لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا أعده بينوا فوكون وسمر سعيد وألكسندر وورد، قالوا فيه إن الولايات المتحدة تضغط على سلطنة عمان المحايدة لكي تختار جانبا في المواجهة بالخليج وتقطع علاقاتها مع إيران.
وجاء في التقرير أن المسؤولين العمانيين سارعوا مع بداية الحرب ضد إيران إلى إنشاء قناة سرية مع طهران، والتي، بحسب مسؤولين عرب، ساعدت دول الخليج على إعادة فتح ممرات الطيران، وهو إنجاز دبلوماسي تحقق بفضل حياد مسقط القائم في الصراع.
وبعد ثلاثة أشهر، بدأ هذا الموقف المحايد يؤتي بنتائج عكسية، إذ تفسر واشنطن بشكل متزايد نهج عمان تجاه طهران على أنه عدائي تجاه أمريكا. وبحسب مسؤولين أمريكيين وعرب، فقد ضغطت على مسقط لكي تختار أحد الطرفين وتقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران.
هددت إدارة ترامب بفرض عقوبات على عمان، بل وحتى قصفها، بعد أن خلص تقييم استخباراتي جديد إلى أن مسقط كانت تخطط للانضمام إلى إيران في فرض رسوم على السفن في مضيق هرمز الاستراتيجي
وفي الأيام الأخيرة، هددت إدارة ترامب بفرض عقوبات على عمان، بل وحتى قصفها، بعد أن خلص تقييم استخباراتي جديد إلى أن مسقط كانت تخطط للانضمام إلى إيران في فرض رسوم على السفن في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك حسب مسؤول أمريكي آخر، مع أن عمان نفت أكثر من مرة نيتها التعاون في هذا المجال.
وقد امتنعت وزارة الإعلام العمانية عن التعليق على الضغوط الأمريكية لقطع العلاقات مع إيران. وأكد وزير الإعلام العماني، عبد الله الحراصي، أن “سلطنة عمان على أتم الاستعداد للعمل مع الولايات المتحدة وجميع الشركاء المسؤولين لتعزيز الاستقرار وردع أي اضطرابات وحماية مصالحنا الاستراتيجية المشتركة”.
وقد اتخذت عمان خلال فترة الحرب نهجا متوازنا بين الولايات المتحدة، حليفتها القديمة، وإيران، جارتها القوية عبر المضيق، وهي استراتيجية تهدف إلى تعزيز فرص تحقيق سلام دائم، وفقا لاثنين من المسؤولين العرب.
وتعلق الصحيفة بأن سلطنة عمان تفقد مكانتها كدولة عربية يشعر الطرفان بإمكانية إقامة علاقات تجارية معها، وإذا انحازت إلى جانب الولايات المتحدة فإنها تخاطر بتكرار الهجمات التي شنتها إيران على جيرانها في الخليج خلال النزاع.
ونقلت الصحيفة عن سنام وكيل، مديرة قسم الشرق الأوسط في “تشاتام هاوس” بلندن، قولها إن نهج عمان تجاه طهران حتى الآن “فتح الباب أمام الانتقادات والتدقيق غير المرغوب فيه لدولة لطالما افتخرت بسياستها الخارجية المحايدة”. وأضافت أن تهديد إدارة ترامب “أبرز التصورات السائدة في بعض الأوساط الأمريكية بأن عمان متعاطفة مع إيران”.
وقالت الصحيفة إن سلطنة عمان، التي لعبت دور الوسيط في جولات سابقة من المحادثات النووية بين واشنطن وطهران، لم تشجب إيران بالاسم بعد الهجمات على حركة الملاحة عبر المضيق وضربات الصواريخ والمسيرات في أنحاء المنطقة.
وقال مصدر مطلع إن عدم القيام بذلك يتماشى مع التقاليد الدبلوماسية العمانية. وعند اندلاع الحرب، قال وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، لوسائل الإعلام العمانية إن الصراع يضعف المنطقة، واقترح على دول الخليج العربية إعادة النظر في علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة. ومن جانبها، وجهت إيران هجمات صاروخية وبالمسيرات أقل بكثير نحو عمان مقارنة بجيرانها الآخرين خلال الحرب.
مع أن مسؤولين عربا وأمريكيين تحدثوا عن استخدام الأراضي العمانية لتوفير بعض الإمدادات اللوجستية للجيش الأمريكي في بداية الحرب، فإن المسؤول الأمريكي أشار إلى أن المساعدة العسكرية كانت محدودة.
وعند سؤال البيت الأبيض عن موقفه من عمان، أحال إلى تصريحات الرئيس ترامب في اجتماع مجلس الوزراء الأسبوع الماضي. ففي يوم الأربعاء الماضي، قال ترامب، في تصريح بدا عابرا، إنه قد يأمر بشن غارات جوية على عمان إذا وافقت على خطة إيران لفرض رسوم على الملاحة البحرية، رغم نفي مسقط المستمر لأي نية من هذا القبيل.
يوم الأربعاء الماضي، قال ترامب، في تصريح بدا عابرا، إنه قد يأمر بشن غارات جوية على عمان إذا وافقت على خطة إيران لفرض رسوم على الملاحة البحرية
كما هدد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت السلطنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بفرض عقوبات إذا فرضت رسوما على السفن لعبور المضيق. وقال للصحافيين في اليوم التالي إن سفير عمان لدى واشنطن، طلال الرحبي، أكد له أن الدولة الخليجية “لا تنوي فرض رسوم”.
وقال مسؤولون عرب إن المسؤولين العمانيين صدموا من العداء الأمريكي المفاجئ، ويعملون على إيجاد طريقة للرد عليه. وقالوا إن أحد الأساليب المتبعة هو إطلاق حملة علاقات عامة لإظهار الدعم الفعال لزيادة حركة الملاحة البحرية عبر المضيق.
وأضاف مسؤول أن ذلك يشمل العمل مع الأمم المتحدة لإقناع إيران بالسماح للسفن التي تحمل مكونات الأسمدة بالمرور بأمان، كبادرة حسن نية تجاه الدول الأفريقية التي تواجه أزمة غذائية.
فمنذ اندلاع الحرب، قدمت عمان مساعدات للسفن، بما فيها سفن أمريكية، من خلال توفير الإرشاد الملاحي وعمليات البحث والإنقاذ والمساعدة الطبية لأطقم السفن، وفقا لمصدر مطلع.
وقال الحراصي إن عمان لا تزال ملتزمة بحرية تدفق التجارة والطاقة عبر مضيق هرمز. وأضاف: “إن أي تهديد لحرية الملاحة في هذه المياه سيضر بمصالح المجتمع الدولي بأسره، بما في ذلك الولايات المتحدة”.
وفي أيار/مايو، كانت عمان الدولة الخليجية الوحيدة التي رفضت التوقيع على بيان للأمم المتحدة بقيادة الإمارات العربية المتحدة يدين خطوة إيران بفرض رسوم عبور في مضيق هرمز.
وتربط عمان علاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة منذ ما يقرب من 200 عام، وهي من أقدم العلاقات التي تربط واشنطن بدولة عربية. كما تربط السلطنة علاقات تاريخية مع الإيرانيين.
ولطالما اعتبرت عمان دولة يمكن لواشنطن الحوار معها، فقد استضافت مفاوضات لإنهاء الحرب بين إيران والعراق في ثمانينيات القرن الماضي، ثم سهلت قنوات اتصال غير رسمية بين طهران وإدارة أوباما، أسفرت عن اتفاق عام 2015 للحد من طموحات إيران النووية.
وفي الآونة الأخيرة، توسطت عمان في جولتين من المحادثات النووية بين طهران وواشنطن، توقفتا بسبب غارات إسرائيلية وأمريكية على الجمهورية الإسلامية في حزيران/يونيو من العام الماضي، ومع بداية النزاع الحالي في 28 شباط/فبراير.
وقال مسؤولون أمريكيون إن بداية عدم ثقة إدارة ترامب بمسقط تعود إلى اليوم السابق لأولى الغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية، عندما ظهر وزير الخارجية العماني على التلفزيون الأمريكي وقال إن اتفاقا بشأن القضايا النووية لتجنب الصراع “في متناول أيدينا، إذا ما أتحنا للدبلوماسية المساحة اللازمة لتحقيقه”.
قال مسؤولون أمريكيون إن بداية عدم ثقة إدارة ترامب بمسقط تعود إلى اليوم السابق لأولى الغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية، عندما قال وزير الخارجية العماني إن اتفاقا بشأن القضايا النووية لتجنب الصراع “في متناول أيدينا”
وأكد المسؤولون أنه لم يكن هناك اتفاق قريب إلى هذا الحد، مشيرين إلى أن إيران لم تقدم عرضا جادا للحد من برنامجها النووي.
ومنذ ذلك الحين، سعت إدارة ترامب إلى تهميش عمان في أي عملية دبلوماسية، على الرغم من عدم وجود خطة حقيقية لمهاجمة البلاد بسبب دعمها لإيران، حسب مسؤولين أمريكيين، وذلك على الرغم من تصريح ترامب في اجتماع مجلس الوزراء الأسبوع الماضي.
وقد كشف النقد الأمريكي عن ضعف وصول عمان إلى دوائر النفوذ الأمريكية. فعمان، وهي دولة منتجة للنفط أقل عددا وأقل ثراء من معظم نظيراتها في الخليج العربي، تفتقر إلى النفوذ داخل أروقة السلطة في واشنطن الذي يتيح لها الحصول على عقود تجارية وعسكرية ضخمة.
ولا تستضيف عمان، التي استخدمت موانئها مركزا لوجستيا عسكريا من قبل البنتاغون، قاعدة عسكرية أمريكية، على عكس الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والسعودية والكويت.
وقد أثار انخراط عمان مع إيران استياء ليس فقط لدى الولايات المتحدة، بل أيضا لدى حلفائها في المنطقة، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة والسعودية، اللتين تعتبران جارتهما متحالفة بشكل وثيق للغاية مع إيران.
وقد أثارت مسقط غضب الإمارات العربية المتحدة. ويقول مسؤولون عرب إن عمان ترفض بشكل منهجي التوقيع على البيانات المشتركة الصادرة عن الولايات المتحدة ودول المنطقة التي تدين الهجمات الإيرانية، وكذلك السعودية.
فعندما استهدفت مسيرات إيرانية موانئ عمان، أقرت عمان بالحادثة لكنها لم تحمل طهران المسؤولية.
وكان السلطان العماني هيثم بن طارق آل سعيد الزعيم الخليجي الوحيد الذي هنأ مجتبى خامنئي على تعيينه مرشدا أعلى جديدا لإيران بعد وفاة والده، علي خامنئي، في بداية الحرب.
ويقول مسؤولون عرب إن عمان زعمت أن رفضها إدانة إيران بشكل مباشر، بما في ذلك حصار مضيق هرمز، يهدف إلى المساعدة في إنهاء الحرب نهائيا.
وقال الحراصي، وزير الإعلام العماني: “في منطقة مضطربة، تعني القيادة المسؤولة إبقاء قنوات التواصل مفتوحة ومنع تصاعد التوترات إلى صراع”.
وقال أحد المسؤولين إن عمان اليوم لا تنتقد بشكل مباشر مطالبة إيران بفرض رسوم المرور لأن مسقط تعتبرها مجرد أداة تفاوض أخرى، خاصة لتأمين الإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال المجمدة بسبب العقوبات الأمريكية والدولية.