يُنظر للمرشد الإيراني في أدبيات «ولاية الفقيه» على أنه «نائب الإمام» المهدي الذي غاب حوالي منتصف القرن الرابع الهجري، غيبته الكبرى، وظل غائباً إلى يومنا هذا، وسوف يعود لتنتهي فكرة «نائب الإمام»، مع عودته التي يباشر بعدها مهامه، دون الحاجة لنائب، وذلك في آخر الزمان، حسب الرواية الشيعية الإمامية.
وبعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، تولى القيادة نجله مجتبى الذي أصبح «الولي الفقيه»، و»نائب الإمام»، بعد أن تمت ترقيته إلى رتبة «آية الله»، وهي مكانة علمية، لا تنطبق عليه، حسب الشروط الإمامية، كما لم تكن تنطبق على والده قبله، غير أن مسوغات سياسية جوزت مثل تلك الإجراءات.
ويمكن أن يُلحظ في اسم «مجتبى»، إشارات تطهرية اصطفائية، حيث «الاجتباء» في لغة القرآن الكريم يعني الاصطفاء، وفي التسمية إحالات دينية مرتبطة بتراث يدور حول «الاصطفاء الإلهي» لسلالة بعينها، وهي فكرة محورية في الثيولوجيا الشيعية، بشكل عام.
كان مجتبى في فترة والده يعمل بصمت، ويوثق علاقاته مع السلطات الأمنية والعسكرية والدينية التي تمثل الدولة العميقة في إيران، فكان بمثابة الغائب عن المشهد الحاضر في الكواليس، وربما كانت هذه هي طريقته في التهيؤ لخلافة والده.
لكن المرشد الجديد لم يظهر للعلن منذ توليه قيادة إيران، ويبدو أنه يفضل الطريقة التي رسمتها إيران لوكلائها، مثل حسن نصر الله وعبد الملك الحوثي، في الاختباء وعدم الظهور المباشر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن ظروفه الصحية – كذلك – لا تمكنه من الظهور، ليكون مجتبى بذلك نائباً غائباً عن إمام غائب.
قد يبقى خامنئي الابن في الظل، ويأخذ بالنموذج الشيعي التقليدي في عدم الظهور المباشر للجماهير، كما هو شأن السيستاني، وغيره من المراجع، حيث «الغيبة» فكرة مركزية في الثيولوجيا الشيعية، تضفي على «الغائب» رمزية كثيفة، بفعل عدم حضوره بين الناس، بما يوحي بشيء من التميز، درج الفكر الشيعي على إضفائه على قياداته الدينية، وربما يظهرالمرشد الجديد للشعب، إذا مكنته الظروف الصحية والأمنية، من ذلك.
ولعل أبرز ما لدينا اليوم من أدبيات المرشد الجديد التي تسلط الضوء على شخصيته الغامضة – أو التي يراد لها أن تكون كذلك – بعد توليه مقاليد السلطات الدينية والسياسية والعسكرية في إيران هو الخطاب الأول للمرشد الذي أذيع مكتوباً في وقت سابق، والذي يشير إلى ملامح شخصية موغلة في غيبياتها وثيوقراطيتها، بشكل يجعل أكثر المتفائلين بانفتاح النظام الإيراني يشعرون بالتشاؤم.
وقد جاء الخطاب الأول للمرشد مفعماً بمحمولات غيبية مكثفة، تسلط الضوء على شخصية الرجل الذي تمت ترقيته إلى مرتبة «آية الله»، الرتبة التي فسر معها خامنئي الابن الآية القرآنية: «ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها»، فسر الآية بموت أبيه وخلافته لوالده من بعده، وهذا التفسير الذي لم يقل به أحد من المتقدمين أو المتأخرين يسلط بعض الضوء على شخصية الرجل الذي يتحدث بعض أتباعه عن أنه «الخراساني» الذي يسبق ظهوره ظهور المهدي الذي ينتظر الشيعة الإمامية عودته من غيبته الكبرى الطويلة.
وكون مجتبى «آية الله»/الابن التي نسخت «آية الله»/الأب، حسب خطاب الرجل فإن شخصيته – فيما يبدو – تميل نحو ما عرف في التراث الشيعي من تقديس للأشخاص، وهو الأمر الذي يحيل عليه وصف «آية الله» الذي يجعل مراجع الإمامية ضمن آيات الله، إذ يشير خطاب المرشد الجديد إلى انتمائه للخط الديني الموغل في تشدده، واتكائه على «الثيولوجيا المثيولوجية» التي تعمد إلى أسطرة الأشخاص وتقديسهم، كما نلحظ من مقدمة الخطاب الذي بدأه – متوجهاً إلى شخصية ميثيولوجية غائبة – بقوله:
«السلام عليك يا داعي الله وربّانيَّ آياته، السلام عليك يا باب الله وديّان دينه، السلام عليك يا خليفة الله وناصر حقّه، السلام عليك يا حجّة الله ودليل إرادته؛ السلام عليك أيها المقدَّم المأمول؛ السلام عليك بجوامع السلام؛ السلام عليك يا مولاي صاحب الزمان».
يبدو أن المرشد الإيراني الجديد الذي يعيش في «غيبة جسدية» يعيش أيضاً في «غيبوبة مثيولوجية» يصعب معها النظر للأمور بشيء من الواقعية السياسية التي تحتاجها إيران
وعلى الطريقة الشيعية في التعازي يقول مجتبى: «في مستهل كلمتي، أتقدّم إلى مولاي صاحب العصر والزمان بأحرّ التعازي بمناسبة الاستشهاد المفجع للقائد الجليل للثورة، الخامنئي العزيز الحكيم…»، حيث يخاطب مجتبى إماماً افتراضياً غائباً، وهو ما يشير إلى تمكن الثيوقراطية الدوغمائية من شخصيته، إذ يعزي في موت والده الذي قتل قبل شهرين شخصاً غائباً أو ميتاً، منذ عشرة قرون.
بعد ذلك يتوجه مجتبى لوالده الراحل، ليطلب منه استمرار الاهتمام بالشعب الإيراني، بعد وفاته، واستمرار الدعاء للإيرانيين، و»شعوب جبهة المقاومة»:
يقول: «نرجو، بما حظيتم به من مقام قرب في جوار الأنوار الطاهرة والصديقين والشهداء والأولياء، أن تواصلوا الاهتمام بتقدم هذا الشعب وسائر شعوب جبهة المقاومة وأن تدعوا لهم، كما كنتم تفعلون في حياتكم الدنيوية»، في اعتقاد بأن والده سيستمر – بعد اغتياله – في الاهتمام بالشعب الإيراني، و»شعوب جبهة المقاومة»، وهذا الاعتقاد بالإضافة إلى غرابته فإنه يشير إلى أن خامنئي الابن يسعى لأسطرة خامنئي الأب، تماشياً مع تراث شيعي متوارث، كما مر معنا.
ويتحدث مجتبى عن والده بقول
«وقد حظيت بشرف زيارة جثمانه بعد استشهاده…وسمعت أن قبضته السليمة كانت مشدودة»، وهنا لا نعرف هل رأى مجتبى جثمان والده، كما قال في بداية العبارة، أم أنه سمع عن حال الجثة، كما نص آخر الفقرة، أو أنه رأى الجثة، لكن لم يسعفه الوقت للوقوف على حالها بشكل دقيق.
وفي الخطاب يقول مجتبى إنه سمع باختياره مرشداً، وقائداً للثورة، خلفاً لوالده، سمع عن ذلك، مثل بقية المواطنين، من خلال وسائل الإعلام. وهنا يريد المرشد أن يرسل رسالة، مفادها أنه لم يتدخل في عملية الاختيار، وأن الاختيار كان حراً، وذلك لإدراكه أن الإيرانيين – أو بعضهم على الأقل – سيتساءلون عن مصداقية النظام الذي يقدم نفسه على أنه جمهوري، لا وراثي، وأنه البديل لنظام ملكي وراثي.
ويختتم المرشد الجديد خطابه بالعودة لتوجيه الحديث للإمام الغائب الذي يسأله الدعاء بالنصر للإيرانيين، ونيل المقامات الرفيعة للراحلين، حيث الاعتقاد الشيعي بأن المهدي غائب، لكنه حي، يرزق، رغم مرور أكثر من عشرة قرون، الأمر الذي يجعل المرشد الجديد نسخة أكثر دوغمائية من والده، مرشداً غائباً جسدياً وذهنياً، إذ يعيش في «غيبوبة مثيولوجية» يصعب معها النظر للأمور بشيء من الواقعية السياسية التي تحتاجها إيران.
٭ كاتب يمني