إسرائيل تجرّب المجرّب وتستنسخ أخطاءها


الناصرة- “القدس العربي”: ما زالت قلعة الشقيف تشغل الإسرائيليين حتى اليوم، وفي إطار ذلك، تقول سيدة إسرائيلية ثكلت شقيقها الجندي في حرب 1982 إن إسرائيل ما زالت تجرّب المجرّب وتستنسخ أخطاءها.

وفي حديث لراديو تل أبيب، تساءلت بسخرية رنيت غوترمان، شقيقة راز غوترمان، الجندي الإسرائيلي الذي قُتل في قلعة الشقيف في حزيران/ يونيو 1982 خلال حرب لبنان: “هل عادت قلعة الشقيف إلى أيدينا حقًا؟”.

وفي تعليقها على الاحتفالية الإسرائيلية باحتلال قلعة “البوفور الصليبية”، قالت رنيت غوترمان: “كانت هذه من أكثر هتافات الفرح إيلامًا التي سمعتها. ذلك الحصن الصليبي المدمر، كومة الحجارة الشاهقة التي ليست لنا أصلًا، تحول لدى كثيرين إلى رمز تاريخي يعزز شعورهم بالقوة، الفردية أو القومية، حتى حدود النشوة. أما أنا، فيثير هذا الحصن في نفسي الإحباط. لقد أخذ مني، دفعة واحدة وفي وقت مبكر جدًا، أخي الأكبر، الرقيب راز غوترمان، المقاتل في وحدة استطلاع غولاني، الذي “حظي” بأن يكون ضمن المجموعة الأولى من الجنود الذين وطئت أقدامهم ذلك الحصن الملعون في اليوم الأول من حرب لبنان الأولى”.

وتقول ضمن انتقاداتها إن شكوكًا كثيرة وآراء متباينة قد انتشرت بشأن ضرورة تلك المعركة. وتضيف أنها لن تخوض في ذلك هنا، “لكن إذا سألتم والدًا أو والدة ثكلى ما إذا كانت المعركة التي قُتل فيها ابنهما ضرورية، فأظن أن الإجابة واضحة، على الأقل بالنسبة إلى نوع الأهالي الذين أعرفهم”.

إسرائيلية: لو أن الواقع تغيّر جذريًا ولم تعد هناك حاجة إلى القتال مرة تلو أخرى ضد مقاتلي حزب الله، لربما قلت: لا بأس. لكن الحقيقة أن المواجهات العسكرية تتجدد مرارًا وتكرارًا، وهذا يثبت أن القلعة أو السيطرة عليها لا يغيّران وجه الواقع

وتتساءل في هذا المضمار: “ما الضروري في معركة لم تغيّر شيئًا في الواقع الأمني في الشمال آنذاك، ولا بعد ذلك؟ ما الضروري في معركة خطفت أبناءنا إلى الأبد؟ وفي معركة كانت مقدمة لسنوات طويلة من البقاء في شريط أمني غارق في الدماء؟”.

وللتدليل على رؤيتها، تقول إن كثيرًا من الجنود الإسرائيليين قُتلوا في الحصن أو في محيطه بنيران قذائف الهاون والصواريخ والعبوات الناسفة على الطرق المؤدية إليه، وبينهم كثيرون قضوا في كارثة المروحيتين، وكان مصير العديد منهم يقودهم إلى قلعة الشقيف.

تحولات غيبية

وتضيف: “لو أن الواقع تغيّر جذريًا ولم تعد هناك حاجة إلى القتال مرة تلو أخرى ضد مقاتلي حزب الله، لربما قلت: لا بأس. لكن الحقيقة أن المواجهات العسكرية تتجدد مرارًا وتكرارًا، وهذا يثبت أن القلعة أو السيطرة عليها لا يغيّران وجه الواقع، بل يقودان فقط إلى مزيد من موت الجنود”.

وترى أنه لتبرير الاحتلال الحالي، كُتب في الصحف العبرية أن وحدة “بدر” التابعة لحزب الله تنشط في القلعة ومنها تدير عملياتها. وتتساءل مجددًا: “من كان قد سمع بهذه الوحدة من قبل؟ أنا لم أسمع عنها. كما أنني لم أسمع عن وقوع اشتباكات هناك هذه المرة مع أي قوة كانت، ولذلك يبدو الأمر وكأنه محاولة لتبرير هذا “الإنجاز” العسكري الأخير”.

ولتوضيح موقفها النقدي، تتابع: “أنا أحب وحدة استطلاع غولاني، ولا أستطيع أن أقول كلمة سيئة بحق الجنود. لكن التحولات ذات الطابع المسياني الغيبي التي طرأت على الوحدة وعلى الجيش عمومًا تثير خوفي. إن تقديس كومة من الحجارة على حساب قدسية الحياة البشرية أمر لا أستطيع تقبله”.

وتكشف أن كثيرين يهاجمونها هي وعائلات قتلى معركة الشقيف عام 1982، ويصفونهم بأنهم يساريون وكارهو إسرائيل، بل وأسوأ من “المخربين”. حتى إن أحدهم كتب ذات مرة لأبيها أن ابنه، لو كان حيًا اليوم، لشعر بالخجل منه.

وتضيف: “لذلك الشخص أقول: أنت منحط. لا تتحدث باسم أخي. فأخي، على الأرجح، كان قريبًا في آرائه من والدي، وبالتأكيد لم يكن ليخجل منه. مستوى الاستقطاب والكراهية في مجتمعنا هو الآخر ينزف. الذين يحاولون تحدي موقفي السياسي يقولون إنني يسارية، ساذجة، حالمة وغير واقعية، ويسألون: “انظري إلى الواقع من حولك… وما هو حلك؟”.

وتتابع: “صحيح أنني أدرك أننا نعيش في منطقة قاسية ومليئة بالأعداء، وأن سويسرا ليست هنا. لكن من الضروري، وبرأيي هذا أمر جوهري، السعي إلى اتفاق يبدو ممكنًا مع الحكومة اللبنانية، تكون بموجبه مسؤولة عما يجري على أراضيها”.

سلام بارد أفضل من حرب حامية

كما ترى رنيت غوترمان أنه ينبغي الضغط على دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين، بدلًا من أن يضغط هو على إسرائيل، على أن يتضمن الاتفاق بندًا يلزم إيران بكبح نيران حزب الله، حليفها في المنطقة.

ترى رنيت غوترمان أنه ينبغي الضغط على دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين، بدلًا من أن يضغط هو على إسرائيل، على أن يتضمن الاتفاق بندًا يلزم إيران بكبح نيران حزب الله

كما ترى أنه على إسرائيل أن تنتشر على الحدود أو داخل أراضيها مباشرة كي لا تُفاجأ عند السياج الحدودي، وأن تحافظ على يقظة استخبارية دائمة. كذلك تدعو إلى عدم الاستخفاف بالمراقبات العسكريات أو تهميش دورهن بتصريحات شوفينية، وأن تكون مستعدة للتطورات من دون تهاون أو تقليص مفرط للقوات، ولكن داخل الأراضي الإسرائيلية، ومن دون الانجرار إلى مغامرات غير ضرورية.

وبخلاف الموقف الإسرائيلي الذي يراهن على القوة فقط، تستعيد تجارب الماضي: “لا شيء يثبت قيمة السلام أكثر من “السلام البارد” مع مصر، الذي قيل عنه إنه لا يساوي شيئًا، لكنه أثبت جدواه مرة تلو الأخرى، حتى في أصعب الأوقات. فهل يفضل أحد حرب أكتوبر ثانية مع مصر على هذا السلام البارد؟”.

وتخلص السيدة الإسرائيلية رنيت غوترمان إلى القول: “أما اللوحة المعدنية التي وُضعت في قلعة الشقيف وأُزيلت منها عند الانسحاب عام 2000، فقد كانت مبادرة من شخص لا أعرفه. لم تكن بقرار منا، ولم يسألنا أحد إن كنا نريد وضعها هناك، كما لم يسألنا أحد عندما أزالها ووضعها في قاعدة الوحدة العسكرية، في مشهد يذكر بفيلم “البوفور”. من وجهة نظري، هناك مكانها الطبيعي. وكفى استغلالًا وابتزازًا لذكرى أحبائنا الراحلين”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *