عاموس هرئيل
الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تخلف تداعيات على الشرق الأوسط كله، وتؤثر في صراعات أخرى، البارز منها الصراع بين الحوثيين والسعودية في اليمن. إن الأوهام التي يروجها ترامب، بشأن سرعة استسلام طهران، لن تتحقق في الوقت الحالي. فالحرب تتعقد على عدة جبهات، وقد يكون لها تداعيات على وضع إسرائيل.
قبل شهر ونصف، في 1 آب الماضي، تخلى ترامب عن فكرة العودة إلى مواجهة عسكرية شاملة مع إيران. وحتى ذلك الحين، كان متردداً بين خيارين: إما استئناف الحرب بمساعدة إسرائيل، أو الخضوع لمواقف إيران والسعي إلى إنهاء سريع. لكن ترامب في 1 آب اختار خياراً ثالثاً، وهو الضغط الاقتصادي من خلال إغلاق الممرات المائية جنوب مضيق هرمز، وفرض عقوبات على نظام البنوك العالمي وشركات الطاقة. في الأسابيع الأخيرة، حققت الولايات المتحدة نجاحاً في تجاوز الحصار الإيراني وفتح ممر بحري لناقلات النفط والسفن القادمة من الخليج قرب شواطئ سلطنة عمان.
لكن القصة لم تنته بعد؛ فقد أعلنت إيران بالفعل تبني عقيدة جديدة في المنطقة، وهي نهج هجومي استباقي، ورد غير متناسب على الهجمات. وتتكامل هذه العقيدة مع التوسع في استخدام الوكلاء والمبعوثين والشركاء في المنطقة. المواجهة بين السعودية والحوثيين غير جديدة، لكنها جزء لا يجزأ من خطط إيران. دائماً، خشي الحوثيون من غزو بري سعودي لأراضيهم، دعماً للحكومة الرسمية في اليمن. وفي الأسبوع الماضي، سيطر الحوثيون على جزر ومناطق على الساحل تمكنهم من إغلاق باب المندب بشكل أكثر نجاعة. والهدف مضايقة الملاحة السعودية وإمداداتها النفطة. ولكنها بذلك تعيد امتلاكها لمفتاح يعتمد عليه جزء كبير من حركة الملاحة الدولية.
سجلت هجمات بطائرات مسيرة على أنبوب نفط رئيسي يمر في أراضي السعودية من الشرق إلى الغرب، وكان من المفروض أن يكون هذا الأنبوب قاعدة لتوسيع تصدير النفط السعودي إلى الغرب، دون المرور في مضيق هرمز
في الوقت نفسه، سجلت هجمات بطائرات مسيرة على أنبوب نفط رئيسي يمر في أراضي السعودية من الشرق إلى الغرب، وكان من المفروض أن يكون هذا الأنبوب قاعدة لتوسيع تصدير النفط السعودي إلى الغرب، دون المرور في مضيق هرمز. وتشير بعض التقارير إلى أن الهجمات نفذتها مليشيات شيعية في العراق تدعمها إيران.
يدفع شركاء أمريكا في المنطقة ثمناً باهظاً تفرضه إيران وحلفاؤها. وقد يتطور هذا الوضع إلى صراع طويل ومكلف ومرهق. ويعتبر نظام طهران أن إيران تتمتع بميزة واضحة على الأمريكيين من حيث القدرة على الاستيعاب والصبر. تجدر الإشارة أيضاً إلى أن التحالف الجديد بموجب “اتفاق مكة” بين السعودية وتركيا وباكستان، لم يترجم حتى الآن إلى وقوف القوتين الإسلاميتين إلى جانب الشريكة التي تواجه صعوبات.
“متسادا” الشيعية
أما شريكة أمريكا في المنطقة، إسرائيل، فهي تراقب الوضع من بعيد للحملة الحالية في الخليج. وقد ضغط نتنياهو على ترامب من أجل العودة إلى حرب شاملة وإشراك الجيش الإسرائيلي فيها، لكنه طلب رفض حتى الآن. وهذا لا يعني أن نتنياهو تنازل كلياً عن أمله؛ فالاستفزازات المتكررة التي يقوم بها نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس تجاه إيران، هذه المرة على خلفية القتال في لبنان، يبدو كأنها تهدف إلى جر إيران إلى الحرب.
في الأسبوع الماضي، سجل الجيش الإسرائيلي إنجازاً بارزاً في القتال جنوبي لبنان. فبعد جهود مخطط لها استمرت أشهراً، تمكنت قوات الفرقة 36 ولواء الكوماندو من السيطرة على مجمع الأنفاق والمقرات التي بناها حزب الله لسنوات طويلة في مرتفعات علي الطاهر في القطاع الأوسط. كانت هذه المنطقة مركز قيادة “قوة بدر”، التي يتركز منها جزء كبير من العمليات العسكرية ضد إسرائيل. في الأشهر الأخيرة، قتل العشرات من أعضاء التنظيم الذين تحصنوا هناك. ويبدو أن عشرات آخرين تمكنوا من الهرب.
يمثل الاستيلاء على المرتفعات وتدمير الأنفاق ضربة معنوية لحزب الله، الذي حاول تصوير علي الطاهر كهدف حصين. من الواضح أن المجتمع الشيعي في جنوب لبنان يشعر بالحرج والقلق، لأن هذه المرتفعات كانت تحمي منطقة النبطية القريبة، التي كانت تعتبر محمية نسبياً. وقد يؤدي ذلك إلى نزوح جماعي آخر للسكان إلى منطقة بيروت والبقاع، خشية من غزو إسرائيل للمنطقة. ولكن حسب مسؤولين كبار في الجيش الإسرائيلي، بدا النهج الآن مختلفاً؛ فبعد استكمال المهمة فوق المرتفعات، ينوي الجيش الإسرائيلي سحب قواته قليلاً واتخاذ مواقع أسهل للدفاع عنها.
إن رغبة الجيش في الاحتفال بهذا الإنجاز مفهومة تماماً. ولكن ما يبدو أنه غير ضروري هو محاولة نتنياهو وكاتس تصوير معركة السيطرة على المجمعات التي تم احتلالها، وكأنها كانت حرباً على “متسادا الشيعية”، والتبجح بالهزيمة التي مني بها حزب الله والتهديد بعملية ضد إيران. إن الإنجاز هنا أقل استراتيجية مما يحاول نتنياهو وكاتس تسويقه للرأي العام في إسرائيل. من الواضح أن اليد العليا للجيش الإسرائيلي في مواجهة عسكرية مباشرة، لا سيما بعد الضربات التي وجهها لحزب الله في الجولة السابقة في خريف 2024. ولكن يفضل عدم الاستخفاف بقدرة الحزب على إلحاق الضرر. لم يستسلم قادته الجدد، وتشكل مسيراته المتفجرة التي تعمل بالألياف الضوئية تحدياً للجيش الإسرائيلي، الذي لم يجد حتى الآن رداً مناسباً له.
هآرتس 14/9/2026