طهران- «القدس العربي»: لم يتبقَّ سوى أسابيع قليلة على انطلاق منافسات كأس العالم لكرة القدم 2026، وبات حضور المنتخب الإيراني في هذه البطولة أكثر من أي وقت مضى تحت ظلال الجدل السياسي. فالمسابقة التي يُفترض أن تكون حدثاً رياضياً عالمياً أصبحت محاطة بتداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، إضافة إلى الخلافات الدبلوماسية والضغوط الإعلامية.
المنتخب الإيراني، الذي كان من أوائل المنتخبات الآسيوية المتأهلة إلى كأس العالم، يواجه اليوم ليس فقط منافسين كرويين، بل أيضاً موجة من القضايا السياسية الممتدة من داخل إيران إلى شوارع لوس أنجلوس الأمريكية.
أحد أبرز أسباب هذه الأجواء المتوترة هو استضافة الولايات المتحدة وكندا والمكسيك المشتركة لكأس العالم. فالعلاقات الدبلوماسية المقطوعة بين إيران والولايات المتحدة منذ أكثر من 45 عاماً دخلت خلال الأشهر الأخيرة مرحلة أكثر حساسية، ما جعل وجود المنتخب الإيراني على الأراضي الأمريكية قضية أمنية وسياسية في آنٍ واحد.
وبعد تصاعد التوترات والهجمات العسكرية المتبادلة، أعرب بعض المسؤولين الإيرانيين عن قلقهم بشأن أمن لاعبي المنتخب والجهاز الفني في الولايات المتحدة.
وكان وزير الرياضة الإيراني، أحمد دنيا مالي، قد صرّح سابقاً بأنه «لا يمكن تحت أي ظرف» مشاركة إيران في كأس العالم، قبل أن يتراجع الاتحاد الإيراني لكرة القدم نسبياً ويؤكد أن القرار النهائي لم يُتخذ بعد، ما زاد من الغموض حول مشاركة إيران.
وتبنى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مواقف متناقضة بشأن مشاركة المنتخب الإيراني في البطولة. ففي البداية قال إن المنتخب الإيراني «مرحب به» في كأس العالم، لكنه عاد لاحقاً واعتبر أن وجود أعضاء المنتخب في الولايات المتحدة «ليس مناسباً لأمنهم»، ما أعاد التكهنات حول احتمال استبعاد إيران أو انسحابها من البطولة.
في المقابل، حاول الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) التشديد على مبدأ «فصل السياسة عن كرة القدم». وأكد رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، أكثر من مرة أن إيران تأهلت رسمياً، ومن حقها المشاركة في كأس العالم.
لكن الضغوط السياسية على الفيفا تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة، بعدما طالبت جماعات معارضة للجمهورية الإسلامية باستبعاد إيران من البطولة كما حدث مع روسيا، معتبرة أن المنتخب يمثل الحكومة الإيرانية.
ويستخدم بعض المعارضين تعبير «منتخب الجمهورية الإسلامية» بدلاً من «منتخب إيران»، وهو توصيف أثار انتقادات حتى بين بعض المعارضين الذين يرون أن المنتخب يبقى ممثلاً للشعب الإيراني. وخلال اجتماع الفيفا في فانكوفر الكندية، تجمع محتجون إيرانيون ضد مشاركة إيران في البطولة، ما أعاد كرة القدم الإيرانية إلى دائرة الصراع السياسي والإعلامي.
لم تقتصر الأزمة على مشاركة إيران فقط، بل امتدت أيضاً إلى قائمة اللاعبين. ففي الأسابيع الأخيرة، أثار استبعاد سردار آزمون من القائمة الأولية للمنتخب جدلاً واسعاً. وذكرت وسائل إعلام أجنبية أن السبب يعود إلى مواقفه السياسية ونشاطه على وسائل التواصل الاجتماعي.
وخلال الحرب، نشر آزمون صورة لحاكم دبي مع عبارات إشادة، ما أثار انتقادات داخل إيران، حيث يعتقد البعض أن الإمارات شاركت بشكل مباشر أو غير مباشر في الهجمات الأمريكية ضد إيران، رغم نفي المسؤولين الإماراتيين لذلك. في المقابل، نفى الجهاز الفني للمنتخب وجود أي دوافع سياسية، مؤكداً أن اختيارات اللاعبين تعتمد فقط على الجوانب الفنية.
ومن أبرز مؤشرات الأزمة السياسية المحيطة بالمنتخب الإيراني، نقل المعسكر التدريبي من أريزونا الأمريكية إلى تيخوانا المكسيكية بسبب المخاوف الأمنية وصعوبات التأشيرات والضغوط السياسية. ويرى مراقبون أن وجود إيران في الولايات المتحدة قد يترافق مع احتجاجات من معارضين، وضغوط إعلامية، وربما تهديدات أمنية، فيما تحدثت وسائل إعلام أمريكية عن ترتيبات خاصة لدخول البعثة الإيرانية.
ربما يكون الجانب الأهم في هذه القضية هو الانقسام داخل المجتمع الإيراني تجاه المنتخب الوطني. فعلى مدى عقود، كان المنتخب الإيراني أحد أبرز رموز الوحدة الوطنية، لكن جزءًا من المجتمع بات يرى اليوم أنه تحول إلى أداة سياسية.
فبعض الإيرانيين في الخارج يدعون إلى مقاطعة مباريات إيران، معتبرين أن نجاح المنتخب قد يخدم الدعاية الحكومية. في المقابل، يرى آخرون أن كرة القدم يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة، وأن المنتخب يمثل الشعب الإيراني لا الحكومة.
ويظهر هذا الانقسام أيضاً بين الرياضيين، إذ عبّر بعض اللاعبين السابقين عن دعمهم للمنتخب، بينما فضّل آخرون الصمت لتجنب الخلافات السياسية.
تقدم وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية، ووسائل الإعلام الغربية، والقنوات المعارضة، روايات مختلفة حول القضية.
فالإعلام الإيراني الرسمي يؤكد أن الضغوط على المنتخب جزء من «حرب نفسية» ضد الجمهورية الإسلامية، بينما ترى وسائل الإعلام المعارضة أن مشاركة المنتخب تحولت إلى أداة دعائية للنظام.
وفي خضم ذلك، يبدو اللاعبون هم الأكثر تعرضاً للضغط، إذ إن أي تصريح أو تصرف منهم قد يتحول إلى قضية سياسية داخل إيران وخارجها. وحسب برنامج كأس العالم 2026، سيخوض المنتخب الإيراني ثلاث مباريات في دور المجموعات: مباراتان في لوس أنجلوس أمام نيوزيلندا وبلجيكا، ومباراة في سياتل أمام مصر.
وتُقام المباراتان الأوليان في لوس أنجلوس، المدينة التي تضم واحدة من أكبر الجاليات الإيرانية في الخارج، بما فيها أعداد كبيرة من معارضي الجمهورية الإسلامية وأنصار الملكية، بينما تُقام المباراة الثالثة في سياتل.
يواجه المنتخب الإيراني أيضاً أزمة تتعلق بإصدار التأشيرات للاعبين وأعضاء الجهاز الفني الذين سبق لهم أداء الخدمة العسكرية في الحرس الثوري الإيراني.
وبما أن الخدمة العسكرية إلزامية، فإن عدداً من اللاعبين خدموا ضمن مؤسسات عسكرية، بينها الحرس الثوري، الذي تصنفه الولايات المتحدة وكندا منظمة إرهابية، ما أثار مخاوف بشأن منح بعض أعضاء المنتخب تأشيرات دخول.
وأعلن مهدي تاج، رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم، أن طهران طلبت من الفيفا والدول المستضيفة ضمان إصدار التأشيرات لجميع أعضاء البعثة، محذراً من أن رفض بعضها قد يخلق أزمة كبيرة للمنتخب.
كما تحدثت تقارير عن نقل المعسكر إلى المكسيك لتقليل مشكلات التأشيرات.