتة إلى طرابلس.
وأشار باكير إلى تعرضه للسب والاعتداء الجسدي أثناء احتجازه، معلنًا عزمه كشف تفاصيل الواقعة بعد تماثله للشفاء.
وأعادت شهادته طرح المخاوف المتعلقة بسلامة الصحفيين في ليبيا، لا سيما أن تعرض إعلامي للاختطاف، وفق ما أظهرته التسجيلات المتداولة، ثم الإفراج عنه من دون إعلان نتائج تحقيق رسمي، يثير تساؤلات حول الحماية المتاحة للعاملين في المجال الإعلامي.
ومع أن باكير تحدث عن انتهاكات جسيمة تعرض لها، فإن تحديد المسؤولية الجنائية عنها يتطلب تحقيقًا قضائيًا مستقلًا، إلى جانب التحقق من مزاعم التعذيب وتوثيق الإصابات والأدلة المرتبطة بالواقعة.
مصير مجهول
وفي مقابل الحالات التي انتهت بالإفراج عن أصحابها، لا تزال قضية الشقيقين مصطفى خليفة الشيخ ومحمد الشيخ في مدينة غات تثير القلق، بعدما جددت منظمة «رصد الجرائم في ليبيا»، في الثالث والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر، مطالبتها بالكشف عن مصيرهما.
وقالت المنظمة إنها وثقت اعتقال الشقيقين في الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر الماضي، عقب اقتحام منزلهما في منطقة البركت جنوب مدينة غات، على أيدي مسلحين نسبتهم إلى قوات تابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر، واقتيادهما إلى جهة مجهولة.
وبحسب المنظمة، فإن الاعتقال جاء على خلفية نشاط شقيقهما بشير الشيخ المعارض للسلطات في شرق ليبيا، وعمله الإعلامي ضمن ما يعرف باسم «غرفة عمليات تحرير الجنوب».
واعتبرت «رصد» أن احتجاز الشقيقين بسبب نشاط أحد أفراد أسرتهما، مع استمرار إخفاء مكان وجودهما، يشكل اعتقالًا تعسفيًا واختفاءً قسريًا، وفق توصيفها للواقعة.
وطالبت المنظمة بالكشف الفوري عن مصيرهما وتمكينهما من التواصل مع عائلتيهما ومحاميهما، والإفراج عنهما، داعية مكتب النائب العام إلى فتح تحقيق عاجل ومستقل وتحديد المسؤولين عن اعتقالهما.
وكانت البعثة الأممية قد أشارت إلى قضية الشقيقين في بيانها الصادر في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر، معربة عن قلقها من الغموض المحيط بمكان وجودهما، ومطالبة السلطات المختصة بضمان سلامتهما والكشف عن مصيرهما.
وتثير هذه الواقعة مخاوف إضافية بشأن احتمال استخدام الاحتجاز للضغط على أقارب المعارضين، في ظل اتهامات حقوقية باستهداف أشخاص بسبب نشاط أفراد من أسرهم، وهي ممارسة تتعارض مع مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية والضمانات الأساسية للعدالة.
ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من الجهة المسؤولة عن اعتقال الشقيقين أو دوافعه، كما لم يُعلن عن نتائج تحقيق رسمي يحسم ملابسات الواقعة.
إفلات مستمر
وتكشف الحوادث الأخيرة عن تفاوت في مصائر المختطفين والمحتجزين، بين أشخاص أُفرج عنهم بعد تدخلات قضائية أو ضغوط حقوقية، وآخرين ما تزال أماكن وجودهم غير معروفة، بينما تبقى مسألة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات موضع تساؤل.
فالإفراج عن الشخص لا يمحو ما قد يكون تعرض له من حرمان غير قانوني من الحرية أو تعذيب أو تهديد، ولا يسقط حقه في المطالبة بالتحقيق والإنصاف وجبر الضرر.
كما أن التمييز القانوني بين الاختطاف والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري يظل ضروريًا، إذ يرتبط الاختفاء القسري بحرمان الشخص من حريته على أيدي موظفي الدولة أو أشخاص يعملون بإذنها أو دعمها أو موافقتها، مع رفض الاعتراف بالاحتجاز أو إخفاء المصير ومكان الوجود.
وكانت البعثة الأممية قد شددت على أن أي حرمان من الحرية يجب أن يستند إلى القانون ويخضع لضمانات الإجراءات القضائية، مطالبة بالإفراج عن المحتجزين بصورة غير قانونية أو إحالتهم إلى السلطات القضائية المختصة عند وجود مبررات قانونية.
وبين الإفراج عن بعض المختطفين واستمرار الغموض بشأن آخرين، يتجدد السؤال حول قدرة السلطات الليبية المختلفة على ضمان ألا يتحول الاحتجاز خارج القانون إلى ممارسة متكررة، وألا تقتصر الاستجابة الرسمية على إنهاء الاحتجاز دون التحقيق في أسبابه ومحاسبة المسؤولين عنه.
فالقضية لم تعد تتعلق فقط بالكشف عن أماكن وجود المختفين، بل بضمان عدم تكرار هذه الحوادث، وتعزيز الرقابة القضائية على أماكن الاحتجاز، وحماية المواطنين من التعرض للاختطاف أو الاعتقال التعسفي، بصرف النظر عن مواقفهم السياسية أو نشاطهم الإعلامي أو مناطق إقامتهم.
عائلات تنتظر
وراء كل حالة اختفاء في ليبيا، تقف عائلة تواجه أسئلة قد تستمر سنوات بدون إجابة، بين انتظار عودة الغائب والخوف من اكتشاف مصيره في إحدى المقابر الجماعية. وبينما تنتهي بعض حوادث الاختطاف بالإفراج عن أصحابها بعد ساعات أو أيام، تبقى أسر أخرى معلقة بين الأمل والفقد، في ظل تعثر جهود الكشف عن مصير المفقودين، وصعوبات الوصول إلى العدالة، وعدم معرفة الظروف التي اختفى فيها أقاربها أو الجهات المسؤولة عن ذلك.
وفي السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، كشفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن تنظيم جلسات دعم قانوني ونفسي واجتماعي لعائلات المفقودين في مدينتي ترهونة وتاورغاء، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، شارك فيها خمسون شخصًا من ذوي المفقودين الذين أمضى بعضهم سنوات طويلة في انتظار معلومات عن مصير أقاربهم.
وتضمنت الجلسات، التي عقدت خلال أيلول/سبتمبر الماضي، توضيحات بشأن إجراءات الإبلاغ عن حالات الاختفاء ومتابعة الملفات أمام السلطات القضائية، وآليات التواصل مع الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، إلى جانب إجراءات تقديم عينات الحمض النووي والتعرف على الرفات واستخراج الوثائق الرسمية والمطالبة بالتعويضات.
لكن أكثر ما كشفته اللقاءات كان حجم المعاناة النفسية التي تواجهها العائلات. ففي ترهونة، تساءل أحد الآباء عن جدوى الدعم النفسي في وقف بكائه كل ليلة على ابنه الذي لم يعد إلى المنزل منذ سبع سنوات، بينما تحدثت أم من تاورغاء عن فقدان الأمل في العدالة، مؤكدة أن مطلبها بات يقتصر على استعادة جزء من رفات ابنها لتتمكن من دفنه.
وتعكس الشهادتان تحول الاختفاء من حادثة محددة إلى مأساة ممتدة، لا تنتهي بمرور السنوات، إذ يعيش أقارب المفقودين حالة من عدم اليقين تحول دون الحداد على ذويهم أو التعامل مع غيابهم بوصفه حقيقة نهائية.
مقابر ترهونة
وتبقى مدينة ترهونة، الواقعة جنوب شرقي العاصمة طرابلس، واحدة من أبرز الشواهد على حجم الانتهاكات المرتبطة بالاختفاء والقتل خارج القانون، بعدما كشفت عمليات البحث التي بدأت عقب انتهاء سيطرة جماعة الكانيات على المدينة عام 2020 عن مقابر جماعية ضمت رفات عشرات الضحايا.
وفي الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أعلنت الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين تحديد هوية ستة أشخاص انتُشلت رفاتهم من المقابر الجماعية المكتشفة في منطقة المشروع الزراعي المعروف باسم «خمسة كيلو» بمدينة ترهونة، عقب استكمال الفحوصات والتحاليل المخبرية اللازمة.
وأوضحت الهيئة أن نتائج التعرف على الهويات أُحيلت إلى مكتب النائب العام لاستكمال الإجراءات القانونية وإبلاغ ذوي الضحايا، قبل أن تعلن لاحقًا تسليم الجثامين الستة إلى عائلاتهم، بحضور ممثلين عن مكتب النائب العام، والمشاركة في مراسم تشييع اثنين من الضحايا.
ورغم أهمية الخطوة بالنسبة إلى الأسر التي تمكنت أخيرًا من معرفة مصير أبنائها، فإن عمليات البحث لا تزال مستمرة، فيما أشارت البعثة الأممية إلى بقاء أكثر من ستين شخصًا في عداد المفقودين في ترهونة، رغم جهود استخراج الرفات والتعرف على الهويات منذ عام 2020.
وكان تقرير مشترك أصدرته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في آب/أغسطس 2024 قد وثق انتهاكات جسيمة ارتكبت في ترهونة ومحيطها خلال الفترة الممتدة بين عامي 2013 و2022.
وشملت الانتهاكات، بحسب التقرير، القتل خارج نطاق القانون والاختفاء القسري والاختطاف والتعذيب والعنف الجنسي والتهجير القسري، محملًا جماعة الكانيات مسؤولية أنماط واسعة من الانتهاكات خلال سنوات سيطرتها على المدينة، إلى جانب توثيق تجاوزات ارتكبتها عناصر مسلحة موالية لحكومة الوفاق السابقة عقب انتهاء تلك السيطرة.
وحذر التقرير من أن استمرار الإفلات من العقاب وعدم مساءلة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة يهددان بتكريس الانقسام وتقويض جهود المصالحة، مشددًا على ضرورة ضمان حق الضحايا وعائلاتهم في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.
جراح تاورغاء
ولا تقتصر معاناة المفقودين على ترهونة، إذ تعيش عائلات في مدينة تاورغاء أوضاعًا مشابهة منذ النزاع المسلح عام 2011، الذي شهد سقوط النظام السابق وما رافقه من تهجير واسع للسكان وانتهاكات طالت مدنيين.
وبعد خمسة عشر عامًا على تلك الأحداث، لا تزال عائلات تبحث عن أقارب فُقدوا خلال النزاع وما أعقبه، دون امتلاك معلومات كافية بشأن أماكن وجودهم أو ظروف اختفائهم.
ويواجه أهالي تاورغاء تحديات إضافية ترتبط بتاريخ النزوح والعودة وإعادة بناء الحياة الاجتماعية، بينما لا يزال ملف المفقودين يمثل عقبة أمام تجاوز آثار الماضي وتحقيق مصالحة تستند إلى الاعتراف بالانتهاكات وإنصاف الضحايا.
وخلال مناقشات أممية بشأن ملف المفقودين، طالب ممثلون عن العائلات باستئناف أعمال البحث والحفر في المناطق المحيطة بتاورغاء، حيث يُعتقد بوجود مواقع دفن لأشخاص فقدوا منذ عام 2011، إلى جانب تسهيل الإجراءات الإدارية التي تسمح للأسر بالحصول على شهادات الوفاة وممارسة حقوقها القانونية والاجتماعية والمالية.
وتكشف مطالب العائلات عن اختلاف الأولويات بين المؤسسات والأسر؛ فبينما تركز الجهات الرسمية على الإجراءات الفنية والقانونية، تسعى العائلات أولًا إلى الحصول على إجابة بشأن مصير أحبائها، سواء كانوا أحياء أو توفوا، واستعادة رفاتهم في الحالات التي يثبت فيها الوفاة.
ثغرات قانونية
وفي موازاة عمليات البحث، تتزايد الدعوات إلى إصلاح الإطار التشريعي والمؤسسي المنظم لقضايا المفقودين والاختفاء القسري في ليبيا، بما يضمن حقوق الضحايا وأسرهم ويوحد إجراءات التعامل مع البلاغات والتحقيقات.
وكان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد أصدر في شباط/فبراير الماضي تقريرًا بشأن الإطار القانوني الخاص بقضية المفقودين في ليبيا، تناول التشريعات الوطنية واختصاصات المؤسسات المعنية، وحدد ثغرات قانونية وأوجه تداخل بين الجهات المختصة.
وأشار التقرير إلى الحاجة لتطوير منظومة قانونية ومؤسسية أكثر شمولًا، تضع الضحايا وعائلاتهم في صميم جهود العدالة الانتقالية، وتضمن تنسيقًا أفضل بين المؤسسات القضائية والأمنية والجهات المكلفة بالبحث والتعرف على المفقودين.
كما أصدر البرنامج دليلًا عمليًا لحقوق عائلات المفقودين، يوضح الإجراءات المتاحة للبحث عن الأشخاص المفقودين، وآليات الحصول على الدعم القانوني، والسبل التي يمكن للأسر اتباعها للمطالبة بالحقيقة والمساءلة.
وتبرز أهمية هذه الإصلاحات في ظل تعدد حالات الفقد في ليبيا، بين أشخاص تعرضوا للاختفاء القسري أو الاختطاف خلال النزاعات المسلحة، وآخرين فقدوا في ظروف مختلفة، بما في ذلك الكوارث الطبيعية والهجرة، الأمر الذي يتطلب التمييز بين طبيعة كل حالة وأسبابها والمسؤوليات القانونية المترتبة عليها.
ولا تزال المطالبات الحقوقية تدعو إلى انضمام ليبيا إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، ومواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، بما يعزز ضمانات منع الاحتجاز السري ومساءلة المسؤولين عن إخفاء الأشخاص.
عدالة غائبة
وتبقى المساءلة القضائية واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في ملف المفقودين، إذ إن استخراج الرفات وتحديد هويات الضحايا، رغم أهميتهما الإنسانية والقانونية، لا يعنيان بالضرورة اكتمال التحقيقات أو معاقبة المسؤولين عن الجرائم.
كما أن استمرار الانقسام السياسي والأمني وتعدد التشكيلات المسلحة يعقدان جهود البحث والوصول إلى بعض أماكن الاحتجاز ومواقع الدفن المحتملة، خصوصًا عندما تتطلب التحقيقات تعاون جهات مختلفة في مناطق تخضع لسلطات متنافسة.
وتواجه العائلات، إلى جانب معاناتها النفسية، صعوبات تتعلق بإثبات الوفاة واستخراج الوثائق الرسمية وتسوية مسائل الإرث والملكية والحصول على التعويضات، وهي حقوق قد تظل معلقة سنوات بسبب غياب المعلومات عن مصير المفقود.
وفي ظل عدم وجود إحصاء وطني حديث وشامل لجميع حالات الفقد والاختفاء القسري، يصعب تحديد الحجم الدقيق للأزمة، خصوصًا مع اختلاف ظروف الاختفاء وتعدد الجهات التي تتلقى البلاغات وتتابع الملفات.
وبينما تمثل إعادة رفات بعض الضحايا إلى عائلاتهم خطوة نحو إنهاء سنوات من الانتظار، فإن استمرار اكتشاف المقابر الجماعية وبقاء أشخاص في عداد المفقودين يؤكدان أن القضية أبعد من مجرد ملف إنساني أو إجراءات فنية.