إصلاح ما أصاب العراق من تشوهات خلال فترة الاحتلال


للعراق دور محوري في بنية العالم العربي، ونسيجه السياسي والاقتصادي والحضاري، لكن هذا الدور تعرض لتشوهات كثيرة وخطيرة خلال فترة الشطط القومي البعثي بقيادة صدام حسين، التي انتهت بالاحتلال الأمريكي.
وخلال فترة الاحتلال راجت ثنائيات سياسية، انتهت إلى صيغة طائفية – عرقية في السياسة، وضعت العراق في خندق ضيق يحد من دوره الطبيعي داخل محيطه الإقليمي. وبعد الانسحاب الأمريكي من العراق يصبح من الطبيعي العمل على تصحيح تلك التشوهات، من أجل إطلاق دور العراق، ليكون بلدا في سلام مع نفسه ومع جيرانه ومع العالم.
وتثير عملية التصحيح المقصودة هنا عددا من الأسئلة الأساسية، أولها سؤال الهوية الوطنية، وثانيها سؤال السلام الإقليمي. ويتعلق سؤال الهوية بحسم عدد من الثنائيات الشائعة في السياسة العراقية، هي الثنائية المذهبية الدينية: الشيعة والسنة، والثنائية العرقية الرئيسية: العرب والأكراد، والثنائية السياسية الديمقراطية والمحاصصة. هناك بالقطع ثنائيات أخرى على مستويات مختلفة، أعتقد أن حسم هذه الثنائيات الثلاث هو رأس الرمح في عملية إصلاح ما أصاب الهوية الوطنية العراقية من تشوهات خلال فترة الاحتلال، ومن ثم تحديد ملامح رؤية صحية ومستقرة وبناءة ومستدامة لمسألة علاقة العراق بنفسه.
أما السؤال الثاني المتعلق بمسألة السلام الإقليمي، ومن ثم علاقة العراق بجيرانه، فإنها تدور أساسا حول ثنائية المقاومة والاستسلام. وعلينا، من الناحية التاريخية التسليم بأنه من الصعب جدا نزع العراق عن إقليمه، بكل ما في هذا الإقليم من تنوع. الخطورة هنا تقع عندما يحرك البعض مقومات التنوع ضد السلام الإقليمي، ومحاولة فصل العراق عن إقليمه، وبناء عداءات تدميرية غير بناءة، تزيد من حدة من أصاب العراق من تشوهات خلال فترتي الشطط القومي البعثي والاحتلال الأمريكي.
سؤال ثنائية المقاومة والاستسلام لا يترك غير حيز ضيق جدا لدفع العراق إلى معسكر الاستسلام، وإبعاده عن معسكر المقاومة. في هذا السياق فإن وجود العراق في قلب معسكر المقاومة من شأنه أن يعزز هويته الوطنية، وأن يعيده إلى دوره التاريخي. وليس من المعقول أن يتجه العراق إلى معسكر الاستسلام بعد أن نجح في التخلص من الاحتلال. هذا في واقع الأمر يؤكد أن خيار المقاومة يتطابق مع الهوية الوطنية العراقية ولا يتنافر معها.

عاش العراق تجربة القواعد العسكرية الأجنبية بكل مرارتها.. والآن وبعد أن تخلص منها فإن الدول الأخرى في المنطقة يتعين عليها أن تعيَ الدرس، وأن تدرك أن الأمن نابع من الاعتماد على النفس

الأغلبية العظمى من العراقيين هم عرب تجمعهم مع الأعراق الأخرى، الكرد والتركمان والأيزيديين والآشوريين والكلدان، رابطة الوطن الواحد، العراق، والتعددية الدينية والمذهبية. ولولا العراق ما اجتمعت تلك الأعراق والديانات والمذاهب في مكان واحد. ومن ثم فإن التنوع وليس الواحدية هو أساس ومصدر الهوية الوطنية للعراقيين. وفي ذلك ما يفسر أن وحدة العراق تكمن في تنوعه وليس في أحادية مكوناته، وعليه فإن التسلط باسم الأغلبية هو تشوه غير مقبول في طبيعة الهوية الوطنية للعراقيين، ورغم ذلك فقد ارتضى العراقيون أن يتضمن دستورهم محاصصة قومية ومذهبية في بنية الحكم، حيث ينص الدستور على أن تكون الرئاسة حصة للكرد العراقيين، ورئاسة البرلمان حصة للسنة العرب، ورئاسة الوزراء للشيعة العرب. وربما جاءت هذه المحاصصة لمواجهة تيارات انفصالية وانتقامية، كانت هي الأخرى جزءا من تشوهات السياسة العراقية، في ردود الفعل ضد التسلط البعثي خلال فترة ما قبل الاحتلال، والنزعة إلى التحرر القومي ضد الاحتلال. ولا أظن أن المحاصصة تمثل خيارا سياسيا مستقيما في ظروف طبيعية تخلو من التسلط والاحتلال. ومن المهم جدا للعراقيين تطوير ملامح الهوية الوطنية، من خلال معايير دقيقة لتحقيق العدالة، وإزالة التسلط الذي يعكس النزعة الواحدية، وتأكيد التنوع الذي يستجيب للتكوين الطبيعي للنسيج العراقي، اجتماعيا وسياسيا وحضاريا. هذا التكوين الاجتماعي يغذي طبيعة العراق الديمقراطية التعددية، بدءا من الزواج المختلط الذي ينتمي الزوجين فيه إلى العراق، أكثر مما ينتمي الواحد منهما إلى عرقه الإثني أو مذهبه الديني، وصولا إلى توزيع مسؤوليات الحكم على أساس الكفاءة والالتزام بالهوية الوطنية العراقية التعددية. ولن تُحل عقدة المحاصصة والتشوهات الناتجة عنها بين يوم وليلة، وإنما ستحل تدريجيا بشرط أن يكون هناك اتفاق مسبق على تحديد إطار وقواعد المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، وفقا لمعايير مكتوبة واضحة لا تقبل المراوغة، بصرف النظر عن الجنس والدين والمذهب والعرق.
كان العراق وسيظل بوابة رئيسية للانفتاح على الشرق، ولكي ينجح في ممارسة هذا الدور فإن هذه البوابة يجب أن تكون مفتوحة، وأن يكون العراق دليل العابرين منها شرقا إلى آسيا الوسطى والشرق الأقصى، والقادمين إليها من هذه الأنحاء إلى المشرق العربي والمغرب. وقد أراد البعض في فترة زمنية معينة أن يكون العراق حارس البوابة الشرقية، بمعنى المسؤول عن إغلاقها ومنع المرور عبرها، خصوصا بعد الثورة الإيرانية وإسقاط الشاه.
وتظهر التطورات السريعة التي تجتاح العالم في عصر الاضطراب الذي نعيشه في الوقت الحاضر تزايد أهمية منطقتين، من المتوقع أن تلعب كل منهما دورا محوريا في الاقتصاد العالمي، وفي إعادة رسم خريطة توزيع القوة في العالم. المنطقة الأولى هي آسيا الوسطى، والمنطقة الثانية هي افريقيا. ومن المثير للدهشة أن أهم بوابات العرب على هاتين المنطقتين، العراق على آسيا الوسطى واليمن في مواجهة القرن الافريقي، تحوط كل منهما عوامل جيوسياسية قد تحد من قدرة الدول العربية على التواصل مع كل من المنطقتين، ما لم يتحقق القدر الكافي من السلام الإقليمي الذي يضمن مسارا إيجابيا للتفاعلات مع آسيا الوسطى وافريقيا. ومن الضروري الانتباه إلى أهمية العراق في انفتاح العرب على آسيا الوسطى، وأهمية اليمن في الانفتاح على افريقيا عبر القرن الافريقي. ومن المعروف أن أكثر الدول العربية تفاعلا مع دول القرن الافريقي كافة هو اليمن.
في ظل الظروف العربية الراهنة لا تمثل المقاومة مجرد خيار، وإنما هي واجب يتطلب الجهوزية الدائمة، والقدرة على الرد والردع وحرية التصعيد بلا قيود. وتثبت نتائج تطورات السنوات الثلاث الأخيرة، أن السلاح المستورد لا يشتري الأمن، وأن القواعد العسكرية الأجنبية لا تصنع الردع، وأن الولايات المتحدة فشلت فشلا بائنا في تعهدات الحماية لدول الخليج، وأن إسرائيل لا تفهم غير لغة القوة. ومن ثم كانت المقاومة واجبة وضرورية، لأنه لا خيار غيرها في مواجهة عدو يسعى على المكشوف إلى الهيمنة واحتكار القوة، عن طريق التفوق العسكري النوعي الذي تضمنه الولايات المتحدة لإسرائيل. وقد عاش العراق تجربة القواعد العسكرية الأجنبية بكل مرارتها. والآن وبعد أن تخلص منها فإن الدول الأخرى في المنطقة يتعين عليها أن تعيَ الدرس، وأن تدرك أن الأمن نابع من الاعتماد على النفس، والاعتماد الإقليمي المتبادل بشأن التزامات الدفاع وتحقيق السلام. إن أمن المنطقة لن يتحقق إلا بتوفر ثلاثة شروط رئيسية، الأول هو إنهاء احتكار إسرائيل للأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل. ويمكن تحقيق ذلك بطريقين، الأول هو أن تتخلى إسرائيل تماما وطواعية عن برنامجها النووي وبرامج إنتاج أسلحة الدمار الشامل والصواريخ. الطريق الثاني هو كسر الاحتكار النووي الإسرائيلي وإطلاق برنامج للتسلح النووي في دولة أو أكثر من دول المنطقة. ومن الضروري أن يبادر العراق إلى لعب دور مركزي في هذا الاتجاه. الشرط الثاني من شروط تحقيق الأمن الإقليمي هو إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأرض الفلسطينية المحتلة. ولن تنعم المنطقة بسلام دائم ما لم يحصل الفلسطينيون على دولتهم التي تجسد الحلم القومي للشعب الفلسطيني بأكمله، من دون أي اعتبار للاختلافات بشأن المستقبل بين حماس والسلطة الوطنية الفلسطينية. أما الشرط الثالث فهو وضع قواعد مقبولة للعلاقات الإقليمية على الأسس الوستفالية لضمان أمن واستقرار المنطقة، مع الالتزام بمبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحل الخلافات بالطرق السلمية، والتعاون والاحترام المتبادل. إسرائيل لن تقبل شروط السلام الدائم في المنطقة إلا تحت ضغط القوة وتحويلها إلى دولة منبوذة في العالم أجمع. بعد ذلك فإن إحدى القضايا التي تحاول إسرائيل والولايات المتحدة ترويجها هي أن العراق يواجه خطر عودة داعش والإرهاب بعد خروج آخر جندي أمريكي من قاعدة إربيل العسكرية، وأن وجود القوات الأمريكية في العراق كان يمثل صمام الأمان الرئيسي ضد عودة الإرهاب. ومن الضروري ان يكون العراق متيقظا لمواجهة أي احتمال لعودة تنظيم داعش مرة أخرى بعد رحيل القوات الأمريكية، وألا تكون مكافحة الإرهاب ورقة يجري اللعب بها لاستمرار القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *