لندن ـ “القدس العربي”: “أوقفوا بيع أرضنا”.. تحت هذا الشعار تجمّع مئات المحتجين، الأحد 14 حزيران /يونيو الحالي، أمام كنيس “إدجوير يونايتد” في منطقة إدجوير شمال العاصمة البريطانية لندن، احتجاجا على فعالية عقارية إسرائيلية حملت اسم “فعالية العقارات الإسرائيلية الكبرى”، تُروج لبيع عقارات وأراضٍ تقع في مستوطنات إسرائيلية غير شرعية مقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة.
وجاء التحرك بدعوة من “حركة الشباب الفلسطيني” وحملة “أوقفوا بيع الأراضي المسروقة”، وائتلاف من المجموعات المتضامنة، في ظل احتجاج واسع أثارته الفعالية في المملكة المتحدة، شمل حملة التضامن مع فلسطين، ونوابا في البرلمان، وعمدة لندن صادق خان.
ورفع المحتجون الأعلام الفلسطينية ولافتات تندد بالاستيطان ومصادرة الأراضي، مطالبين بإلغاء الفعالية ومنع إقامة فعاليات مشابهة في بريطانيا، ومتهمين شركات وأفرادا بالاستفادة من بيع عقارات على أراضٍ فلسطينية.
وشهد محيط الكنيس انتشارا أمنيا مكثفا، حيث فرضت الشرطة طوقا حول موقع الاحتجاج، وحصرت المتظاهرين داخل مساحة محددة، في محاولة للفصل بينهم وبين مجموعات مؤيدة لإسرائيل تجمعت في الجهة المقابلة.
وتخللت الفعالية حالات توتر واحتكاك بين الطرفين، وأفاد شهود عيان بوقوع اعتداءات لفظية وتبادل للاتهامات، إلى جانب إلقاء البَيض وأجسام أخرى باتجاه بعض المتظاهرين، ما استدعى تدخل الشرطة في عدة مناسبات لاحتواء الموقف ومنع تصاعد الاشتباكات.
كما نفذت الشرطة عددا من الاعتقالات شملت مشاركين من الجانبين، على خلفية حوادث وقعت خلال التظاهرة، من دون صدور حصيلة رسمية نهائية بشأن أعداد الموقوفين حتى وقت إعداد هذا التقرير.
وتحدث عدد من الصحافيين والعاملين في وسائل الإعلام عن تعرضهم لمضايقات أثناء تغطية الحدث، مؤكدين أن بعض محاولات التصوير والتوثيق واجهت اعتراضات وتدافعا في محيط التجمعات المتقابلة.
جانين حوراني، من “حركة الشباب الفلسطيني” لـ”القدس العربي”: نحتج اليوم رفضا لبيع الأراضي الفلسطينية المسروقة في لندن
وأعلنت “اللجنة القانونية الفلسطينية لجرائم الحرب والعدالة وجبر الضرر وحق العودة”، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أن موظف التبليغ القانوني تمكّن من الوصول إلى موقع الفعالية العقارية الإسرائيلية المثيرة للجدل في لندن وتسليم الإخطار القانوني إلى الجهات المعنية، وذلك بعد محاولات عرقلة من قِبل شرطة العاصمة البريطانية.
وقالت اللجنة في بيان إن عملية التبليغ أُنجزت بعد فترة وجيزة من تدخل الشرطة، مضيفة أن أشخاصاً مرتبطين بالفعالية وجّهوا لاحقاً “تهديدات مبطنة” لموظف التبليغ عقب استلام الإخطار.
وعدّت اللجنة ما جرى “عرقلة للإجراءات القانونية وتحدياً لسيادة القانون البريطاني”، مشيرة إلى أن ذلك يأتي رغم الاعتراضات التي أُثيرت بشأن الفعالية.
ونقلت اللجنة عن مديرتها لاميس ديك قولها إن “التهرب من استلام الإخطار القانوني لا يجعله غير نافذ”، مؤكدة أن الجهات المعنية أصبحت على علم بالإجراءات القانونية المتخذة بحقها.
وأضافت ديك: “تم تقديم ملفات وإفادات إلى شرطة العاصمة البريطانية، وما سيحدث بعد ذلك يعود إلى السلطات المختصة”.
تواطؤ من شرطة لندن؟
وكانت اللجنة قد اتهمت في وقت سابق شرطة لندن بمساعدة منظمي الفعالية على عرقلة تسليم الإشعارات القانونية.
وقالت جانين حوراني من “حركة الشباب الفلسطيني” لـ”القدس العربي”: “خلال الأسبوع الماضي، نجحنا في حشد مختلف شرائح المجتمع البريطاني للمطالبة بإلغاء هذا الحدث. أكثر من مئة برلماني، ومنظمات حقوقية بارزة، وعمدة لندن، وعدد من المنظمات القانونية، وأكثر من مئة منظمة شعبية، أدانوا هذه الفعالية وطالبوا بإلغائها. ومع ذلك ما زالت مستمرة، ولهذا نحتجُّ اليوم رفضا لبيع الأراضي الفلسطينية المسروقة في لندن”.
عدنان حميدان، رئيس “المنتدى الفلسطيني في بريطانيا”، لـ”القدس العربي”: من المؤسف والمثير للقلق أن يفتح أحد الكنس في لندن أبوابه لاستضافة معرض يروّج لبيع أراضٍ فلسطينية”
وقال عدنان حميدان، رئيس “المنتدى الفلسطيني في بريطانيا”، في تصريح لـ”القدس العربي”: “من المؤسف والمثير للقلق أن يفتح أحد الكنس في لندن أبوابه لاستضافة معرض يروّج لبيع أراضٍ فلسطينية، في وقت رفضت فيه معظم القاعات الرئيسية في العاصمة البريطانية استضافة هذا الحدث إدراكا لما يحمله من إشكاليات قانونية وأخلاقية خطيرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن يجري ذلك تحت حماية الشرطة، رغم الاعتراضات الواسعة التي عبّر عنها نحو مئة نائب بريطاني، إضافة إلى عمدة لندن”.
وأضاف: “إن الترويج لبيع أراضٍ فلسطينية واقعةٍ تحت الاحتلال لا يمكن عدّه نشاطا تجاريا عاديا، بل هو جزء من واقع استيطاني مرفوض دوليا ويتعارض مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني. ونؤكد أن مثل هذه الفعاليات لا تخدم السلام أو التعايش، بل تمنح شرعية لممارسات تسهم في تكريس الظلم والتمييز والوقوف في وجه حرية وكرامة الشعوب”.
نرفض استخدام كُنسنا
وقالت إميلي من “العمل اليهودي المناهض للصهيونية” في تصريح: “تحاول هذه الفعالية حماية البيع الإجرامي للأراضي الفلسطينية المسروقة من الاحتجاج عبر تنظيم عمليات البيع داخل كنيس… نرفض استخدام ديننا وثقافتنا تبريرا لجرائم الحرب هذه وللإبادة المستمرة”.
وأضافت “نرفض استخدام كُنسنا لإضفاء شرعية عليها. إن استغلال الهوية اليهودية والتاريخ والمؤسسات المجتمعية للترويج لمشاريع مرتبطة بتجريد الفلسطينيين من أراضيهم يسيء إلى التقاليد الأخلاقية للعدالة والحقيقة وإصلاح العالم، وهي قيم أساسية في الحياة اليهودية”.
وكانت “حركة الشباب الفلسطيني”، بالتعاون مع عدد من المجموعات والائتلافات المتضامنة، قد دعت إلى تنظيم التظاهرة بالتزامن مع انعقاد الفعالية العقارية، بهدف تسليط الضوء على عمليات بيع الأراضي في تجريد الفلسطينيين من أراضيهم وممتلكاتهم على مدار أكثر من مئة عام، إضافة إلى إبراز الدور التاريخي الذي لعبته بريطانيا في هذه القضية.
وأكد منظمو الاحتجاج أن التحرك يأتي ضمن حملة تهدف إلى رفع مستوى الوعي العام بشأن قضايا ملكية الأراضي الفلسطينية والأنشطة العقارية المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية، والدعوة إلى مساءلة الجهات المتورطة في هذه الأنشطة.
صادق خان يعارض الفعالية
وكان عمدة لندن صادق خان أعرب عن معارضته للفعالية العقارية الإسرائيلية، مؤكدا رفضه لأي عمليات تسويق أو بيع لعقارات تقع في المستوطنات الإسرائيلية المُقامة في الضفة الغربية المحتلة.
وقال خان إن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، وإن الأنشطة المرتبطة بتسويق العقارات فيها تثير مخاوف جدية تتعلق بحقوق الفلسطينيين وعمليات التهجير المرتبطة بالاستيطان.
وأضاف أنه ناقش القضية مع شرطة العاصمة البريطانية، مؤكدا أن أي ادعاءات بوجود مخالفات قانونية ستخضع للتقييم والتحقيق من الجهات المختصة.
السفير الفلسطيني
وفي السياق ذاته، كشف السفير الفلسطيني لدى المملكة المتحدة الدكتور حسام زملط أنه وجّه رسالة إلى وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية بشأن فعالية “العقارات الإسرائيلية الكبرى”، معتبرا أنها تروج لبيع عقارات في مستوطنات إسرائيلية مقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة.
وأكد زملط أن الترويج لمثل هذه العقارات يتعارض مع القانون الدولي، مشددا على أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير شرعية، ومطالبا السلطات البريطانية باتخاذ موقف واضح تجاه الفعالية.
اعتراض برلماني
وتزامنت الاحتجاجات مع تصاعد الضغوط السياسية، بعدما وجه عشرات النواب في البرلمان البريطاني رسالة إلى الحكومة البريطانية دعوا فيها إلى اتخاذ إجراءات لمنع إقامة الحدث.
وأشارت الرسالة إلى أن المعرض يروج لعقارات وأراضٍ في مستوطنات إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، من بينها مستوطنة “غوش عتصيون”، التي يحددها الموقع الإلكتروني للفعالية ضمن منطقة تعدها الأمم المتحدة جزءًا من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما تحدثت الرسالة عن تعاون منظمي الفعالية مع “بنك ليئومي” الإسرائيلي، الذي قال الموقعون إنه يشارك في تمويل بناء المستوطنات وتوسيعها من خلال تسهيل عمليات بيع الأراضي المصادرة من الفلسطينيين.
واستند النواب وأعضاء مجلس اللوردات في اعتراضهم إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 19 تموز/ يوليو 2024، والذي خلص إلى أن الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني بموجب القانون الدولي، وأن سياسة الاستيطان الإسرائيلية تنتهك المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على القوة القائمة بالاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي الواقعة تحت الاحتلال.
كما أشارت الرسالة إلى أن المحكمة اعتبرت مصادرة الأراضي الفلسطينية واستغلال الموارد الطبيعية والتوسع الاستيطاني إجراءات تؤدي فعليا إلى ضم الأراضي الفلسطينية وتقويض حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
وذكّر الموقعون الحكومةَ البريطانية بأن المحكمة أكدت أيضا التزام الدول بعدم الاعتراف بالأوضاع الناشئة عن الاحتلال وعدم تقديم أي دعم أو مساعدة تسهم في استمراره.
ورأى الموقّعون أن السماح بإقامة الفعالية يتعارض مع التوجيهات الرسمية للحكومة البريطانية المتعلقة بالأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية، كما يتناقض مع التزامات المملكة المتحدة بموجب القانون الدولي.
وطالبوا الحكومة بتوضيح الإجراءات التي ستتخذها لضمان عدم استخدام العاصمة البريطانية للترويج لأنشطة مرتبطة بالمستوطنات التي يعدها المجتمع الدولي غير قانونية.