عجز الطبقة الحاكمة عن حل مشكلات فرنسا وانهيار العقد الاجتماعي ومخاوف من تسليم البلاد إلى اليمين المتطرف


لندن – “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” افتتاحية قالت فيها إن احتجاجات الطلاب في فرنسا أحدثت حالة من الاستقطاب في مرحلة سياسية خطيرة. وذكّرت الصحيفة بما كتبه الرئيس إيمانويل ماكرون في كتابه “الثورة”، الذي نشره عام 2017، قبل فوزه في الانتخابات الرئاسية، إذ وعد بإعادة الأمل إلى بلد كان يفقد ثقته بمستقبله.

ومع اقتراب نهاية ولايته الثانية، تشهد فرنسا أجواء أشبه بالتمرد، تنتشر فيها المباني العامة المحترقة والمتاجر المنهوبة، في مشهد يكشف، بحسب الصحيفة، فشل مشروع ماكرون السياسي. فقد طغت أسوأ مشاهد العنف في المدن منذ سنوات على احتجاجات نهاية الأسبوع، التي قوضت بصورة خطيرة ما تبقى من سلطة الرئيس الفرنسي.

ومع فقدان الشرطة السيطرة على الشوارع، تعرض أكثر من ألفي متجر للنهب. واستهدفت جماعات من اليسار المتطرف مباني البلديات والمنشآت المحلية، ودخلت في اشتباكات عنيفة مع الشرطة، التي لم يؤدِّ ردها العنيف على احتجاجات طلاب المدارس الثانوية الأسبوع الماضي إلا إلى تصعيد التوترات.

أشارت الصحيفة إلى إدانة ماكرون أعمال العنف، وكيف تستغل زعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبان، حالة الاستياء الشعبي لتقديم نفسها بوصفها صاحبة الحل القائم على فرض القانون والنظام

وأشارت الصحيفة إلى إدانة ماكرون أعمال العنف، وكيف تستغل زعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبان، حالة الاستياء الشعبي لتقديم نفسها بوصفها صاحبة الحل القائم على فرض القانون والنظام. ومع ذلك، ترى الصحيفة أن التصرفات الصادمة لأقلية لا ينبغي أن تحجب أهمية المظاهرات السلمية الحاشدة التي عمت فرنسا يوم السبت. فقد أسفرت الدعوات إلى توحيد احتجاجات الطلاب وحركة السترات الصفراء، التي عرقلت ولاية ماكرون الأولى بسبب قضايا غلاء المعيشة، عن حشد ما يصل إلى 800 ألف شخص.

وترى الصحيفة أن السبب الأساسي للاضطرابات يكمن في الشعور الواسع بأن العقد الاجتماعي في فرنسا قد انهار. فالشباب يشعرون بخيبة أمل إزاء نظام تعليمي يعاني نقص التمويل وعدم المساواة، ويخشون التأثيرات المستقبلية للذكاء الاصطناعي وأزمة المناخ. وكما هي الحال في معظم أنحاء أوروبا، فقدوا الثقة بقدرة السياسيين التقليديين على إيجاد الحلول. وأظهر حجم احتجاجات نهاية الأسبوع امتزاج استياء جيل الألفية باستياء سكان المدن والضواحي المهمشة، التي عانت صدمات اقتصادية متكررة منذ جائحة كوفيد-19.

وكان رد فعل ماكرون، الذي وصفته الصحيفة بالغباء والعناد، هو التمسك بخطة خفض الإنفاق لتقليص الدين العام الفرنسي، في محاولة لاسترضاء الأسواق المالية. لكن في وقت يواصل فيه أصحاب الثروات تحقيق المكاسب والازدهار، لن يكون الادعاء بأنه لا بديل عن خفض الإنفاق على المدارس والرعاية الصحية مقنعًا. وقد أشار الخبير الاقتصادي توماس بيكيتي، خلال احتجاجات الطلاب الأسبوع الماضي، إلى أن نمو الثروة الخاصة يعني أنه، رغم حجم الدين العام، “لم تكن فرنسا أغنى مما هي عليه الآن”.

وأدى قرار ماكرون المتهور بالدعوة إلى انتخابات مبكرة عام 2024، والذي كلفه أغلبيته، إلى تراجع مكانته السياسية. لكن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه لاحقًا، بحسب الصحيفة، كان إصراره المتعجرف على سياسات التقشف الاقتصادي، رغم الأدلة الواضحة على تفاقم الاستقطاب السياسي وتصاعد الغضب الشعبي. ومع مرور كل أسبوع، تبدو التداعيات الاجتماعية أكثر خطورة، في وقت تقترب فيه الانتخابات الرئاسية المقررة بعد ستة أشهر. وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى اتساع الفارق الذي يحققه اليمين المتطرف قبل تلك الانتخابات.

وفي غضون ذلك، يواصل زعيم اليسار المتشدد، جان لوك ميلانشون، التقدم على منافسيه التقدميين، رغم أن الأرقام تشير إلى أنه سيخسر بفارق كبير أمام لوبان في جولة الإعادة. وفي أجواء تتزايد توترًا، تتجه فرنسا نحو مواجهة حاسمة في أيار/مايو. ومما يثير القلق أن الاضطرابات المدنية التي شهدتها نهاية الأسبوع قد لا تكون سوى نذير لما هو آتٍ.

وفي السياق نفسه، قالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن ماكرون قد يحصل في نهاية المطاف على “ثورته”، ولكن ليس الثورة التي أرادها، مضيفة أن لوبان تبدو على أعتاب الفوز بالرئاسة الفرنسية للمرة الأولى. وأشارت الصحيفة إلى أن فشل الحكومة في توقع ثورة الطلاب كان موضع انتقادات من مختلف الأطياف السياسية.

أدى قرار ماكرون المتهور بالدعوة إلى انتخابات مبكرة عام 2024، والذي كلفه أغلبيته، إلى تراجع مكانته السياسية. لكن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه لاحقًا، بحسب الصحيفة، كان إصراره المتعجرف على سياسات التقشف الاقتصادي، رغم الأدلة الواضحة على تفاقم الاستقطاب السياسي وتصاعد الغضب الشعبي

وحتى قبل اندلاع أعمال العنف، كانت نسبة تأييد ماكرون متدنية للغاية، إذ بلغت 15% فقط. ولا يبدو أن شعبيته ستتراجع أكثر من ذلك. وأضافت الصحيفة أن الوضع الحالي يختلف عما كان عليه عام 2017، عندما تولى ماكرون منصبه في سن التاسعة والثلاثين، وكان شابًا واثقًا بنفسه، يعد بإصلاحات اقتصادية شاملة لإنقاذ فرنسا من الركود الاقتصادي وصعود اليمين المتطرف، وربما، قبل كل شيء، من الشعور السائد بأن فرنسا لم تعد مجتمعًا متماسكًا.

ووعد ماكرون بتوحيد بلد شديد الانقسام، وضمان ألا يكون لدى الناخبين الفرنسيين “أي سبب للتصويت للتطرف مجددًا”.

وخاض الانتخابات ببرنامج مؤيد لاقتصاد السوق الحرة، يقوم على تسهيل استثمارات الشركات في فرنسا وخفض تكلفتها، بما يخلق فرص عمل ويحقق نموًا اقتصاديًا. وهكذا، وفقًا لماكرون، يمكن استعادة أصوات ناخبي اليمين المتطرف.

لكن ماكرون خفّض، على مدى السنوات التسع الماضية، ضرائب الشركات والرواتب، وألغى ضريبة الثروة. ومع ذلك، لم تسهم هذه الإجراءات في تعزيز النمو الاقتصادي بصورة ملموسة، ولم تحدّ من تفاقم الدين الفرنسي. ويُنظر الآن على نطاق واسع إلى مستوى الدين، الذي لم يكن منخفضًا أصلًا، باعتباره غير مستدام. وقد ينفق دافعو الضرائب الفرنسيون العام المقبل على فوائد الدين العام أكثر مما ينفقونه على الدفاع والتعليم. ويسود الآن شعور واسع بوجود أزمة بنيوية وظلم اجتماعي.

ومع أن كثيرًا من هذه المشكلات كان قائمًا قبل عهد ماكرون، فقد تفاقم بفعل أحداث خارجة عن سيطرته، مثل جائحة كورونا. وفي ظل هذه الظروف، تحولت احتجاجات نهاية الأسبوع إلى أسوأ أعمال شغب تشهدها البلاد منذ سنوات.

وأظهرت الاحتجاجات الواسعة التي نظمها الطلاب وأعضاء النقابات أن ما يقرب من عشر سنوات من حكم ماكرون لم تنجح في حل مشكلات فرنسا. وقد يدفع العنف وأعمال النهب التي أعقبتها بعض الناخبين إلى التصويت لمصلحة لوبان، التي تعهد ماكرون بمنعها من الوصول إلى الرئاسة. وهذا يعني أن إرثه قد يختلف عما تصوره، وأن مصيره السياسي، مثل مصير باراك أوباما، سيتشكل وفق هوية من سيخلفه في قصر الإليزيه.

وعلقت صحيفة “فايننشال تايمز” على احتجاجات فرنسا، معتبرة أنها تعبير عن فشل الطبقة السياسية بأكملها. وأضافت أنه حتى بالنسبة إلى بلد لطالما ألهمته الاحتجاجات الجماهيرية، كانت أعمال الشغب والنهب العنيفة التي اجتاحت فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع صادمة.

وقالت الصحيفة إن تراجع سلطة ماكرون، الذي كان واضحًا أصلًا، بات يتجلى الآن في أنقاض مبنى بلدية ليموج العائد إلى القرن التاسع عشر، بعدما أضرمت حشود غاضبة النار فيه. ورغم تحميل الصحيفة، شأنها شأن الحكومة، المتطرفين من أقصى اليسار والعناصر الإجرامية مسؤولية إثارة الفوضى التي أعقبت يومًا من الاحتجاجات السلمية في معظمها، على خلفية تدهور مستويات المعيشة وتراجع الخدمات العامة ومجموعة من المظالم الأخرى، فإنها رأت أن الحكومة تتحمل أيضًا جزءًا كبيرًا من المسؤولية، بسبب إخفاقات الشرطة وأجهزة الاستخبارات. كما أثارت نهجها في التعامل مع الاضطرابات العامة تساؤلات.

وفي يوم الاثنين، رفض ماكرون قبول استقالة وزير الداخلية لوران نونيز، وهو مسؤول رفيع سابق في شرطة باريس، مشيرة إلى أن وزراء استقالوا في السابق لأسباب أقل خطورة.

وترى “فايننشال تايمز” أن موجة العنف العارمة في الشوارع تقدم صورة عن حكومة فقدت السيطرة. فهي تقوض ثقة الجمهور بسلطات الدولة، وتزعزع ثقة قطاع الأعمال، وتشوه سمعة فرنسا الدولية، بما قد يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على قطاع السياحة الحيوي.

ورغم أن الرئيس ورئيس وزرائه لا يملكان الكثير من الوقت للتحرك قبل انتخابات الربيع المقبل، فإن عليهما، على الأقل، الحفاظ على أمن البلاد. ومن أسباب صعوبة الحكومة في احتواء احتجاجات طلاب المدارس الثانوية، التي تهدد الآن بالاتساع، افتقارها إلى الموارد المالية اللازمة لمعالجة المظالم الاجتماعية، وهي إحدى الوسائل التقليدية لاحتواء مثل هذه الاحتجاجات.

فقد ضخ ماكرون نحو 11 مليار يورو على شكل مساعدات لتهدئة احتجاجات السترات الصفراء خلال الفترة 2018-2019. أما هذه المرة، فتبدو الخزينة فارغة تمامًا. وعليه، فإن أي محاولة للخروج من الأزمة عبر زيادة الإنفاق قد تؤدي إلى انتكاسة تتمثل في تجدد عمليات بيع السندات وارتفاع تكاليف الاقتراض.

ومع تبقي ستة أشهر على الانتخابات الرئاسية، عززت الاحتجاجات والاشتباكات العنيفة التي شهدتها الأسابيع الأخيرة قوة التطرف السياسي في فرنسا، في حين أضعفت التيار الوسطي. وبالنسبة إلى لوبان، فإن شعور الحكومة بفقدان السيطرة يمثل مكسبًا ثمينًا. وقد ألقى حزبها باللوم على الهجرة في أعمال العنف، كاشفًا، بحسب الصحيفة، عن أسوأ نزعاته.

وفي المقابل، شجع زعيم اليسار المتطرف، جان لوك ميلانشون، الاحتجاجات واستغلها لتعزيز شعبيته بوصفه مرشحًا مناهضًا للنظام، رغم أن أعمال الشغب التي وقعت في نهاية الأسبوع قد تؤثر سلبًا في صعوده الأخير في استطلاعات الرأي. أما إدوارد فيليب، زعيم التيار الوسطي، فيعاني تبعات ارتباطه بحكومة ضعيفة، ويكافح لتحديد مسار جديد مقنع.

وفي الواقع، كشفت المظالم المتفشية والأجواء المتوترة عن عمق المشكلات الاجتماعية في فرنسا. وللأسف، يبدو أن أياً من المرشحين لا يعرف كيف يعالجها فعليًا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *