قد أنحاز للعنوان الفرنسي لهذا الفيلم، «أوتوفيكشن» (Autofiction)، أكثر من الإسباني، «ميلاد مرّ» (Amarga navidad). فهو فيلم عن السيرة الذاتية لمؤلفها، عن الكتابة، عن الخيال ومدى نسخه للواقع مهما توارى. وهو ليس فيلم عيد الميلاد، وهو ليس تماماً عن أيام مريرة يمكن أن تعيشها شخصيات، على الأقل بالمقارنة مع أفلام سابقة لألمودوفار، حيث المرارة تسيطر على عواطف شخصيات رئيسية له.
لكنه كذلك عنوان فيلم داخل هذا الفيلم، تكتبه الشخصية الرئيسية، هو «ميلاد مرّ». نحن في «ميلاد مرّ» داخل «ميلاد مرّ». لسنا وحسب في الميتافيكشن، أو الفيلم داخل الفيلم، بل في الفيلم داخل الفيلم ذاته، عنواناً وقصة. قد لا يفعلها سوى ألمودوفار المأخوذ في مسألة الخلق، الإبداع السينمائي، من دون إرباك أو خلل، أو هفوة في سرد يتطاير بين الشخصيات، تلك التي في الطبقة العليا من الفيلم، الذي أخرجه ألمودوفار بعنوان «ميلاد مر»، وتلك التي أخرجتها الشخصية الرئيسية لفيلم المودوفار، راؤول وهو مخرج سينمائي معروف، كذلك بعنوان «ميلاد مر».
قد لا يفعلها سوى المعلّم الإسباني بهذه السلاسة والجمال، بهذه الدقة في الانتقال من حالة إلى أخرى، من محنة وعقدة إلى التالية، ومن بعد سيرة فيلمية طويلة تمرّس بها، وقد قارب الموضوع في تنويعاته، في معظم أفلامه، من «نساء على حافة انهيار عصبي» (1988) إلى «ألم ومجد» (2019)، مروراً بـ»كل شيء عن أمي» (1999) و»تحدّث إليها» (2002) و»التعليم السيّء»(2004) و»عناقات متكسرة» (2009)، وغيرها. في الحقيقة، يمكن باطمئنان ملاحظة عنصرَي الميتافيكشن والأوتوفيكشن، أي أسلوب الفيلم داخل الفيلم، والسرد الذاتي، وأحدهما أو كليهما، يمكن ملاحظتهما في عموم أعمال ألمودوفار، قاربت شخصياتها السينما، أو الأدب أو المسرح أو حتى التلفزيون. ليكون عمله الأخير، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، محصلة جمالية، أسلوباً وسرداً، لعموم السيرة الفيلمية له.

يبدأ الفيلم بلقطات وموسيقى شديدتَي الألمودوفارية، لألبرتو إغليسياس الرفيق الدائم، بتصميم بصري للخطوط على الشاشة. عاد المعلم الإسباني بديكوراته وأزيائه الأثيرين، وكلامه وعالمه الإسبانيّين بعد بضعة أفلام طويلة وقصيرة بالإنكليزية. ندخل إلى عوالمه من دون مقدمات، نعرف جيداً هذا الطبَق ونحبّه، من اللقطة الأولى، من النغمة الأولى، من اللون الأول.
في الفيلم تتداخل المَشاهد، في طبقتَيها، تلك المباشرة، حيث راؤول يكتب عمله السينمائي الجديد بعد انقطاع لخمس سنوات أمضاها في صناعة وثائقي وتأليف كتب والسفر إلى تكريمات. لامسه الوحي أخيراً، وبدأ بالكتابة، لكن مستلهماً من الحياة المضطربة لمساعِدته التي تتحضّر للرحيل. هنا، يتخذ الفيلم منحى آخر، انعطافة فجائية وصولاً إلى مشهد مواجهة بينهما، سيكون من بين الأفضل في تاريخ السينما حول الحدود، إن وجدت، بين الخيال والواقع، وأحقية الأول في التلصص على الأخير. يكتب راؤول مسودات، يكتب ويمحو، يؤلف بقدر ما ينسخ، من ذهنه بقدر ما هو من حياة مساعِدته وصديقتها.
للقصة التي يكتبها راؤول تاريخ محدد هو 2004، ولتلك التي يكتب فيها، تاريخ آخر هو 2026، ما سهّل من التمييز بصرياً بين الطبقتين من السرد.
لكن للإشارة إلى التاريخين تلميح إلى أن ما يكتبه قد حصل فعلاً، كأننا في فيلم واحد بزمنين لشخصياته ذاتها، وينتقل الفيلم بشكل غير خطّي في قصته من خلالهما. المسألة مختلفة هنا، الزمن الأول خيالي والأخير واقعي. لكن، للحقيقة، الزمانان واقعيان في حياة راؤول، الذي بنى قصته متلصصاً على واقع آخرين من حوله. راؤول الذي نراه يخرج من صالة سينما تعرض فيلم «المتلصص» (Peeping Tom) لمايكل باول، حيث التلصص على آخرين هاجس.
يغيّر الفيلم مساره بحدة حين تقرأ مساعِدته السيناريو، وتنفجر غاضبة لوضوح حضور صديقتها فيه، وهي مخرجة إعلانات تمر بنوبات ذعر، بينما كانت أمها تحتضر. كتبَ قصة صديقتها مكتفياً بتغيير في الأسماء، لوّن في فيلمه مأساتها أو أيامها المريرة، وحالة الفقدان القاتمة التي عاشتها. يقول لمساعدته مدافعاً عن نفسه إنه كتب خيالاً، فتغضب، يقول إنه غيّر في الأسماء، فتزداد غضباً صارخة في وجهه، بأن يوفر عليها هذا الهراء، في أن الخيال مفصول عن الواقع. أخيراً، بعدما كتب راؤول كلمة «النهاية» وطبع السيناريو، يستدرك ويحاول تغيير المآل المأساوي على الأقل.
يتقدم «ميلاد مرّ» في تنقلات بين خيال مخرجَين، ألمودوفار الذي يكتب قصة راؤول، والأخير الذي كتبه ألمودوفار ليكتب قصة مستوحاة من واقعه. لكن، وهذا ما يعيدنا إلى العنوان الفرنسي، «سيرة ذاتية»، وإلى عموم سيرة ألمودوفار الفيلمية، فإن كل تفصيل في الفيلم، سردياً وبصرياً وموسيقياً، ما يحث على استعادة عموم سيرة ألمودوفار الفيلمية والسؤال في مدى واقعيتها عن خيالها. الفيلم شرح منهجي، فني، لطبيعة الكتابة الخيالية، ولا يبتعد ذلك عن مواضيع ألمودوفار ذاته، كما لا يبتعد عن عموم عملية الخلق، أدباً وسينما. هو همٌّ دائم الحضور في سينما المعلم الإسباني، وإن تشابهت عوالم هذه السينما، كأنها أحداث بالسياق ذاته، تنزاح الكاميرا عن أحد أوجهها، هو فيلم ما، لتصوّر آخر.
هذا كله يجعل من الكتابة السينمائية الألمودوفارية، العظيمة، متوالدة، في كتابة الشخصيات وتلوينها، بأفلام واحدها يأتي عن الآخر، ليكون هذا الفيلم، «أوتوفيكش» أو «ميلاد مرّ»، اعترافاً شخصياً لتماهي الخيال مع الواقع لديه، هما الشيء ذاته. هو اعتراف بواقعية المكتوب، وبخياليته في الوقت ذاته. هي كذلك السيرة الفيلمية له، سيرة واحدة متعددة القمم يعتليها اليوم، بشخصيات متعددة، بأفلام متعددة، لكنها، وهذا ما يجعلها عملاً واحداً طويلاً، بالألوان ذاتها، بالموسيقى ذاتها، بالبيرسونا، أو الشخوص والأقنعة والنبرات، ذاتها، أو، بكلمة، بالألمودوفارية ذاتها.

كاتب فلسطيني سوري