هل يعي ترامب حجم التغير في خريطة المنطقة؟


تسفي برئيل

تشير المكالمات الهاتفية بين بن سلمان وترامب، الخميس، إلى تحول استراتيجي يشاهده الشرق الأوسط. ووفقاً لتقرير نشرته “أكسيوس”، طلب بن سلمان مساعدة ترامب بعد سيطرة الحوثيين على ميناء المخا قرب الحديدة، ولكن طلبه رفض. وافق ترامب على تقديم المساعدة الاستخبارية، وهي مساعدة قدمت في السابق، لكنه أوضح بأنه لن يحدث تدخل عسكري مباشر. يرى ترامب أن هذه الجبهة – حيث يهدد الحوثيون حوالي 12 في المئة من التجارة العالمية – مشكلة محلية وليست أمريكية، خلافاً للحرب في إيران التي أصبحت معركة حاسمة في انتخابات نصف الولاية في الكونغرس الأمريكي. فمضيق باب المندب يقع ضمن مسؤولية “السكان المحليين”.

هذه ليست المرة الأولى التي تدرك فيها السعودية أن تحالفها التاريخي مع أمريكا محاصر بمنظومة مصالح متضاربة. فقد برز ذلك في 2019 بعد أن هاجم الحوثيون منشآت النفط السعودية ثلاث مرات، فأدى ذلك إلى أضرار كبيرة، وتكرر الأمر نفسه عندما هوجمت السعودية في الحرب الأخيرة، وهو ما يحدث الآن، بعد توقف تدفق النفط السعودي في هذا الممر التجاري الحيوي في نهاية الأسبوع الماضي.

ويكمل تمييز ترامب بين جبهة الخليج العربي والبحر الأحمر مناورة الكماشة التي تتبناها إيران، والتي تسعى من خلالها إلى السيطرة على طرق التجارة العالمية وإنشاء منظومة أدوات متشابكة. في هذا النظام، يؤكد الحوثيون أنهم ليسوا امتداداً لإيران، بل شركاء كاملون في بناء إطار لسيطرة إقليمية لا تعرف الشبع.

يكمل تمييز ترامب بين جبهة الخليج العربي والبحر الأحمر مناورة الكماشة التي تتبناها إيران، والتي تسعى من خلالها إلى السيطرة على طرق التجارة العالمية وإنشاء منظومة أدوات متشابكة.

في السنوات الأخيرة، لا سيما منذ بداية الحرب مع إيران، بادرت السعودية وقادت تحركات متعددة الجوانب لبناء قوة عسكرية تستطيع استبدال اعتمادها المطلق على الولايات المتحدة. ففي 2021 أنهت مقاطعة قطر وحصارها، واستأنفت العلاقات الدبلوماسية مع إيران، واتخذت تركيا شريكة تجارية وعسكرية. وفي أيلول الماضي، وقعت على اتفاق دفاع مع باكستان، الذي تحول إلى تحالف ثلاثي بانضمام تركيا. وفي الوقت نفسه، حافظت السعودية على وقف اتفاق إطلاق النار الذي وقعت عليه مع الحوثيين في 2022، ومولت رواتب المسؤولين الحكوميين اليمنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسمحت بمرور البضائع والنفط إلى موانئ الحوثيين، بل وطردت قوات دولة الإمارات من أراضي اليمن.

لم تكن هذه الترتيبات تهدف إلى استبدال الولايات المتحدة كحليف عسكري وسياسي، بل جعلها غير ضرورية. إضافة إلى ذلك، كان هدف هذه التحالفات منح الدول التي وقعت عليها القدرة على التأثير على السياسية الأمريكية، لا سيما وقف توسيع الحرب مع إيران. وقد روج وزير خارجية تركيا، هاكان فيدان، لهذه الفكرة الاستراتيجية، حيث تحدث في هذا العام عن ضرورة إنشاء إطار أمني مستقل للدول الأوروبية ودول الشرق الأوسط، وقد أنشئ التحالف الدفاعي الإقليمي باحتفالات كبيرة، لكنه لم ينجح بعد في بناء قوة عسكرية مشتركة قادرة على مواجهات التحديات التي تواجهه، ويمثل الحوثيون الآن أول اختبار لهذا التحالف، وتشير المكالمات الهاتفية التي أجراها بن سلمان مع ترامب إلى أن التخلي عن الولايات المتحدة ليس خياراً واقعياً.

في ظل تحالف الدفاع الذي ما زال عاجزا عن حماية السعودية، وإدارة أمريكية مترددة في خوض مغامرة أخرى، يواجه بن سلمان معضلة صعبة: هل يجب عليه العودة إلى حرب شاملة ضد الحوثيين، التي حاول الهرب منها بعد فشل الحرب السابقة ضدهم والتي استمرت سبع سنوات؟ بل والأكثر، هل يستطيع نظام التحالفات الذي بذل جهداً كبيراً في بنائه حول السعودية، حمايتها وحماية المنطقة؟

بالمقارنة مع حرب بن سلمان السابقة ضد الحوثيين، تكافح السعودية في هذه المرة على جبهتين تعتبران جبهة واحدة. فبعد أن جعلت إيران مهاجمة جيرانها جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية بقائها وأداة ضغط في مواجهة أمريكا، فإن أي هجوم سعودي ضد الحوثيين سيثير عليها هجوماً إيرانياً على نطاق يصعب احتواؤه. وحتى في هذه الحالة، لا يمكن ضمان الدعم الأمريكي. في الواقع، وجدت السعودية نفسها في موقف قد تجرها فيه الحرب ضد الحوثيين إلى حرب ضد إيران.

وتستند حركة الكماشة الإيرانية – الحوثية التي يبدو أنها منسقة، إلى مصالح ليس بالضرورة متطابقة، وربما هذا هو الحل الذي قد تقدمه الرياض. تستخدم إيران الضغوط على الولايات المتحدة عبر مضيق هرمز وعبر هجماتها على جيرانها، بهدف الحصول على اعتراف بسيطرتها على المضيق ورفع العقوبات المفروضة عليها، وإنشاء آلية تعويض عن أضرارها، والقضاء على التهديد العسكري الأمريكي. ولكن للحوثيين أجندتهم الخاصة؛ فهم يسعون إلى الاعتراف بسيطرتهم على المناطق اليمنية التي سيطروا عليها، ورفع الحصار السعودي عن مجالهم الجوي، والحصول على مساعدات مالية سخية وأن يكونوا شركاء رئيسيين في إدارة البلاد.

لذلك، حتى لو تم فتح مضيق هرمز وجلست الولايات المتحدة وإيران على طاولة المفاوضات، فهذا لا ينهي بالضرورة الحرب في اليمن. والوضع في اليمن مختلف؛ ففي حين تستطيع الولايات المتحدة وحدها تحقيق طموحات إيران، فإن طلبات الحوثيين، على الأقل حتى الآن، موجهة للسعودية.

وبتخلي ترامب عن السعودية، فقد نقل إليها المسؤولية عن حل مشكلة الحوثيين، والآن قد يكون الخيار الدبلوماسي والاقتصادي، بدلاً من العسكري، هو المسار الذي تفضله السعودية، لكن الثمن غير زهيد؛ فهو لا يعني فقط توسيع نطاق المساعدات الاقتصادية، بل أيضاً فتح المجال الجوي الذي سيؤدي إلى هبوط الطائرات الإيرانية، والاعتراف بنظام الحوثيين، وإجبار حكومة اليمن المعترف بها على تقديم تنازلات سياسية. والأسوأ أنه عند سيطرة الحوثيين على جزيرة بريم وميناء المخا وحركة الملاحة في البحر الأحمر، فلا يتوقع أن يوافقوا على الانسحاب من هذه المناطق الاستراتيجية. وربما يطالب الحوثيون، مثلما فعلت إيران في مضيق هرمز، بالاعتراف بسيطرتهم على هذه المناطق، بل وحتى فرض ترتيبات ملاحة تشمل دفع رسوم على العبور.

من جهة أخرى، المفاوضات مع الحوثيين قد تغير مسار الحرب. فبدلاً من حرب واحدة على جبهتين، قد تتمكن السعودية من فصلهما، وعلى الأقل ضمان تدفق نفطها عبر البحر الأحمر ما دام مضيق هرمز يتعرض للهجوم.

سيتعين على السعودية في القريب تقرير كيفية إدارة “استقلالية القرار” التي أعطاها إياها ترامب، وتحديد إذا كان ثمن التنازلات التي ستوافق على تقديمها أقل من ثمن حرب لن تحقق بالضرورة أي مكاسب كبيرة. قد يجد ترامب أن إدارة ظهره للسعودية ستسرع ما تعمل عليه الرياض منذ سنوات، وهو بناء إطار أمني إقليمي مستقل، تعتبر فيه الولايات المتحدة غير ضرورية.

بكلمات أخرى، كلما ابتعد ترامب عن جبهة اليمن تعززت في نظر بن سلمان النتيجة التي يسعى إليها بالفعل، وهي وجوب إيجاد حلول دون مساعدة أمريكا، وهو ما سيؤدي إلى شرخ عميق في مكانة الولايات المتحدة كضامنة أمنية يقوم عليها النظام الإقليمي كله. إضافة إلى ذلك، إذا قررت السعودية تبني المسار الدبلوماسي المستقل مع الحوثيين فقد تصبح نموذجاً لإجراء مفاوضات إقليمية مع إيران، التي ستملي سياستها على الولايات المتحدة.

 هآرتس 14/9/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *