لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “ديلي تلغراف” تقرير أعده بول نوكي قال فيه إن إسرائيل تواجه “قنبلة موقوتة” من الأمراض النفسية الناجمة عن حرب غزة وما بعد هجمات حماس. وأشار فيه إلى التقارير التي أفادت بانتحار ثلاثة جنود إسرائيليين هذا الشهر، بينهم جندي وجنديتان، وبذلك يرتفع عدد المنتحرين منذ بداية العام إلى 17، وهو معدل أعلى من أي وقت مضى خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.
وقالت الصحيفة إن هذه الحوادث ليست سوى غيض من فيض أزمة الصحة النفسية التي تجتاح إسرائيل، بناء على بيانات جمعتها “كلاليت”، أكبر مزود للرعاية الصحية في إسرائيل.
ووجدت الدراسة أن اضطراب ما بعد الصدمة بين عامة الإسرائيليين ازداد بنسبة 70% في أعقاب هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر وما أعقبها من حرب.
ويبلغ معدل التشخيص الأساسي “ثلاثة إلى أربعة أضعاف” مستواه قبل وباء كورنا 2018، ولا يبدو أنه سيتباطأ، وفقا لبيانات “كلاليت”، التي تغطي حتى حزيران/يونيو من هذا العام. وتتطابق الأرقام الجديدة إلى حد كبير مع أرقام مقدمي الخدمات الصحية الثلاثة الآخرى في إسرائيل، وتشير إلى وجود حوالي 60,000 حالة من اضطراب ما بعد الصدمة في إسرائيل مرتبطة بالحرب، وهي حالات لم تكن لتتوقع لولا ذلك.
ويعد اضطراب ما بعد الصدمة حالة صحية نفسية محددة، وله معايير تشخيص صارمة وموحدة. وتشمل الأعراض أفكارا دخيلة وذكريات مؤلمة، وقلقا شديدا وخدرا عاطفيا لفترة طويلة.
بالنسبة للكثيرين، تعطل محفزات تبدو عادية، كالألوان والروائح والمذاقات والأصوات الشائعة، حياتهم اليومية باستمرار، بل وتشلها أحيانا. وأُطلق على هذه الحالة ما بعد الحرب العالمية الأولى اسم “صدمة القصف”.
ويقول البروفسور أمير كريفي، مدير مركز “كلاليت-جيها” للصحة النفسية، وهو مستشفى كبير يقع شرق تل أبيب، إن معدل الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة النفسية من المرجح أن يرتفع أكثر على المدى القريب على الأقل.
وقال كريفي لصحيفة “تلغراف” إن “المستوى مرتفع وسيظل كذلك، وعادة بعد أي حدث مجهد، يفترض أن يحدث تراجع تدريجي، مع بناء القدرة على الصمود وعمليات التعافي، إلا أنه و “بسبب استمرار حالة الحرب، وما يصاحبها من نوبات متكررة من التوتر الحاد كالحرب مع إيران، لا نرى ذلك”.
والأسوأ من ذلك يقول كريفي إن بيانات اضطراب ما بعد الصدمة النفسية في “كلاليت” تشير إلى انتشار أوسع بكثير لمشاكل الصحة النفسية في إسرائيل، وأضاف: “أستخدم بيانات اضطراب ما بعد الصدمة النفسية كمؤشر لأن لدينا هذه البيانات، لكن في الواقع، مستوى مشكلة الصحة النفسية أوسع بكثير”.
ويضيف كريفي أنه إلى جانب اضطراب ما بعد الصدمة النفسية، قد يكون هناك ضعف أو حتى ثلاثة أضعاف عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية في إسرائيل، وتظهر بيانات اضطراب ما بعد الصدمة هذا الاتجاه، ومن المرجح أن يكون الأمر نفسه بالنسبة لمشاكل الصحة العقلية الأخرى مثل الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل وحتى الذهان.
ولا تشمل بيانات “كلاليت”، كغيرها من بيانات مقدمي الرعاية الصحية الإسرائيليين، الأفراد العسكريين العاملين، حيث عالج هذه الحالات داخل الجيش، وتقيد البيانات المتعلقة بها. ومع ذلك، كشفت دراسة نشرت العام الماضي من قِبل المركز الوطني للإجهاد النفسي الناتج عن الصدمات النفسية والقدرة على التكيف في جامعة تل أبيب، والتي تتبعت أفرادا خدموا في أدوار قتالية على مدى ست سنوات، أن حوالي 12% ممن شهدوا القتال أبلغوا عن أعراض حادة لاضطراب ما بعد الصدمة، مما جعلهم غير لائقين للخدمة.
ولا يقلل كريفي وزملاءه الأطباء من شأن الصعوبات النفسية التي يعاني منها الفلسطينيون وغيرهم في غزة والضفة الغربية ولبنان ومناطق أخرى من الصراع الحالي. ووصف أحدهم معدل الإصابة المحتمل باضطراب ما بعد الصدمة وغيره من مشاكل الصحة النفسية في غزة بأنه “لا يتصور”.
وقد استعانت منظمة “كلاليت” بطلاب علم النفس وغيرهم من ذوي الخبرة الأساسية في هذا المجال لإدارة خطوط المساعدة النفسية وفرز المرضى وتقديم الاستشارات والعلاج الأساسي للمتضررين.
وقال البرفسور كريفي: “لا نملك عددا كافيا من الأطباء النفسيين وعلماء النفس المؤهلين، ولأن تدريب الأفراد يستغرق من 10 إلى 12 عاما، فقد اضطررنا إلى الابتكار”. وأضاف: “زودنا الأخصائيين الاجتماعيين والمعالجين بالفن، وغيرهم من ذوي المهن ذات الصلة، بالأدوات اللازمة لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة، نقدم لهم تدريبا معتمدا، وقد دربنا أكثر من ألف شخص بهذه الطريقة خلال العامين الماضيين”.