في كل مرحلة تشهد ازدهارًا في النشر الأدبي، يعلو بالتوازي صوت آخر لا يقل حضورًا عن النصوص نفسها؛ صوت التذمر من «الرداءة»، والشكوى من «انحدار الذائقة»، والتحذير من «الخطر الذي يهدد الأدب»، حتى ليبدو المشهد أحيانًا وكأنّ الأدب يقف على حافة الهاوية، وأنّ ثمة أوصياء متأهبين لإنقاذه من طوفان الكتب التي لا تُرضي معاييرهم الخاصة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل المشكلة فعلًا في كثرة الأعمال الضعيفة، أم في الطريقة التي ينظر بها بعضهم إلى المشهد الإبداعي كله؟
من الطبيعي أن تتفاوت مستويات الكتابة؛ فالإبداع، بطبيعته، ليس خط إنتاج متجانسًا، ولا معادلة رياضية يمكن إخضاعها لمقاييس دقيقة ونهائية، فعبر التاريخ كله، لم تكن الروائع هي السائدة، بل كانت استثناءً وسط كمّ هائل من المحاولات والنصوص المتفاوتة، ولو تأملنا أي مرحلة أدبية مزدهرة، لوجدنا أنّ ما بقي منها في الذاكرة أقل بكثير مما نُشر فيها، وما بقي مجهولًا على الرفوف ربما أعظم وأبهى وأروع، ولكن حظه أن يبقى في الظل لسبب أو آخر.
لذلك فإنّ وجود أعمال ضعيفة أو عادية ليس ظاهرة طارئة ولا كارثة ثقافية، بل جزء طبيعي من حركة الكتابة نفسها؛ فالإبداع الحقيقي يولد غالبًا من كثرة المحاولات، ومن حق الجميع أن يكتبوا ويجربوا ويخفقوا ويتطوروا.
إنّ المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتحوّل النقد من قراءة موضوعية للنصوص إلى حالة من التعالي والإقصاء؛ فبعض المتذمرين لا يكتفون بالشكوى والتذمر، بل يتعاملون مع أنفسهم بوصفهم المعيار الأعلى للذائقة والإبداع، وكأنّ ما لا يعجبهم يفقد تلقائيًا حقه في الوجود، وهنا يغدو الحديث عن «الدفاع عن الأدب» ستارًا خفيًا لنزعة أستذة واستعلاء أكثر منه حرصًا حقيقيًا على الفن.
والأخطر من ذلك، أنّ هذا التذمر يتجاوز أحيانًا حدود النص إلى شخص الكاتب نفسه؛ فيتحوّل النقد إلى تصفية حسابات، أو إلى إسقاط للعلاقات الشخصية على الأحكام الأدبية، فيُهاجَم الكاتب لا كتابه، وتُناقَش النوايا بدل مناقشة البنية والأسلوب والرؤية الفنية، وهنا يفقد النقد قيمته الأخلاقية والمعرفية، لأنّه ينتقل من مساحة الحوار إلى مساحة التشهير والانتقاص.
ولا شك أنّ وسائل التواصل الاجتماعي زادت من حِدّة هذه الظاهرة؛ إذ أصبح إطلاق الأحكام أمرًا بالغ السهولة، إذ يكفي أن يقرأ أحدهم بضعة نصوص حتى يمنح نفسه سلطة إعلان موت الأدب أو سقوط الرواية أو انحدار الشعر، وفي كثير من الأحيان، يتحوّل المشهد إلى ضجيج كثيف لا ينتج معرفة حقيقية، ولا يقدم بدائل جادة، ولا يفتح أفقًا للنقاش، بل يكتفي بإشاعة الإحباط والتقليل من جهود الآخرين.
إنّ النقد الحقيقي لا يقوم على التعميم، بل على التحديد والتحليل؛ فالناقد الموضوعي الجاد لا يقول إنّ «كل ما يُكتب رديء»، ولكن يقرأ عملًا بعينه، ويشير إلى مواطن القوة والضعف فيه وفق معايير واضحة ومبررات مقنعة. كما أنّ النقد الحقيقي لا يكتفي بالهدم، وإنّما يسهم في بناء الذائقة عبر الإشارة إلى النماذج المتميزة والاحتفاء بها وتعريف القراء بها. فالإسهام في ترقية المشهد الأدبي لا يتحقق بالصراخ، بل بإنتاج قراءة عميقة، أو تقديم نموذج إبداعي أفضل.
كنت أود القول إنّ الزمن كفيل بإبراز الأعمال الجميلة ونبذ وإسقاط الرديئة، ولكنّ فكرة «غربلة الزمن» نفسها ليست دقيقة تمامًا كما يبدو؛ فالتاريخ الأدبي لا يخضع دومًا لقانون الجودة الخالص، فهناك أعمال عادية ومتواضعة حظيت بشهرة واسعة بفعل الدعاية، أو الظروف الفكرية، أو انسجامها مع مزاج العصر، أو لسلاستها ولغتها الفاتنة، في حين اندثرت أعمال عظيمة لأنّها لم تجد من يسلط الضوء عليها، وهذا يعني أنّ الشهرة ليست دليلًا قاطعًا على القيمة، كما أنّ النسيان ليس حكمًا نهائيًا على ضعف العمل.
إنّ روايات مثل: «مائة عام من العزلة» لغابرييل ماركيز، و«الحارس في حقل الشوفان» لجيروم سالينجر، و«الخيميائي» لباولو كويلو، و«في قلبي أنثى عبرية» لخولة حمدي، و«قواعد العشق الأربعون» لإليف شافاق، وغيرها الألوف عالميًا وعربيًا، اشتهرت كثيرًا، وحظيت بمقروئية عالية، وبعضها نال جوائز مثل نوبل، إلا أنّها تعرضت وما زالت لنقد شديد، يقلل من قيمتها، ويؤكد تواضعها وأنّها لا تستحق كل هذه الشهرة والضجيج، ولكن هذا يؤكد أنّ تباين الذائقة والقبول والتلقي هو من طبيعة الأدب، ومن الصعب وربما المستحيل أن نجد إجماعًا إيجابيًا على عمل معين.
إنّ أخطر ما في بعض خطابات التذمر أنّها تمنح أصحابها دور «حرّاس الأدب»، وكأنّ الأدب مؤسسة مغلقة تحتاج إلى إذن للدخول إليها، بينما الحقيقة أنّ الأدب أكثر رحابة من ذلك بكثير؛ إنّه فضاء مفتوح للتجريب والتنوع والاختلاف، تحكمه في النهاية حركة القراءة والتلقي وتبدل الأذواق وتعدد المرجعيات.
ولعل الأجمل والأكثر نبلًا أن ينشغل الكاتب بتحسين صوته الخاص بدل الانشغال الدائم بإدانة أصوات الآخرين، فالكتابة الحقيقية فعل بناء لا فعل وصاية، والموهبة الواثقة لا تحتاج إلى تحقير الآخرين كي تثبت نفسها، وربما لهذا تبدو عبارة المفكر الإيراني علي شريعتي عميقة الدلالة حين يقول: «خيرٌ لك أن تقضي وقتك بالسعي لإدخال نفسك الجنّة، بدل السعي لإثبات أن غيرك سيدخل النار»، ويلتقي معها قول الشاعر الأردني أكرم الزعبي: «انشغالك بنفسك يمنعك من سوء الظن واستنتاج نوايا الآخرين، ويحميك من الانزلاق ممّا يعنيك إلى ما لا يعنيك».
وبعد؛ فإنّه لن ينقذ الأدبَ الضجيجُ، ولا حملاتُ التذمر، ولا ادعاء الوصاية على الذائقة، ما ينقذه حقًا هو الإبداع الجاد، والنقد النزيه، والقدرة على تقديم نماذج مضيئة بدل الاكتفاء بلعن الظلام.
وأخيرًا؛ أؤكد أنّ مقالتي هذه ليست تذمرًا من المتذمرين، بل انتصار لحرية الكتابة والتعبير والنشر دون خوف من ألسنة حِداد، همها العويل ولطم الخدود وشق الصدور، ولنترك لحركة التدافع الأدبي أن تقول كلمتها بهدوء وأدب كما يليق بكل منتسب للأدب.
كاتب أردني