رام الله – «القدس العربي»: بعد حوارات هادئة ووساطات جمعت ثنائي قضية الفيلم الروائي «فلسطين 36» للمخرجة آن ماري جاسر، ورواية «زمن الخيول البيضاء» للكاتب إبراهيم نصرالله، وصلت القضية إلى طريق مسدود، حيث دخلت إلى أروقة المحاكم والقضاء.
وحسب معلومات وصلت «القدس العربي»، فقد قرر نصرالله الدخول في مسار قضائي، بعد عدة محاولات لم يكتب لها النجاح لحل الإشكال الإبداعي عبر التوفيق بين الموقفين.
وعلمت «القدس العربي»، أن القرار اتخذ فعلا وهو أمر منع كلا الطرفين من تقديم إجابات تفصيلية حول الحادثة الإبداعية، أو تداعياتها التي أصبحت موضوعا شغل الوسط الثقافي الأدبي والسينمائي. وجاء التحرك القانوني بعد أن أعلن الروائي نصرالله تمسكه «بحقوقه الأدبية والفكرية كاملة»، على خلفية ما وصفه بـ»تشابهات جوهرية» بين فيلم «فلسطين 36» للمخرجة آن ماري جاسر، ورواية «زمن الخيول البيضاء» الصادرة عام 2007.
وجاء في البيان الصادر عن مكتب نصرالله: «تابع مكتب الكاتب إبراهيم نصرالله باهتمام عرض الفيلم السينمائي «فلسطين 36»، وما أثير حوله في عدد من الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن قِبل المُشاهدين من ملاحظات تتعلق بوجود تشابهات جوهرية مع رواية «زمن الخيول البيضاء»، سواء على مستوى عدد من الشخصيات الرئيسية، أو سياق الأحداث، أو البنية الدرامية والسردية للعمل».
وأضاف البيان: «لقد بدأ نصر الله العمل على روايته منذ عام 1985، قبل صدور طبعتها الأولى عام 2007 بعد اثنين وعشرين عاما من البحث والكتابة. وهي رواية حظيت بحضور عربي وعالمي واسع، وصدرت منها ثلاثون طبعة عربية، وتُرجمت سبع مرات، وفاز عنها كاتبها بجائزة نيوستاد العالمية للآداب 2026، بحيث أصبحت إحدى أبرز السرْديات الفلسطينية المعاصرة، كما يجري العمل على تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني».
بعد فشل الوساطات… معركة الاقتباس تنتقل من الكواليس إلى المحاكم
ورأى البيان أن عقد مقارنة موضوعية بين الرواية والفيلم يثير تساؤلات مشروعة، تتصل بحدود الاستلهام الفني وآليات الاقتباس من الأعمال الأدبية، لاسيما حين تتجاوز نقاط التقاطع الإطار التاريخي العام المشترك، لتطال تفاصيل درامية وبنيوية، وأنماط شخصيات وسياقات اجتماعية ووظائف سردية متقاربة إلى حدٍّ لافت. وفي الوقت الذي يؤكد فيه المكتب احترامه الكامل للجهات التي دعمت الفيلم، ولوزارة الثقافة الفلسطينية، التي رشحته لجوائز دولية؛ فإنه يشدد في المقابل على تمسّك الكاتب إبراهيم نصرالله بحقوقه الأدبية والفكرية كاملة، بوصفها حقوقا يكفلها القانون وتحميها المعايير الثقافية والأخلاقية.
ويأتي هذا البيان انطلاقا من الحرص على الشفافية وفتح باب الحوار القانوني والثقافي المسؤول، بعيدا عن إطلاق الأحكام المسبقة، مع احتفاظ الكاتب إبراهيم نصرالله الكامل بحقوقه القانونية والأدبية والمعنوية والمادية كافة، التي يكفلها القانون.

بدورها قالت المخرجة آن ماري جاسر، إنها فوجئت جدا ببيان الكاتب إبراهيم نصرالله، الذي نشر قبل أيام من مكتبة في عمان، وخلاله أكد أنه لا يتنازل عن حقوقة الملكية والأدبية. وأشارت المخرجة جاسر في حديثها مع «القدس العربي» إلى أنها «لم تقرأ أياً من رواياته»، وأكدت أنه ومن المهم الإشارة إلى أن جميع من شاركوا في هذا الفيلم، تم ذكرهم في الشارة، بما في ذلك جميع المؤرخين والأكاديميين الذين عملت معهم، ومنهم جوني منصور، إليزابيث تومبسون، وتشارلز أندرسون.
وأضافت: «الفيلم مبني على سيناريو أصلي كتبته أنا، وفي المراحل الأولى من تطوير العمل تعاونت أيضا مع الروائية سلمى دباغ، وقد تم ذكر اسمها كذلك في الشارة». وأضافت: «يؤسفني ما كُتب (بيان الروائي نصرالله)، وأؤكد أنه لم يكن هناك أي اقتباس. وإذا وُجد أي تشابه، فذلك يعود إلى أن العمل يتناول ملحمة تاريخية تدور في فترة مفصلية من الصراع الفلسطيني مع الاستعمار، وهي أحداث وشخصيات ووقائع تشكّل جزءا من الذاكرة والتاريخ الجماعي الفلسطيني».
وعلمت الصحيفة أن القائمين على الفيلم في صدد نشر بيان صحافي يحدد موقفهم من القضية والإشكاليات التي ترافقت مع ذلك في أول رد رسمي من القائمين عليه.
وتحدثت «القدس العربي» مع الكاتب إبراهيم نصرالله، حيث اعتبر أن الملف أصبح أمام القضاء، وهو ما يجعله يحجم عن التحدث في هذا الأمر، «كي لا تتم إعاقته».
وفي السياق ذاته دعا كتاب ومثقفون فلسطينيون تحدثوا لـ«القدس العربي» إلى ضرورة وجود أطراف فلسطينية تقوم على حل الإشكالية التي نشبت بين الطرفين، كي لا يضيع الإبداع الفلسطيني في صراعات وخلافات قانونية. وطالبوا بدورهم بضرورة تدخل وزارة الثقافة الفلسطينية، بصفتها جهة قامت بترشيح فيلم «فلسطين 36» إلى جائزة الأوسكار، ليكون ممثلا عن دولة فلسطين، لتكون طرفا فاعلا بين المخرجة جاسر والروائي نصرالله. وعلمت «القدس العربي»، أن دخول الموضوع إلى أروقة المحاكم، وهو ما يعني إجراءات قانونية جاء بعد أشهر من النقاش الداخلي الهادئ بين الطرفين، لكن لم يكتب له النجاح.
يذكر أن وزارة الثقافة الفلسطينية كانت قد رشحت فيلم « فلسطين 36» لتمثيل فلسطين رسمياً عن فئة الفيلم الدولي الطويل لجوائز «الأوسكار» في دورتها الثامنة والتسعين لعام 2026..
يتتبع الفيلم جذور النكبة الفلسطينية المستمرة، كاشفا كيف أن القوى الاستعمارية، وعلى رأسها بريطانيا، أوجدت فخا جيوسياسيا للفلسطينيين، حيث يوثّق لحظة محورية تصادمت فيها بوحشية الهيمنة الاستعمارية والمقاومة الوطنية والأزمات الإنسانية، حيث مهّد اعتماد البريطانيين على الميليشيات الصهيونية وقمعهم الوحشي لثورة 1936-1939 الطريق لاستمرار النكبة بلا هوادة. وقالت وزارة الثقافة إن الفيلم يتجاوز أسلوب السرد التقليدي، ليبتكر لغة سينمائية خاصة وجريئة، تمزج بين جماليات المشهد، وتوظيف الأرشيف، وسرد تاريخي، في عمل شعري متكامل وإدارة فنية قوية. تميزت شخصيات الفيلم بتنوعها واختلافها مع ارتباطها وتشابكها بفلك المكان الحاضر من البداية إلى النهاية (فلسطين). كما أضافت اللغة البصرية والسينماتوغرافي إلى بيئة المكان وإيقاعه بشكل منسجم مع الحقبة التاريخية والمشاهد الأرشيفية. بلغة سينمائية عميقة ومستوى إنتاجي عال، تمكن الفيلم من إعادة واستعادة التاريخ والرواية في حقبة راهنة وحاضرة، ليتجاوز قالب الملحمة التاريخية إلى ملحمة راهنة تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.
وفي السياق ذاته، نشر ناشطون ومهتمون ما أطلق عليه أبرز عناصر التلاقي بين الرواية والفيلم، حيث جاء في تلك المنشورات حول الشخصيات أن الرواية قدمت شخصية الشاب المتعلم الوحيد في القرية، وهو محمود، الذي يعمل مع الزعامات الفلسطينية الفاسدة، الواقع في حب الفتاة القروية عفاف في الرواية. وكذلك العلاقة الخاصة بين الأب خالد وابنه المتعلم محمود، بسبب بعده عن القرية. وفي المقابل عرض الفيلم شخصية الشاب المتعلم الوحيد في القرية، يوسف، البطل الرئيسي للفيلم، وهو يعمل مع الزعامات الفلسطينية الفاسدة، الواقع في حب الأرملة القوية «أم عفراء»، كذلك العلاقة الخاصة بين الأب رأفت وابنه يوسف، بسبب بعده عن القرية. وتحضر في الرواية أيضا شخصية الخوري العربي الوحيد في القرية الذي يساعد أهلها، وتقابلها كذلك شخصية الخوري العربي الوحيد في القرية.
مكتب إبراهيم نصرالله: عقد مقارنة موضوعية بين الرواية والفيلم يثير تساؤلات مشروعة، تتصل بحدود الاستلهام الفني وآليات الاقتباس من الأعمال الأدبية
وهو ما تكرر كذلك مع شخصيات سليم بيك الهاشمي، الفاسد الذي يستغل الشاب المتعلم محمود (الرواية)، الذي يتقاطع مع شخصية أمير بيك الفاسد، الذي يستغل الشاب المتعلم يوسف (الفيلم)، وكذلك شخصية الضابط الإنكليزي القاسي برسون المسكون بالقرية، وتقاطع مساراته مع بطل الرواية، هذا الضابط ظهر في كل مكان: المدينة والقرية، له علاقة بأهل الهادية وبالحاج خالد الثائر وهو ما يتقاطع مع شخصية ذكرت في الفيلم للضابط الإنكليزي القاسي «ونغيت» المسكون بالقرية، وتتقاطع مساراته مع بطل الرواية، ويظهر هذا الضابط في كل مكان: المدينة والقرية، له علاقة بأهل البسمة ويوسف، الذي يصبح ثائرا.
وكذلك شخصية رئيس التحرير الفاسد الذي يلمّع صورة الفاسدين الفلسطينيين والمتعاونين مع الإنكليز تتقاطع مع شخصية رئيس التحرير الفاسد في الفيلم، الذي يلمّع صورة الفاسدين الفلسطينيين والمتعاون مع الإنكليز، وهو أمير بك أيضاً.

أما من حيث الأحداث فتقدم الرواية مستوطنة تبنى مقابل القرية، بأبراج خشبية، يقترب منها واحد من أهل القرية فيقتل برصاصة من البرج، أما في الفيلم فهناك مستوطنة تبنى مقابل القرية بأبراج خشبية، يقترب منها واحد من أهل القرية فيقتل برصاصة من البرج، وكذلك يحضر في الرواية حرق حقول القرية من قبل المستوطنة، وإطلاق النار من البرج على أحد أبناء القرية، وهو ما تكرر في الفيلم. وكذلك السهرة الماجنة التي تقيمها روزلين التي تجمع العرب والإنكليز واليهود حيث جاءت في الفيلم أيضا.
آن ماري جاسر: الفيلم مبني على سيناريو أصلي كتبته أنا… وأؤكد أنه لم يكن هناك أي اقتباس
وهناك تشابه في الكثير من الأحداث ومصائر الأبطال بين العملين، حيث يشن الإنكليز عملية عسكرية على القرية، ويتم تجميع السكان في ساحة القرية وما يترافق ذلك من ظهور الجاسوس الفلسطيني، وكذلك إعدام مواطن فلسطيني، وقيام أحد السكان بالاعتراف بمكان السلاح الخاص بالمقاومين.
وفي الرواية يستشهد بطل الرواية بعد محاصرته، في ما يقوم أحد الشبان في عملية انتقامية في نهاية الرواية، كما يتم حرق القرية ليلا، وفي الفيلم يستشهد بطل الرواية ويقوم كريم الشاب الصغير بعملية مقاومة ضد الإنكليز وفي نهاية الفيلم يتم حرق القرية وطرد سكانها.
يذكر أن تكلفة إنتاج فيلم «فلسطين 36» (Palestine 36) وصلت نحو 6 ملايين دولار. وهو دراما تاريخية صدرت في عام 2025، ويرصد أحداث الثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939)، وقد شاركت في إنتاجه عدة دول منها فلسطين، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والدنمارك، وقطر، والسعودية، والأردن.
وقال مثقفون فلسطينيون إن «لبس الاعتداء وارد»، حيث رأوا أن الحل بسيط وهو أن يقوم صانعي الفيلم بالاستدراك في المسألة، من خلال اعتبار إنه «زمن الخيول» أحد المصادر التي استعان بها الفيلم بالحد الأدنى. ونفت مصادر مقربة من الكاتب نصرالله عدم معرفة القائمين على العمل بهوية الكاتب وروايته بدليل وجود تواصل للتعاون معه لتقديم شخصية شاعر في الفيلم، وهو ما تمت الاستعاضة عنه بشخصية الصحافي.
وشدد المتحدثون على أن الحل الفعال هو أن تلعب وزارة الثقافة كونها هي التي رشحت الفيلم أولاً للأوسكار، وهي علاقة طيبة من طرفي المشكلة القانونية.
بدورها، عبرت مديرة دائرة السينما في وزارة الثقافة لينا البخاري في حديث لـ»القدس العربي» عن أسفها إلى ما وصلت إليه الأمور بين المبدعين جاسر ونصرالله. وقالت: «إن تصل الأمور إلى القضاء فهذا يعني أن الخلاف امتد حيث هناك من اتخذ إجراء متدحرجا يترتب عليه الكثير من الأمور.. وهو أمر لا يخدم الثقافة ولا الإبداع الفلسطيني». وشددت في حديث خاص بـ»القدس العربي»، على أن وزارة الثقافة ليست منتجة كما أنها ليست ناشرة للعمل الأدبي، لكنها حاولت أن تكون وسيطا بين الطرفين من دون أن يترتب على ذلك أي نتيجة. وقالت إن الوزارة تفضل الانتظار في هذه اللحظة لغاية الوصول إلى معرفة كيف ستسير الأمور في القريب العاجل.
وتمنت البخاري ألا تقوم وسائل الإعلام بأي دور سلبي في تصعيد الموقف بين الطرفين عبر النشر والنشر المضاد، وتصعيد المواقف عبر نشر البيانات والرد عليها. وأكدت أن واقع الخلافات التي تحل عبر أورقة المحاكم يخلق بيئة غير ملائمة لأي مبدع فلسطيني. وتابعت: «تدخلنا كوزارة عادة لا يكون بناء على أقاويل وآراء وتحديدا في ظل أن الأمور أخذت منحى خارجيا.
وخلصت إلى أن الوزارة تنتظر وتسعى كي تكون جهة تحكيم فلسطينية.. «لكننا ننتظر الأمور.. ويؤسفنا ما آلت إليه».