الاتحاد الأوروبي وعنف المستوطنين: عقوبات عجفاء وسياسات خرقاء


بعد أشهر من المماطلة والتأجيل والتعطيل، توصل وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إلى قرار يقضي بفرض عقوبات جديدة بحق 3 مستوطنين و4 منظمات استيطانية إسرائيلية، كما عقدوا اجتماعاً منفصلاً لفرض عقوبات مماثلة على شخصيات قيادية في حركة «حماس» من باب دفع النقمة الإسرائيلية المتوقعة والإيحاء بالمساواة.
هذه هي الحزمة الثالثة من عقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي بعد أن اقتفت بروكسيل درب إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في معاقبة عنف المستوطنين سنة 2024. وكان الرئيس الحالي دونالد ترامب قد سارع إلى نقض الإجراء بعد ساعات من تنصيبه في كانون الثاني/ يناير 2025، فشجع رئيس الوزراء المجري فكتور أوربان على تعطيل العقوبات الأوروبية، وبالتالي لم تُمرر إلا بعد أن خسر الأخير منصب رئاسة الحكومة.
مشكلة هذه العقوبات تتمثل في أنها بمثابة قليل ضئيل يأتي متأخراً وقاصراً، ليس لأنها عجفاء من حيث اقتصارها على تجميد الأصول المالية الخارجية وحظر السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي فحسب، بل أساساً لأنها انعكاس لسياسات خرقاء لا تمس جوهر المعضلة خلف استراتيجيات استيطانية غير شرعية في ناظر القانون الدولي ولكنها تحظى بالرعاية والتمويل والحماية والتشجيع من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على اختلاف هوياتها الإيديولوجية.
ولا عجب أن قادة الاستيطان الإسرائيلي المعاقَبين أنفسهم سخروا من هذه العقوبات الأوروبية، وبعضهم اعتبرها «وسام شرف»، ومعظمهم شدد على الحقيقة البسيطة الساطعة: أنها لن تعيق الاستيطان بأي حال، بل الأرجح أنها سوف تجلب المزيد من التبرعات الخارجية لتعزيز الاستيطان عموماً، وتلك البؤر الاستيطانية التي تُقام على أراض فلسطينية وعن طريق استخدام طرائق العنف المختلفة خصوصاً.
كذلك لم يكن مستغرباً أن يلجأ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى توبيخ الاتحاد الأوروبي من زاوية أولى تعيب على بروكسل فرض العقوبات حين تتولى واشنطن وتل أبيب «العمل القذر» بالنيابة عن أوروبا «خلال القتال من أجل الحضارة ضد الجهاديين المتطرّفين في إيران وفي أماكن أخرى». وأما الزاوية الثانية فكانت إعلان «الإفلاس الأخلاقي» للاتحاد الأوروبي، وهذا خطّ في التأنيب ذهب به وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى درجة رفع الفزاعة المألوفة المتكررة: أن الاتحاد «معادٍ للسامية».
المعطيات على الأرض، والتي لا يغفل عنها الاتحاد الأوروبي، تقول إن عنف المستوطنين ليس أقل من أداوت منهجية تعتمدها دولة الاحتلال لترهيب الفلسطينيين وطردهم خارج أراضيهم وممتلكاتهم، وبالتالي تسهيل إقامة البؤر الاستيطانية، وهذا هو الهدف من مشاركة جيش الاحتلال في تشجيع وحماية جرائم المستوطنين، وسكوت القضاء الإسرائيلي عن محاسبتهم. وخلال 40 يوماً فقط من الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، وقعت 378 حادثة عنف استيطاني في الضفة الغربية، شملت 148 تجمعاً أهلياً فلسطينياً، وقُتل 8 كما جُرح أو أصيب أكثر من 200 فلسطيني.
وما لم تستهدف العقوبات جوهر مشكلة الاستيطان، فإنها سوف تبقى عجفاء لا تعكس سوى سياسات خرقاء.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *