طرابلس – «القدس العربي»: أعادت حادثة فقدان الاتصال بعدد من نشطاء «قافلة الصمود البرية العالمية» قرب مدينة سرت، ثم الإعلان عن احتجاز ناشطين إيطاليين ونقلهم إلى بنغازي، تسليط الضوء مجدداً على تعقيدات المشهد الليبي والانقسام القائم بين شرق البلاد وغربها، خاصة مع تكرار تعثر القوافل الإنسانية المتجهة نحو قطاع غزة عبر الأراضي الليبية، وسط تضارب المواقف السياسية والأمنية بشأن السماح بعبورها، وغياب موقف رسمي موحد ينظم تحرك الوفود الأجنبية داخل البلاد.
وأعلنت مبادرة «قافلة الصمود البرية العالمية» فقدان الاتصال بمجموعة من المشاركين أثناء مرور القافلة قرب سرت، موضحة أن المجموعة تضم ناشطين من جنسيات متعددة بينها إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وتونس والولايات المتحدة وكندا والأرجنتين وبولندا ودول أخرى، بعدما توجه عدد منهم للتفاوض عند نقطة تفتيش في المنطقة الواقعة تحت سيطرة قوات القيادة العامة شرق ليبيا.
وفي وقت لاحق، أفادت وسائل إعلام إيطالية، بينها وكالة «أنسامد» ووكالة «نوفا»، بأن اثنين من الناشطين الإيطاليين جرى نقلهما إلى مدينة بنغازي، ويجري التعامل معهما باعتبارهما «مهاجرين غير شرعيين»، وهما دومينيكو شينتروني ودينا ألبريزيا، فيما أكدت وزارة الخارجية الإيطالية متابعتها للقضية عبر وحدة إدارة الأزمات التابعة لها.
وقال وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاياني، إن الناشطين من المتوقع أن يمثلا أمام قاض ليبي، معرباً عن أمله في أن يتم ترحيلهما سريعاً وعودتهما إلى إيطاليا، مشيراً إلى أن بلاده تواصل اتصالاتها مع الأطراف الليبية لمتابعة القضية، في وقت لم تصدر فيه أي توضيحات رسمية من سلطات شرق ليبيا بشأن أسباب الاحتجاز أو الوضع القانوني للمجموعة التي فقد الاتصال بها.
وتأتي هذه التطورات بعد أسابيع من التحذيرات التي أطلقتها القافلة بشأن تعثر المفاوضات مع السلطات المسيطرة على شرق ليبيا لتأمين عبور آمن باتجاه الحدود المصرية، ضمن محاولة جديدة لإيصال مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة عبر الطريق البري.
وتتكون «قافلة الصمود البرية العالمية» من عشر شاحنات مساعدات وسبع سيارات إسعاف وأكثر من مئتي مشارك من نشطاء ومتخصصين في الطب والهندسة والخدمات اللوجستية والقانون الإنساني، وكانت قد انطلقت من موريتانيا مروراً بعدة دول مغاربية قبل دخول ليبيا، في محاولة لتكرار تجربة القوافل التضامنية التي انطلقت خلال الأشهر الماضية دعماً للفلسطينيين في قطاع غزة.
لكن الطريق نحو الشرق الليبي ظل يمثل العقدة الأساسية أمام القافلة، نظراً لأن مدينة سرت تشكل خط الفصل الرئيسي بين مناطق سيطرة حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس ومناطق نفوذ قوات حفتر في شرق البلاد، ما يجعل أي تحرك بري نحو الحدود المصرية مرتبطاً بالحصول على موافقات أمنية وسياسية معقدة.
وكانت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب في بنغازي قد أصدرت قبل نحو أسبوع بياناً استباقياً أكدت فيه أنها «لن تتمكن من السماح بمرور أي أشخاص غير مستوفين للضوابط والإجراءات»، مع إعلان استعدادها لاستلام المساعدات الإنسانية وإيصالها إلى وجهتها عبر المؤسسات الليبية المختصة.
ورغم إشادة الوزارة بما وصفته بـ»الجهد الإنساني الداعم للشعب الفلسطيني»، فإنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة احترام الإجراءات السيادية المصرية المنظمة لعبور الأجانب عبر المنافذ البرية، مؤكدة أن الدخول إلى مصر عبر الحدود يقتصر على حاملي الجنسية الليبية، بينما يتوجب على بقية المشاركين الحصول على التأشيرات اللازمة واستخدام المنافذ الجوية.
ويعكس هذا الموقف حساسية الملف بالنسبة للسلطات في شرق ليبيا، التي تحاول الموازنة بين إظهار الدعم السياسي للقضية الفلسطينية وبين تجنب أي احتكاك مباشر مع القاهرة أو السماح بتحركات جماعية غير منسقة عبر مناطقها الأمنية، خاصة في ظل وجود وفود أجنبية كبيرة داخل القافلة.
كما أعادت الحادثة إلى الأذهان ما جرى العام الماضي مع «قافلة الصمود» السابقة، التي وصلت بالفعل إلى البوابة الغربية لمدينة سرت قبل أن يتم منعها من مواصلة التقدم نحو الشرق، بحجة عدم امتلاك بعض المشاركين تأشيرات دخول قانونية إلى ليبيا، إضافة إلى اعتبارات أمنية مرتبطة بتحركات الوفود الأجنبية داخل البلاد.
وخلال تلك الأزمة، أقام المشاركون مخيمات مؤقتة قرب سرت لعدة أيام وسط إجراءات أمنية مشددة، قبل أن تتعرض بعض قيادات القافلة للاعتقال المؤقت، ما دفع المشاركين لاحقاً إلى الانسحاب نحو مناطق غرب ليبيا وإنهاء محاولة الوصول إلى الحدود المصرية.
ويقول متابعون إن تكرار المشهد يكشف استمرار حالة الانقسام السياسي والأمني في ليبيا، وغياب آلية موحدة للتعامل مع القوافل والمنظمات الدولية، في ظل وجود سلطتين متنافستين ومؤسسات أمنية متعددة تفرض إجراءات مختلفة على التحركات الأجنبية داخل البلاد.
كما تثير هذه الحوادث مخاوف متزايدة لدى المنظمات الحقوقية والبعثات الأجنبية بشأن سلامة النشطاء الدوليين والعاملين في المجال الإنساني داخل ليبيا، خاصة مع استمرار هشاشة الوضع الأمني وغياب التنسيق الكامل بين الأجهزة المسيطرة على الأرض.
وفي المقابل، ترى أطراف مقربة من سلطات شرق ليبيا أن التعامل مع القافلة يجري وفق اعتبارات قانونية وسيادية، وأن أي وفود أجنبية أو قوافل عابرة للأراضي الليبية يجب أن تخضع للإجراءات المنظمة للدخول والتنقل، خصوصاً في المناطق العسكرية والأمنية الحساسة.
ومع استمرار الغموض حول مصير بقية النشطاء الذين فقد الاتصال بهم قرب سرت، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الأزمة ستنتهي بترحيل المشاركين الأجانب أو السماح للقافلة بالعودة نحو غرب ليبيا، أم إن القضية ستتحول إلى أزمة دبلوماسية أوسع مع الدول التي يحمل الناشطون جنسياتها.
وفي ظل التصعيد الإسرائيلي المستمر في قطاع غزة، باتت القوافل البرية والبحرية المتجهة نحو القطاع تتحول تدريجياً إلى ساحة اشتباك سياسي وأمني تتداخل فيها الحسابات الإنسانية بالقوانين الحدودية والتوازنات الإقليمية، بينما تجد ليبيا نفسها مرة أخرى في قلب هذا المشهد المعقد، بحكم موقعها الجغرافي وانقسامها السياسي المستمر حتى الآن.