لغط ولغو أم صراع مراكز قوى؟



بسام البدارين

عمان ـ «القدس العربي»: كشفت مؤخراً في الأردن حالات فساد مالي وإداري واختلاس في توقيت غريب.
وتصاعد الحديث عن ضبط حالات فساد مالي بصورة مباشرة، في الوقت الذي خاطبت فيه الحكومة الرأي العام، تمهيدا لما أسمتها بالمشاريع الاستثمارية الكبرى والضخمة.
توقيت التجهيز لمشاريع اقتصادية واستثمارية ضخمة مؤسسة على منهجية التوظيف السياسي في الوضع الجيوسياسي الأردني عموما ترافقت بشكل غير مألوف مع أحاديث عن حالات تحقيق بفساد في عدة مؤسسات ووزارات. علماً ان الحديث الإعلامي عن «فساد مفترض» لا يلائم مرحلة استقطاب الاستثمارات.

نتائج عكسية

لماذا يحصل ذلك؟ سؤال بدأ يطرح من كبار الساسة والمراقبين.
المنطق كان يفترض بأن الاسترسال بالشفافية في الحديث عن حالات فساد على مستوى الإعلام الرسمي، يعزز القناعة بأن البنية البيروقراطية في المؤسسات الأردنية جاهزة للتعامل مع استثمارات ضخمة لمشاريع كبيرة.
لكن النتائج عكسية هنا، فقد تم الإعلان عن حالة فساد قيد التحقق في أمانة العاصمة الأردنية عمان، ولحقها الإعلان عن حالة فساد واختلاس في مقر وزارة المالية، ثم قضية ثالثة برسم الاختلاس، في مقر أحد أكبر المشافي العامة.
طبعا كشف حالات الفساد هذه يعزز النزاهة والشفافية. وتعتبر من حالات الفساد الصغير والمألوف والعابر.
ولكن توقيت الحديث عنها بالتزامن مع إطلاق مشاريع كبرى، هو الذي يثير التساؤل عن غياب جملة ضبط إيقاع الإعلام الرسمي على الأقل، فيما تكثر الحكومة، ويكثر المسؤولون الكبار من الشكوى من الإعلام الشعبي أو الشعبوي الرقمي بسبب مبالغاته في الحديث عن الفسادين المالي والإداري.
في الأثناء، برز التعاطي السلبي مع واقعة «الأغنام السورية»، وبدأ نواب حاليون وسابقون في مسلسلات «كشف وفضح» تخص برلمانيين وزملاء سابقين لهم من دون ضوابط أو «فلترة».
لفتت تلك المفارقة أنظار الجميع، والخبير الاقتصادي أنور خفش تحدث سابقا لـ«القدس العربي» عن فوضى وتلاوم. إذ تنمو الاتهامات في الوقت الذي تشتكي فيه المؤسسات من مبالغة الشارع في الحديث عن الفساد، فيما تطرح بصفة دورية ملفات الفساد على نطاق جماهيري، وأحيانا بقرار من موظفين ورسميين وحتى قبل صدور قرارات قضائية، علما بأن التحقيق بالنزاهة ومكافحة الفساد، عملية منهجية برامجية ومتواصلة في عهد حكومات سابقة.
الأغرب في المسألة أن الإكثار من الحديث عن ضبط حالات فساد واختلاس وفي مؤسسات أحيانا مهمة، قد يؤدي إلى تشويه الصورة العامة بدون مبرر مع أن الإبلاغ مؤشر على الاشتباه برأي الوزير الأسبق صبري إربيحات يعني بأن على السلطات المتخصصة أن تتابع التحقيق.
المفارقة الأكثر غموضا أن السلطات والنخب الرسمية تتساءل عن أسرار وألغاز اهتمام الأردنيين عموما عبر منصات التواصل الاجتماعي بالحديث مجددا عن الفساد في البلاد بأنماطه فيما تعزز البيانات الرسمية هذا الحديث، وتوفر مادة للرأي العام لكي يتحدث مرة تلو الأخرى عن الفساد واللصوص والفاسدين، دون أدلة وبراهين.
خرج نقاش أثاره نواب في البرلمان عن سياقه عند الحديث عن تورط حكومات سابقة في تخصيص مبالغ وهبات مالية وقطع أراض لبعض النواب السابقين، بما في ذلك ما عرفت بقضية مزارع تربية القطط ومزارع النعام.
تلك مثلا حالة «مزاعم» فساد، دفعت هيئة النزاهة ومكافحة الفساد مساء الثلاثاء الماضي لاستدعاء النائب مصطفى العماوي رسميا والتحقق بما تحدث به علنا حول الفساد ومطالبته خلال 24 ساعة، كما قالت تقارير إعلامية محلية، بتزويد السلطات بالوثائق التي تثبت مزاعمه عن حصول عمليات فساد مرتبطة بشخصيات نيابية.
الغريب جدا هنا أن ما قاله العماوي وجه بشأنه سؤالا دستوريا للحكومة زميله النائب محمد المراعية، وتحدث فيه زميلهما الثالث وليد المصري.
لاحقا كشف البرلماني العريق الأسبق فواز الزعبي أنه «أبلغ الأجهزة الأمنية عن توجهات فساد في لجان المجلس».
موسم اللغو في الحديث عن الفساد انطلق فجأة من دون ضوابط ومصدره الأساسي، إما جهات رسمية قررت ممارسة «الشفافية» أو نواب محسوبون على تيار «الوسط» والموالاة، فيما نواب المعارضة لا يعلقون على قضايا الفساد ولا يتحدثون عنها ويلتزمون بمنهجية مضادة في سياق الرقابة والتشريع لأولويات الحكومة ليس أكثر.

حالة فوضى

ثمة حالة فوضى داخلية لها علاقة بإعادة إنتاج شعارات وهتافات مبالغ فيها أحيانا تحت عناوين الفساد. المبالغات يظهر فيها حديث عن الرؤية التحديثية والتمكين الاقتصادي، وعن استقطاب مليارات الدولارات لأغراض الاستثمار في البلاد.
هنا حصرا يبدو الخطاب الرسمي غير منضبط والجو العام يؤشر عمليا على صنف من أصناف التجاذبـ، لا بل الصراع بين مراكز القوى داخل بعض أوساط القرار، صراع ينتج حالات استعراض ومبالغات ومزاعم لها علاقة بالفساد، فيما تخسر الحكومة الحالية، وهي تكثف جهودها في الملف الاقتصادي والاستثماري، سمعتها في مواجهة الفساد.
اللغط واللغو، تمارسه مؤسسات وبرلمانيون غاضبون من تيار الولاء، وليس داخل أروقة، لا الحراك الشعبي، ولا أطياف المعارضة. رائحة صراع مراكز القوى لا يمكن إلا رصدها في المشهد.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *