احتجاجات المحامين تتصاعد بسبب مشروع قانون وتصريحات وزير العدل


الرباط ـ «القدس العربي»: دخلت هيئات المحامين المغربية في توقف إنذاري شامل عن تقديم الخدمات المهنية ابتداء من الإثنين وإلى غاية الأحد المقبل، في خطوة احتجاجية جديدة تعكس حجم التوتر القائم بين الجسم المهني ووزارة العدل على خلفية مشروع القانون رقم 066.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، إلى جانب تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، التي أثارت موجة واسعة من ردود الفعل داخل الأوساط المهنية.
ويأتي هذا التصعيد في أعقاب الجدل الذي أثارته تصريحات وهبي في مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان المغربي) بشأن تدبير أموال «المساعدة القضائية»، حيث كشف الوزير عن استفادة عدد من المحامين من مبالغ مالية مهمة في إطار هذا النظام، معبّرًا عن استعداده للكشف عن أسماء المستفيدين وقيمة التعويضات التي حصلوا عليها متى طُلب منه ذلك، ومؤكّدًا أن المعطيات التي قدّمها تستند إلى وثائق وأرقام رسمية متوفرة لدى وزارة العدل.
وفي هذا السياق، دعا وزير العدل «المجلس الأعلى للحسابات» (مؤسسة رسمية للرقابة المالية) إلى التدخل من أجل افتحاص هذا الملف، مشيرًا إلى وجود حالات تطرح، بحسب تعبيره، علامات استفهام بشأن حجم المبالغ المصروفة.
وكشف أن محاميا في هيئة مدينة وجدة (شرق البلاد) استفاد منذ سنة 2016 من أكثر من مليون درهم مغربي (حوالي مئة ألف دولار أمريكي)، فيما تجاوزت استفادة محام في هيئة مدينة أغادير 723 ألف درهم (77 ألف دولار)، مقابل حوالي 510 آلاف درهم (55 ألف دولار) لمحام في هيئة العيون (جنوب البلاد)، و264 ألف درهم (28 ألف دولار) لمحام في هيئة الدار البيضاء، و45 ألف درهم (4800 دولار) لمحام في هيئة مراكش.
غير أن هذه التصريحات قوبلت برد فعل قوي من قبل جمعية هيئات المحامين بالمغرب، التي اعتبرت أن ما صدر عن وزير العدل يتجاوز حدود النقاش المؤسسي الرصين، ويمثل مساسا بصورة المهنة ومؤسساتها. وأكدت الجمعية أن «التعاضدية العامة لهيئات المحامين» (مؤسسة تأمينات وخدمات اجتماعية قطاعية) والمؤسسات التابعة للهيئات تشتغل وفق القوانين المنظمة وتخضع للمراقبة والتقييم، مشيرة إلى أن مختلف تقارير الرقابة تؤكد جودة تدبيرها ومستوى الحوْكَمة المعتمد فيها.
وفي إطار الرد على هذه التطورات، قررت الجمعية مراسلة رئيس الحكومة عزيز أخنوش بشأن تصريحات وزير العدل، كما كلّفت رئاسة الجمعية وتعاضدية هيئات المحامين بالتواصل مع الرأي العام لتوضيح موقفها والرد على ما تعتبره ادعاءات مغلوطة. كما أعلنت عن التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية لمدة أسبوع، مع التلويح بخطوات احتجاجية وتصعيدية إضافية خلال المرحلة المقبلة.
ولا ينفصل هذا التوتر عن الجدل الأوسع الذي يرافق مناقشة مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، المعروض حاليا على مجلس المستشارين. فقد سبق لجمعية هيئات المحامين أن أعلنت رفضها لأي مقتضيات تعتبرها مناقضة لأعراف المهنة وتقاليدها ومبادئها، مؤكدة استعدادها لخوض برنامج نضالي غير مسبوق إلى حين تحقيق مطالبها.
وترى الجمعية أن النقاش الدائر حول المشروع تجاوز الجوانب التقنية والتنظيمية المرتبطة بالمهنة، ليطال مكانة المحاماة وأدوارها التاريخية في الدفاع عن الحقوق والحريات وسيادة القانون. كما اعتبرت أن لحظة التشريع تحوّلت، من وجهة نظرها، من فضاء للحوار والتوافق إلى مناسبة للتقليل من مكانة المهنة والتشكيك في مؤسساتها.
وفي خضم هذا الجدل، برزت أصوات برلمانية تدعو إلى مزيد من التوافق حول المشروع. وفي هذا الإطار، أكد خالد السطي، ممثل نقابة «الاتحاد الوطني للشغل» في مجلس المستشارين، أن النص يثير عددا من الملاحظات والانشغالات التي عبّرت عنها الهيئات المهنية والفاعلون القانونيون والبرلمانيون، داعيا إلى التفاعل الإيجابي معها من أجل إخراج قانون متوازن يحظى بأوسع توافق ممكن.
وأوضح السطي، خلال مناقشة المشروع في لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، أن المرحلة الحالية تستوجب تعزيز الحوْكمة داخل المؤسسات المهنية للمحامين، وتطوير آليات التدبير والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يعزز ثقة المحامين والمتقاضين في مؤسسات المهنة. كما توقف عند شروط الولوج إلى المحاماة، معتبرًا أن تحديد سقف للسن واشتراط الحصول على شهادة «الماستر» يثيران تساؤلات تتعلق بتكافؤ الفرص وإمكانية إقصاء كفاءات راكمت تجارب أكاديمية ومهنية مهمة.
ودعا المستشار البرلماني إلى اعتماد شهادة الإجازة (الثانوية العامة) أساسًا للولوج إلى المهنة مع توسيع قاعدة التخصصات المقبولة لتشمل مختلف الشعب القانونية والشرعية ذات الصلة، فضلاً عن إيجاد حل واضح لإشكالية معادلة الشهادات الأجنبية، بما يتيح الاستفادة من الكفاءات المغربية المتخرجة من الجامعات الدولية.
وبين التصعيد المهني المتواصل والنقاش التشريعي المحتدم داخل البرلمان، يبدو أن ملف المحاماة مرشح لمزيد من التطورات خلال الأسابيع المقبلة، في ظل تمسّك المحامين بمطالبهم وإصرارهم على مواصلة الضغط من أجل تعديل المشروع، مقابل دفاع وزارة العدل عن توجهاتها الإصلاحية المرتبطة بتحديث الإطار القانوني المنظم للمهنة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *