ليل البترون


الساعة تقترب من العاشرة، وموعد رقادي قد حلّ. كنت عائداً إلى الفندق حين أوقفني في منعطف الدرب باب زجاجي مضيء ومغطى باللبلاب. الأشجار مشذبة بأناقة، والعرائش تنمو بين الحجارة، ولا شيء يشير إلى طبيعة المكان. دققت النظر، فوجدت لوحة خشبية كُتب عليها بالطباشير الأبيض وقت العمل: من العاشرة مساء إلى الثانية صباحا. لولا هذه اللوحة لما عرفت أنه مقصف، وفي بلدة البترون من ذلك الكثير. بل حتى مع اللوحة والشعار النحاسي، فإنه لا يكاد يشبه مدخلا لبار. ترددت أولا، وانتابتني قشعريرة حين رأيت شجرة سرو تقف مثل حارس قائم في الزمان أكثر منه في المكان.
المدخل ذو قبة قوطية ومؤثث بأنواع المرايا على الحيطان والسقف، حتى البلاط كان مرآة عظيمة. أخذت الأرض تهبط بي، وخُيّل إليّ أن قدميّ تصعدان ورأسي ينخفض. بعد خطوات راح يصير العكس، أي أن السقف يهبط والأرض ترتفع. هل كان المكان تحت الأرض أم فوقها؟ لا أدري والله، فضباب الرغبة في اكتشافه لم يسمح لي بالتأكد من الأمر.
ثم أفضى الممر إلى بهو توزعت في أنحائه مناضد، حول كل منضدة نوع من النساء: نساء تشبه الفاكهة ونساء تشبه الطير. نساء كأسماك الزينة، وأخيراً هذه الاستعارة من وليم بليك «نساء من لجين معتدل ونساء من ذهب غاضب»، يجلسن في صف من المعجزات الباهرة.
استقبلني نادل كانت حركاته يُقصد منها وظيفة الترحاب، لا الترحاب نفسه. الأهم في طقس ارتياد الحانات هو أن تستطيع التطلع من مكانك إلى الساقي وخلفه رفوف البار، لأن المشهد يزيد عندها من جلالة المكان. إحدى النساء كانت رائعة الجمال إلى حد يبعث الحزن في النفس، وتجلس بمفردها مما جعلها تشع أكثر. خُيّل إليّ أني رأيتها سابقا لكني لا أتذكر أين ومتى. «في زمن مضى ربما كنتِ زوجتي أو أختي»، التعبير لـغوته. لم أكن أنظر عرضاً، بل كنت أتطلع إلى صف المعجزات، وأحس بتجهيزات حب قوي تنتشر في بدني.
بدأت آلة الكمان تشدو، وراح كل شيء يطيع سلطان الموسيقى، وكنت أخرج شيئاً فشيئاً من ذاتي، وبعد حوالي ساعة تمكنت من إبعاد أمر الحب المفاجئ، فعاد الهدوء يلفني والطمأنينة، والفتى الشامي يغني، كثافة صوته وطراوته تصوغان شعر منصور الرحباني: «كل امرأة فلتنزلْ/ النائمة بثوب النوم/ الساهرة بثوب السهرة/ بالياقوت وبالفيروز/ بكامل زينتها تنزلْ/ والعارية/ بثوب الغبطة واستحقاق النعمة».
يعتقد الهنود الحمر أن هناك بقعة على الأرض خاصة لكل إنسان، عندما يسكنها يشعر بسعادة غير طبيعية، وبقوة هائلة في قلبه وفي نظره. كان في عمق البار أقواس لونها أزرق رمادي، كأنها صُممت لتكون في أحضان دير. كأسي الأولى ذكرتني بنعومة القصائد القديمة، في صيف ذهبي في مدينتي الأولى، حين جرّبت الحب أول مرة، وكانت فتاتي حسناء في ميعة الصبا. بعد أن قبّلتها وامتلأت عيني بإشراقة وجهها بالسعادة، قلت لها: «أريد أن أحبك حباً أقوى، لكن لست أدري كيف…». رسمت فتاتي ابتسامة ملمومة زادتها فتنة، رغم نظرة الاستفهام في عينيها. أردفتُ: «أتمنى أن تكوني قبيحة كي أحبك أكثر».
لم يكن ذلك من أحلام الشباب شديدة الجنون، وإنما ترفاً جمالياً سببه الحب العارم، ينتج عنه فرح بالحياة تختلف معه صفات الأشياء وطريقة الشعور والتفكير. مررت يدي على وجه حبيبتي، وكنت أمسك جمالاً فيه شيء من البدائية وروح التوحش. صورتها لا تبارح ذاكرتي مذ غدت مشوهة الخلقة، بل دميمة وذات جمال غامض أحسست أنه نادر وعزيز على قلبي، فأحببتها أكثر، وقبّلتها في جوّ هذا الحب الجديد.
لن تحس النفس بالروح الخلاقة للجمال ما لم تصبح جميلة هي نفسها. الجمال الاعتيادي واضح، أما الشاعر، أو الفنان بلفظ أعم، فشخص روحاني ووثني، يمتلك نفساً ذات أطوار كأطوار الفراشة. وهو مستعد، واعياً وغير واع، كي لا يلبث طويلاً في طوره، أن يسير على حد السكين ليصنع الفتنة غير المكتشفة والسرية في الوجود، ويمهر اسمه على هذا الكشف، الذي يناظر ما يقوم به العالِم في مختبره.
الحياة فاتنة ومفجعة في الوقت نفسه. من كلتيهما، الفتنة والفجيعة، يتكون خبز عيش الإنسان. في «اليوميات الحميمة» يذكر بودلير أن ندب الجدري في وجه حبيبته الزنجية لم يكتشف فيها دعوة «للتعاطف العذب معها، بل وحتى للاشتهاء الجسدي». نحن نتكلف وندعي المتعة التي يهبها لنا الجمال المتاح والوحيد المبذول أمامنا، الجمال النمطي، ومن طبع البشر حب الاتكال والكسل. عن أبي فراس الحمداني:
«لقد قنعوا بعدي من القطر بالندى
ومن لم يجد إلا القنوع تقنّعا»
القَطْر: المطر الغزير، والندى: البلل الخفيف. القُنوع: مصدر قنع بمعنى رضي، والتقنّع: تكلّف القناعة وإجبار النفس عليها. الجمال المألوف والمتكرر هو الندى، والمرء لا يرتوي به. ودون الصمغ المستخرج من رتوش الفن، تبقى المرأة الجميلة مفككة الأوصال، وعشرتها تبعث على الملل، لأن بعض الصمغ لا يقوى على حرارة الواقع، فيصيب حسن صاحبته الوهن، ولا يبقى منه غير ثفل لا هو من الجمال ولا من القبح. الحسن الحقيقي هو الثقيل الذي يرسب في الروح فلا يغادرها، وتبقى المرأة أسيرة السر الكامن فيه. ومثلما جرى مع حبيبتي ذلك اليوم، تأكد لي أن النساء اللواتي في صف المعجزات لا يمثلن الحياة الحقة، لأنها أشد عتمة وقساوة من مشهد جميل وعابر، لذلك فإن نسائي قليلات الحسن إذا بقين على حالهن زمناً طويلاً، يعني ساعة وأكثر. تمنيت أن يحل محلهن من كانت صحماء أو ملحاء من القهر والتعب وغبار الطرقات، وترتدي أسمالاً لأنها فقيرة.
الخيالات أيضاً جزء من الواقع، والأفكار التي تصاحب الخمرة. مع الكأس الثالثة صار عندي توق ولهفة إلى عشرة إحدى النساء المعطوبات والمنبوذات التي لا يحبها أحد. امرأة سوقية تمتلك جمالاً مبهماً، تشبه الفلاحة خشنة الطباع آلونثا لورنثو، عشيقة دون كيخوته، والأرملة المبتذلة «فتحية» بطلة «المسرات والأوجاع»؛ الأولى ألهمت الدون معاني الفروسية رغم قبحها وفظاظتها، والثانية أهدت توفيق لام، بطل الرواية، الهناء والطمأنينة، على ما فيها من سوقية وابتذال.
في زمانه توصل الجاحظ إلى نتيجة مشابهة: «والمرأة إنما تكون أفتن ما تكون إذا هي رقصت في مناحة أو تعبت من طول سير أو كانت على سفر». بسبب دقة هذه الملاحظة وصوابها، نجد أديبنا العظيم يذكرها في أربعة مواضع: «رسائل القيان» و»كتاب النساء» و»المحاسن والأضداد»، و»البيان والتبيين». كلما ساء حظ المرأة وازداد نصيبها من المعاناة، ازدادت رقةً وظهر جمالها الخفي. الانكسار والذبول والتعب النفسي يخلق نوعاً آسراً من الفتنة، تزداد به قدرة المرأة على إثبات أنوثتها في الفراش، فتأتي الرجل «بثوب الغبطة واستحقاق النعمة»، وتهبه لذة فريدة كأنها البشارة بعينها، تلك التي صدّع الفلاسفة ورجال الدين رؤوسنا بشرحها.
عندما يهيئ لك القدر لقاء هذه المرأة، فتأكد أنه قد فُتح عليك، ونلت مرتبة عالية من مراتب النصر في بحثك عن السعادة. وكأنك عثرت على مكان آمن وسط غابة، في ساعة النشوة الكبرى سترى كيف تروق لك هالة السواد المضطرمة في وجه امرأتك وتصفو، وإن كانت عوراء ولها ظفر وناب، وشعرها كثّ غير مطواع، وتظل نتانة طواياها تراودك، تفوح كمبخرة لا تستطيع نسيانها أو التخلص من ذكراها.
الأشياء في الوجود متصلة بعضها ببعض، وهذه فرصة نادرة أن تتأمل القداسة مطلقة النقاء في وجه إحدى بنات حواء، من اللاتي يصفها الناس بالدمامة، لكنها أثبتت في ساعة الغرام أنها تشبه هيلين طروادة، التي قيل عن جمالها إنه «كان سبب انطلاق ألف سفينة باتجاه الحرب»، واحتاج هوميروس إلى أجمح الخيال ليكتب ملحمته الشهيرة عن خطفها وتحريرها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *