لندن- “القدس العربي”: قال المعلق في صحيفة “ذي أوبزيرفر” كنعان مالك إن قرار المغني إد شيران استبعاد الفنان الأمريكي ماكلمور من جولته الأمريكية “ذي لوب” كشف عن سياسة “إلغاء” واستبعاد الأصوات التي يراها اليمين متطرفة وغير مقبولة، وبخاصة عندما تنتقد إسرائيل.
وقال مالك إن الأمر يعطي صورة عن أن الذين يملكون المال والسلطة لديهم القدرة على ممارسة دور الشرطي على حرية التعبير، ولهذا يجب مقاومتهم بشدة.
الضجة التي أثيرت حول قول مغني الراب ماكلمور “فلسطين حرة” في ملعب ميتلايف بنيوجيرسي، كشفت أن القوة الاقتصادية أكثر فعالية بكثير في قمع حرية التعبير
وجاء في مقالته أن الضجة التي أثيرت حول قول مغني الراب ماكلمور “فلسطين حرة” في ملعب ميتلايف بنيوجيرسي، كشفت أن القوة الاقتصادية أكثر فعالية بكثير في قمع حرية التعبير من نشطاء ما يعرف بـ”الصحوة” (ووك).
وقال إن “ثقافة الإلغاء” بالنسبة للكثيرين في معسكر اليمين تعد “أمرا سيئا جدا، إلا إذا دعت الحاجة إلى إلغاء آراء يعتبرونها غير لائقة للنشر. وخير مثال على ذلك مغني الراب الأمريكي ماكلمور.
وأشار مالك إلى أن مغني الراب معروف بأغانيه السياسية، ففي عام 2012، احتفت أغنيته الشهيرة “سيم لاف” (حب مثلي) بزواج المثليين، وانتقدت الرهاب من المثلية في موسيقى الهيب هوب.
وقبل عامين، أصدر أغنية “هند هول” (قاعة هند) دعما لطلاب جامعة كولومبيا الذين نظموا احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين، وأعادوا تسمية القاعة التي احتلوها باسم هند رجب تكريما للطفلة ذات الخمس سنوات التي قتلت على يد القوات الإسرائيلية في ظروف مروعة.
وقدم ماكلمور، الذي كان يحيي حفلا افتتاحيا لشيران في ملعب ميتلايف، أغنية “قاعة هند” بخطاب استمر دقيقتين، مطالبا بـ”فلسطين حرة”، وقوبل خطابه بالتصفيق في الملعب، لكنه أثار غضبا عارما خارجه.
وقاد روبرت كرافت، مالك ملعب جيليت قرب بوسطن، حيث كان من المقرر أن يحيي كل من شيران وماكلمور حفلا، صديق مقرب من بنيامين نتنياهو، حملة لحث الجهات المنظمة على إلغاء حفل مغني الراب.
ونظم المجلس الإسرائيلي الأمريكي عريضة تؤكد على أن “لماكلمور الحق في التعبير عن آرائه السياسية”، لكن “يجب وضع حد عندما يستغل فنان منصة حفلات عالمية للترويج لأجندة سياسية أحادية الجانب”.
ففكرة أن لماكلمور الحق في التعبير عن آرائه لجمهور صغير دون جمهور كبير، وفقط إذا وضح جميع جوانب النقاش بدقة، هي، بصراحة، فكرة سخيفة، كما يقول مالك. فحق حرية التعبير لا يعتمد على حجم الجمهور ولا على دقة وجهة نظر الشخص.
وزعم الرئيس التنفيذي للمجلس الإسرائيلي الأمريكي إيلان كار، في مقابلة مع برنامج “تودي” على إذاعة بي بي سي 4، أن عبارة “فلسطين حرة” هي دعوة “لإبادة دولة إسرائيل والشعب اليهودي”.
ما يسعى إليه كار، شأنه شأن العديد من مؤيدي إسرائيل، هو نزع الشرعية عن أي دعوة لحرية الفلسطينيين أو قيام دولة فلسطينية أو حتى لمنح الفلسطينيين حقوقا كاملة
ويعلق مالك قائلا إن معادي السامية موجودون، بلا شك، في الحركة المؤيدة للفلسطينيين، وبعضهم يرغب في إبادة اليهود. لكن ما يسعى إليه كار، شأنه شأن العديد من مؤيدي إسرائيل، هو نزع الشرعية عن أي دعوة لحرية الفلسطينيين أو قيام دولة فلسطينية أو حتى لمنح الفلسطينيين حقوقا كاملة في دولة إسرائيلية ينص قانونها الأساسي على أن “حق تقرير المصير” يقتصر على اليهود.
كما زعم كار أن ماكلمور “استولى” على المسرح، مع أن ماكلمور وشيران صديقان، وقد تعاونا في أغنية “غروينغ أب” (نشأنا معا)، وهي أغنية تتحدث عن ابنة مغني الراب حديثة الولادة. وكانت آراء ماكلمور وأسلوبه الفني معروفة جيدا لشيران ومنظمي الحفلات. ولم يكن متعاقدا معه لغناء أغنية “ماي فيفرت ثينكس” (الأشياء التي أفضلها).
ويرى آخرون أن المشكلة لا تكمن فيما قاله ماكلمور على المسرح، بل في معاداة السامية السابقة لديه. ويشيرون في الغالب إلى عرض قدمه عام 2014، حيث ارتدى شعرا مستعارا أسود ولحية وأنفا ضخما معقوفا مزيفا، وهو ما تشير إليه الصورة النمطية المعادية للسامية لليهودي. وقد قبلت رابطة مكافحة التشهير اعتذاره اللاحق وادعاءه بأن الزي لم يكن معاديا للسامية عن قصد.
وأشار كثيرون إلى أن زي ماكلمور لم يكن مقبولا أكثر من ارتدائه زيا يظهر وجهه أسود، وهذا صحيح. ومع ذلك، فقد ارتدى مشاهير مثل ديفيد باديل وجيمي فالون زيا يظهر وجوههم سوداء ولم يتعرضوا للمقاطعة.
ويعلق مالك أنه لا ينبغي لنا تجاهل زي ماكلمور البشع المعادي للسامية، أو ما قد يكشفه عن آرائه، ولكن لا ينبغي لنا أيضا استخدامه كسبب للمقاطعة، وبخاصة بعد مرور عقد من الزمن.
وأشار الكاتب إلى نفاق أصحاب الملاعب، حيث إن صاحبي ملعبين على الأقل منع منهما ماكلمور من إقامة حفلاته، ملعب “إي تي أند تي” في أرلينغتون، تكساس، وملعب ريموند جيمس في تامبا، فلوريدا، أبديا استعدادهما لاستضافة يي، الفنان المعروف سابقا باسم كانييه ويست، الذي أصدر العام الماضي أغنية بعنوان “هايل هتلر”، وروج لها بقمصان سعرها 20 دولارا تحمل الصليب المعقوف الأسود.
ويبدو أن الاعتراض على ماكلمور لا يتعلق بمعاداة السامية بقدر ما يتعلق بانتقاده لإسرائيل. ويشير النقاد أيضا إلى أن مالكي الملاعب، مثل ناشري الكتب، يملكون الحق القانوني في منع الأشخاص الذين لا يرغبون في منحهم منصة، وقلما ينكر أحد ذلك، لكن المشكلة تكمن في أن هذا المنع أصبح اليوم وسيلة رئيسية لضبط حرية التعبير، كما تكشف قضية ماكلمور.
يبدو أن الاعتراض على ماكلمور لا يتعلق بمعاداة السامية بقدر ما يتعلق بانتقاده لإسرائيل
وقد سخر ستيفن ديزلي، كاتب عمود في مجلة “سبكتاتور”، من اليسار لكونه “متحدثا فجأة وبشكل غير معتاد عن حرية التعبير” في أعقاب منع ماكلمور من إقامة حفلاته. في المقابل، التزم كثيرون من اليمين صمتا غير معتاد حيال هذا الأمر (وللإنصاف فقد عارض ديزلي نفسه طرد ماكلمور).
ولم يستطع “اتحاد حرية التعبير”، المعروف بدفاعه الشديد عن حرية التعبير، أن يعارض إلغاء حفل ماكلمور، بل اكتفى بالتساؤل المتردد: إلى أي مدى يحق لأصحاب الحفلات أو منظميها “فرض ما يمكن للفنان قوله على المسرح؟”. ومع ذلك، فقد أبدى “قلقه” إزاء “إلغاء” حفل شيران لعدم تبنيه “الآراء ‘الصحيحة’ بقوة كافية”.
وفي حينه، دافع جاد سعد (من أصول يهودية سورية ولبنانية)، الأكاديمي الكندي المعروف في أوساط اليمين الرجعي بعدائه اللاذع للمهاجرين والمسلمين، والذي صاغ مصطلح “التعاطف الانتحاري”، عن حق يي في “أن يكون أحمقا”، لكنه بدا وكأنه يؤيد إلغاء حفل ماكلمور، بل إن البعض وصف أداء ماكلمور بأنه “مسيرة نورمبرغ جديدة”.
ويعلق مالك أن ثقافة الإلغاء اليمينية ليست بجديدة، فقبل عقدين من الزمن، واجهت فرقة موسيقى الريف “ديكسي تشيكس” ردود فعل غاضبة لمعارضتها حرب العراق، وقولها أمام الجمهور: “نشعر بالخجل لأن رئيس الولايات المتحدة من تكساس”، وحظرت آلاف المحطات الإذاعية بث أغانيهم، وتم إيقاف منسقي الأغاني عن العمل بسبب تشغيلها. وبالنسبة للمحافظين، لم يكن هذا رقابة، بل وطنية. لطالما كانت مراقبة حرية التعبير مصحوبة بأعذار واهية.
وعادة ما ينظر إلى ثقافة الإلغاء على أنها نتاج نشطاء “الصحوة” يمارسون نفوذهم في الصناعات الثقافية. لكن ما تكشفه قضية ماكلمور هو أن أصحاب النفوذ الاقتصادي أكثر قدرة على مراقبة حرية التعبير، ويجب مقاومتهم بشدة.