رفيق-شرف
حين طرح جواد سليم وهو رائد التشكيل الحديث في العراق ومؤسس «جماعة بغداد للفن الحديث» (1951) فكرة العودة إلى رسوم يحيى بن محمود الواسطي، الذي عاش في القرن الثالث عشر والتي زين بها كتاب مقامات الحريري، باعتبارها تراثا جماليا كان قريبا من أفكار النحات المصري محمود مختار، الذي اقترح العودة بقوة العصر إلى المنحوتات الفرعونية لاستلهام روح التراث الجمالي المصري، باعتباره تجسيدا لهوية، كان في الإمكان استعادتها عن طريق الفن.
أما حين استغرق الرسامون العراقيون في استلهام عادات مجتمعهم اليومية وصناعاته التقليدية، وتقوقع المصريون في غزلهم بطبائع ريفيتهم وطين النيل وما يتركه من أثر على بنية الحياة اليومية، وطرق تأثيث العالم بالصناعات اليدوية، فقد صارت الحداثة الفنية تُستعمل لأغراض فلكلورية. كان الخلط بين التراث والفلكلور هو الفخ الذي كان السقوط فيه سببا في تراجع فكر الحداثة وتخلف المحاولة الفنية العربية عن الوصول إلى حقيقة الرؤية المعاصرة. لقد أربك الفنان العربي هويته حين أساء الفهم بارتباكه أمام مفهومي التراث والفلكلور، حين مزج بين الاثنين فكانت الغلبة لتيه في المفاهيم، معه صارت العادات والصناعات الشعبية ومشاهد الحياة اليومية تراثا. ما مهد لقيام صناعة فلكلورية لكن بصيغة معاصرة.
ربما تكون جماعة مدرسة تونس التي تأسست عام 1949 بدعوة من الرسام الفرنسي بيار بوشارل، النموذج الأكثر وضوحا لمفهوم الهوية الوطنية، الذي خضع للتداول السطحي حين تم استدراج مشاهد الحياة اليومية بكل ما تتضمنه من مرئيات ومهن وعادات يومية، هي وليدة واقع مصطنع وتخلف لتحل محل المزاج الثقافي العميق، الذي اكتسبه التونسيون من عصورهم التي لا تزال قرطاج شاهدة على واحد من أهم فضاءاتها. انتمى إلى تلك الجماعة رسامون مهمون مثل، عمار فرحات والزبير التركي وعبد العزيز التركي والهادي التركي الذين على الرغم من مواهبهم الكبيرة ظلوا أسرى فكرة هامشية صغيرة كانت من اختراع خيال فرنسي لم ير من تونس سوى فلكلور تتكرر طقوسه.
سامية-حلبي
حكواتي البلاد البعيدة
يمكنني أن أتخذ من عالمي المغربيين أحمد الشرقاوي وفريد بلكاهية نموذجين لذلك التعارض، على الرغم من أن الاثنين حسب نقاد الفن ينتميان إلى تيار الحداثة الفنية. كان أحمد الشرقاوي (1934 ـ 1967) مسلحا بعدة تراثية نجح في تحويلها إلى إداة أسلوبية حديثة. ذلك ما فعله بعده العراقي شاكر حسن آل سعيد (1925 ـ 2004) حين حرر الرسم في العراق من سجاله المحلي، أما فريد بلكاهية (1934 ـ 2014) فعلى الرغم من تأثره بتجربة الإسباني انتوني تابيث العميقة في خلاصاتها الجمالية، فإنه لم يتحرر من النتائج التي توصل إليها صناع الفنون الشعبية التقليدية. لقد سعى الاثنان بنوايا صادقة إلى اختراع هوية مغربية للفن، غير أن عالميهما لم يلتقيا عند نقطة تماس واحدة بسبب المسافة الهائلة التي تفصل بين مفهومي التراث والفلكلور.
كان هناك في لبنان رسام اسمه رفيق شرف (1932 ــ 2003) وجد في الحكايات الشعبية مجالا حيويا للرسم فكان أشبه بالحكواتي لكن بطريقة بصرية. في المقابل كان هناك حكواتي لبناني آخر هو عارف الريس (1928 ـ 2006) كان قد نجح في أن يضع حياته الفلكلورية في خدمة فنه المعاصر. كان عيب الريس الوحيد أنه لم يستقر أسلوبيا فكان دائم التحول والانتقال من أسلوب إلى آخر. وهو ما أضر بتجربته. ما بين الحكواتي شرف والحكواتي الريس تقف معادلة التراث والفلكلور وهي معادلة قلقة شيدت على أساسها كل طروحات الهوية القومية في الفن. لم أتعرف على رفيق شرف غير أنني تعرفت على عارف الريس في حياته، وعرفت من خلاله أن للسخرية تراثا يمكن استلهامه.
الأسلوبية الغربية وغياب الخيال
غير صحيح القول إن وقوع الفنان العربي تحت تأثير الفن الغربي، سعيا منه إلى تقليده هو فعل اضطراري وقع بسبب أننا لا نملك إرثا فنيا يستحق أن يكون مصدر إلهام جمالي. في كل مكان في العالم العربي هناك أثر لحضارة عمرتها الفنون برؤاها. وإذا كان الرواد من الفنانين العرب محظوظين بذهابهم إلى الغرب للدراسة الفنية منذ أوائل القرن العشرين، وهو القرن الذي فرضت فيه الحداثة الفنية تحولاتها من خلال تعددية مدهشة في الأساليب وطرق التفكير الرؤية الفنية، بدءا من الدادائية وانتهاء بمدرسة باريس مرورا بالتعبيرية والتكعيبية والسريالية والمستقبلية، فإنهم لم يتعلموا للأسف تقنية التفكير التي استعملها الرسامون الغربيون في استلهام العناصر الجمالية التي تعود إلى حضارات نشأت في المنطقة العربية أو قريبا منها. وفي ذلك تحضر تجربة بيكاسو في استلهامه الأقنعة الافريقية، وتجربة هنري ماتيس في طنجة المغربية وتجربة بول كلي في تنقله بين القيروان وسيدي بوسعيد في تونس. لقد تأثر الكثير من الرسامين العرب بالرسامين الثلاثة، غير أن ذلك التأثر لم يقد إلى التفاعل مع المصادر الجمالية التي استخرج منها أولئك الرسامون بريق فتنة رسومهم. ظل التأثير رهين أسلوبية سطحية لم تنفع إلا في تكريس تبعية، كان مضمونها يقوم على الاستخفاف بكل ما أنجز في العالم العربي من فنون، كونها عبارة عن فنون تطبيقية.
لم يلتفت الفنانون الأوروبيون، الذين تأثروا بحضاراتنا إلا إلى العناصر التي قاومت الزمن، وكانت أكبر من أن تُركن في المناسك الريفية. تأثر النحات البريطاني هنري مور بالدمى السومرية، بل إنه استنسخ عددا منها بعد إضفائه شيئا من أسلوبه عليها. في المقابل لا أحد من النحاتين العراقيين انتبه إلى أن المتحف العراقي يضم كنوزا خيالية نادرة. لا أحد في تونس جرته قدماه إلى قرطاج، أو الجم ليفهم سر العبقرية التي لا تزال أرواحها تسكن المكانين.
الفنان العربي في فخ التنميط الغربي

هل أضاع الفنان العربي بوصلة هويته حين اكتفى بيوميات الثانوي في حياته، منقطعا عن جذره الحضاري الذي حصره في دروسه المدرسية؟ شيء من ذلك القبيل حدث لكن بإغراء من فكرة مضللة قوامها الدفاع عن الهوية أو استحضارها. سقط الكثيرون في فخ الفلكلور وهو فخ استعماري. فالفنون التي تحظى بتشجيع غربي وتتبناها مؤسساته، هي تلك التي تعكس التنميط الغربي لنا باعتبارنا شعوبا لم تنتقل بطريقة عملية إلى عصر الحداثة، والأخطر من ذلك أن هناك في الغرب من طرح فكرة تقول، إن كل الحضارات القديمة بضمنها ما شهدته مصر والعراق والصين والهند هي تمارين أولية مهدت لولادة الحضارة الإغريقية التي هي من وجهة نظرهم النموذج الحضاري المكتمل الأول في التاريخ البشري.
تلك نظرية أُخذ بها فنانون عرب سعيا منهم وراء إثارة اهتمام المزاج الغربي بتجاربهم فكان لهم ذلك. يعد الفنان الجزائري رشيد قريشي والفنان التونسي نجا النهداوي، مثالين بارزين في ذلك المجال. وعلى الرغم من أنهما نجحا في كسب تعاطف المؤسسة الفنية الفرنسية فإنهما لا يصنفان غربيا باعتبارهما فناني حداثة جاءت من عالم مختلف. لقد بقيا سجيني ذلك التنميط التقليدي بعكس ما حدث مع فنان سوداني يقيم في أوكسفورد في بريطانيا منذ عشرات السنين، هو إبراهيم الصلحي الذي صارت أعماله جزءا من مقتنيات متاحف الفن العالمية مثل متحف الفن الحديث في نيويورك وتيت مودرن في لندن. كما أن الفلسطينية سامية حلبي المقيمة في نيويورك منذ خمسين سنة، نجحت بفنها في الانتقال إلى عصر الحداثة وما بعده. نموذجا الصلحي وحلبي يؤكدان أن كسر القاعدة في الغرب أمر ممكن، لكن من خلال توسيع دائرة المرجعيات الملهمة لتكون جماليات التراث الحضاري في العالم العربي جزءا منها.