ثمة لحظات في التاريخ يخيل فيها أن الأحداث لا تكرر نفسها، بل تأتي كالقافية. التاريخ لا يكرر نفسه بالضبط، لكنه يعرف كيف يطرح أفكاراً قديمة عندما يتغير الواقع ويتبدل اللاعبون. عقيدة مونرو في القرن الـ 19، وعقيدة ترومان بعد الحرب العالمية الثانية، ومشروع مارشال، وإقامة الناتو، وعقيدة آيزنهاور في الشرق الأوسط والعقائد اللاحقة لرؤساء أمريكيين آخرين – كلها نبعت من المفهوم الأساس إياه: الولايات المتحدة لا ترى نفسها فقط كدولة تحمي حدودها، بل كقوة عظمى ذات مسؤولية عن تصميم نظام إقليمي وعالمي.
في كل واحدة من هذه المبادرات تغير الأعداء والأدوات والملابسات، لكن بقي مبدأ واحد: الولايات المتحدة تسعى لمنع وضع تحقيق سيطرة في منطقة ذات أهمية استراتيجية. أحياناً فعلت هذا من خلال أحلاف عسكرية، وأحياناًمن خلال مساعدة اقتصادية وترميم دول، وأحياناً من خلال خلق شبكة حلفاء متعلقين بقدر ما بالمظلة الأمنية والاقتصادية الأمريكية.
من زاوية النظر هذه، يمكن أن نفهم الإحساس بأنه بعد 70 سنة من محاولة واشنطن تصميم الشرق الأوسط من خلال حلف بغداد وعقيدة أيزنهاور تستأنف محاولة أمريكية مرة أخرى لخلق نظام إقليمي جديد. الخصوم مختلفون هذه المرة: إيران، التي تسعى لتوسيع نفوذها من خلال شبكة حلفاء ومنظمات مسلحة؛ والصين التي تعمق حضورها في المنطقة من خلال استثمارات وبنى تحتية ومشروع “الحزام والطريق”. وبدلاً من صراع أيديولوجي بين الشيوعية والغرب، يدور الحديث اليوم عن صراع على النفوذ، ومسارات التجارة، والطاقة والقدرة على تثبيت قواعد اللعب.
السؤال المطروح هو إذا كان الحديث يدور عن حلف بغداد جديد أم عن صيغة حديث لعقيدة آيزنهاور. الجواب ليس بسيطاً. لا يوجد اليوم ميثاق رسمي، لا توجد وثيقة تأسيسية ولا يوجد إعلان أمريكي عن إقامة حلف جديد. لكن التاريخ يعلمنا بأن الأنظمة الإقليمية لا تنشأ دوماً من خلال مراسم توقيع وإعلانات احتفالية. أحياناً تتبلور بالتدريج من خلال مصالح مشتركة، ارتباطات أمنية، اتفاقات طاقة، استثمارات وتعلق متبادل.
التكيف مع الواقع الجديد
كي نفهم المنطق الأمريكي الحالي ينبغي أن نعود إلى الخمسينيات. بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح الشرق الأوسط ساحة منافسة مركزية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. واشنطن خافت من أن تستغل موسكو أهمية مقدرات النفط والمسارات الاستراتيجية في المنطقة كي توسع نفوذها. حلف بغداد، الذي أقيم في العام 1955، كان يستهدف خلق حزام أمني إقليمي يضم تركيا، العراق، إيران، باكستان، وبريطانيا. عقيدة آيزنهاور الذي أعلن عنها في العام 1957 وسعت الالتزام الأمريكي للشرق الأوسط من خلال وعد بمساعدة الدول التي سعت للتصدي للتهديدات التي اعتبرت كجزء من التوسع السوفياتي.
لكن حلف بغداد وعقيدة آيزنهاور لم يكونا إلا جزءاً من منظومة أوسع – ما وراء أمريكا Pax Americana)). بعد الحرب العالمية الثانية، سعت الولايات المتحدة لخلق نظام دولي تشكل فيه قوة استقرار وتوازن. ما بعد أمريكا، لم يقم فقط على القوة العسكرية بل على فريق من الاقتصاد، المؤسسات الدولية، الأحلاف الأمنية والقدرة على عرض نظام أكثر استقراراً على الدول الأخرى.
بهذا المفهوم، فإن خطوات الولايات المتحدة ليست محاولة لإعادة الماضي، بل لتكييف المبدأ إياه مع الواقع الجديد. عالم القرن الـ 21 ليس العالم ذا القطب الواحد للتسعينيات، وعليه فإن الولايات المتحدة لا يمكنها أو لم تعد معنية بأن تتحمل وحدها كل العبء الأمني. بدلاً من مرابطة قوات في كل بؤرة وإدارة المنطقة بشكل مباشر، تسعى لتبني شبكة من الشراكات التي يتحمل فيها حلفاؤها المحليون قسما كبيراً من المسؤولية.
ثمة من يرى في هذا النهج محاولة لإنتاج طبعة جديدة ما بعد أمريكا – ليس من خلال السيطرة المباشرة بل من خلال النفوذ غير المباشر. وبدلاً من أحلاف صلبة كما في الماضي، يدور الحديث عن منظومة أكثر مرونة من العلاقات الأمنية، الاقتصادية والسياسية. هذا انتقال من عصر الأحلاف الرسمية إلى عصر شبكات النفوذ.
في هذا السياق ثمة من يرى في سياسة ترامب محاولة لبلورة نوع من “عقيدة دونرو”، تلاعب بالألفاظ يربط بين اسمه وعقيدة مونرو التاريخية. يعرض التشبيه فهماً يقول إن الولايات المتحدة تسعى للإعادة تعريف حدود مسؤولياتها: تدخل عالمي أقل وخلق مناطق نفوذ أكثر، تعزيز الحلفاء وحماية المصالح الاستراتيجية.
من هنا يمكن أن نفهم المحاولة الأمريكية لبناء شبكة جديدة من التعاون بين تركيا، العراق، سوريا ولبنان فيما إسرائيل في الخلفية كجزء من المنظومة الإقليمية المتشكلة. لا يدور الحديث عن حلف عسكري رسمي، بل عن مبنى يقوم على أساس مصالح مشتركة: تعزيز جيوش قومية، وإضعاف منظمات مسلحة ليست تابعة للدولة، وتعاون استخباري، وتنمية بنى تحتية وعلاقات اقتصادية.
يضيف الرئيس الصيني بعداً جديداً للخطوة. بخلاف الاتحاد السوفياتي في عهد الحرب الباردة، لا تحاول الصين بالضرورة تصدير أيديولوجيا، بل بناء النفوذ من خلال الاقتصاد. مشروع “الحزام والطريق” أصبح أداة مركزية تربط فيه بكين الدول من خلال الموانئ، السكك الحديدية، المشاريع في مجال الطاقة والاستثمارات بعيدة المدى. الصراع الأمريكي ليس عسكرياًفقط، بل أيضاً صراع في مسألة من يربط المنطق بالشبكات الاقتصادية المستقبلية.
تطلعات وعوائق
في هذه الخطوة، يبرز دور المبعوث الأمريكي توم براك. قلة من خارج الدوائر الدبلوماسية كانوا يعرفون في الماضي اسمه، لكنه في الفترة الأخيرة بات أحد رموز محاولة الربط بين المصالح المختلفة في المنطقة. مهمته ليست إقامة حلف رسمي، بل خلق تطابق بين مصالح دول لا تتشارك بالضرورة في الفكر ذاته. فلئن كان مهندسو حلف بغداد عملوا في الماضي من خلال وثائق وتعهدات رسمية، فإن النموذج الحالي يعتمد على الدبلوماسية الشخصية، بناء الثقة التدريجي والربط بين المصالح الأمنية والاقتصادية.
أحد الفوارق الهامة بين الوضع الحالي والوضع في الخمسينيات هو مكانة سوريا. في الماضي، كانت سوريا من المعارضين الحادين لحلف بغداد وتقربت من الاتحاد السوفياتي، أما اليوم، فإذا استمر ميل اندماجها في منظومة إقليمية جديدة، فهي كفيلة بأن تصبح عنصراً في منظومة تسعى الولايات المتحدة لتصميمها. لبنان هو الآخر يحتل مكاناً مركزياً في هذه الخطوة. فطلب تعزيز الجيش اللبناني وإعادة احتكار استخدام القوة للدولة ليسا فقط مسألة لبنانية داخلية، بل جزء من فهم أوسع لإضعاف الميليشيات، وتعزيز مؤسسات الدولة وتقليص النفوذ الإيراني.
في إطار هذه المسيرة تقف إسرائيل أمام معضلة معقدة. من جهة نظام إقليمي جديد كفيل بأن يخدم مصالح إسرائيلية مركزية: إضعاف إيران، وتقليص قوة منظمات مسلحة، وتوسيع دائرة الدول التي تقيم علاقات مع إسرائيل وخلق استقرار أوسع على حدودها. من جهة أخرى، فإن نجاح المشروع الأمريكي قد يلزم إسرائيل بدفع ثمن.
للسماح بتبلور نظام إقليمي أوسع، قد تكون إسرائيل مطالبة بتقديم تنازلات ليست بسيطة بالنسبة لها: الانسحاب من لبنان كجزء من النية لتعزيز سيادة الدولة اللبنانية، وتقليص أعمالها في سوريا وفقاً لمطالب القيادة السورية، بل والتسليم بتعزيز مكانة الجيش التركي رغم المخاوف في إسرائيل من سياسة أنقرة. وهكذا ربما ينشأ واقع متضارب يكون فيه نظام إقليمي يستهدف حماية إسرائيل أيضاً يلزمها التنازل عن جزء من أدوات العمل التي استخدمتها على مدى السنين.
الاختبار الحقيقي لهذه الخطوة سيكون قدرتها على التصدي لدروس الماضي. حلف بغداد وعقيدة آيزنهاور لم ينجحا في خلق الاستقرار الذي أمل فيه مخططوهما. فقد أثارتا معارضة في العالم العربي، لم تمنعا تغييرات سياسية عميقة ولم توقفا الصراع على النفوذ في المنطقة. اليوم أيضاً تقف أمام واشنطن عوائق جسيمة: إيران لا تزال تحوز روافع نفوذ مهمة، وتركيا تدير سياسة مستقلة، والصين بقبضتها الاقتصادية، وروسيا التي لم تخرج من اللعبة بعد.
ربما يتبين بعد سنين أن الولايات المتحدة نجحت في تبني صيغة جديدة لنظرية ما بعد أمريكا، صيغة تقوم بقدر أقل على التواجد المباشر وبقدر أكبر على شبكة من الشراكة. لكن ربما يثبت الشرق الأوسط مرة أخرى بأنه قادر على تغيير خطط القوى العظمى.
السؤال الحقيقي ليس فقط إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إعادة تصميم الشرق الأوسط، بل هل المنطقة نفسها جاهزة لاستقبال نظام جديد يخططه أحد ما آخر له؟
موشيه العاد
معاريف 30/7/2026