ستدخل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وحكام الولايات الأمريكية التاريخ بكونها أهم وأكثر انتخابات مفصلية بتاريخ الانتخابات الأمريكية. لنتائجها وتأثيرها الواسع على مستقبل أمريكا وترامب والحزب الجمهوري وتركيبة الكونغرس. بصعود الأقليات واستشراء الفساد ومعاقبة الفاسدين والتسيب وتفرد ترامب بالقرارات بـ»الأمور التنفيذية وتخلي غالبية الكونغرس الجمهوري عن دورها الرقابي في تواطؤ الأغلبية مع ترامب والامتناع عن محاسبته وردعه.
ما شجع ترامب على تجاوزات دستورية وقانونية بشن حربين على إيران ورفع نسبة الرسوم والتعريفات الجمركية واستخدام وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالية لملاحقة وعقاب خصومه السياسيين وتكسب وعائلته مليارات الدولارات من الصفقات والتعامل بسوق الأسهم. ووصلت جرأته ليقترح منح كل أمريكي بالغ 5000 دولار إذا حافظ الحزب الجمهوري على أغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ وفشل بذلك!!
وأظهرت استطلاعات الرأي حجم الغضب الشعبي العارم من تنصل ترامب من وعوده الانتخابية بعدم خوض حروب جديدة وخفض كلفة المعيشة ونشر ملفات إبستين بفضح المتنفذين. وهناك اتهامات لإدارة ترامب-الأكثر فسادا بتكسبه وعائلته والمقربين منهم مالياً.
كان ملفت حجم المشاركة والتغيير الواسع في الانتخابات. صوتت أغلبية الأمريكيين الغاضين بكثافة للتغيير وعقاب ومحاسبة ترامب وحزبه. وأتى حجم التغيير ليعكس حالة الغضب، ما أدى لخسارة الجمهوريين أغلبيتهم في مجلسي النواب والشيوخ وحكام الولايات بأعداد كبيرة.
تاريخيا انتخابات التجديد النصفي هي استفتاء على شعبية وسجل الرئيس في منتصف فترة رئاسته. وعادة يخسر حزب الرئيس أعدادا كبيرة من مقاعد حزبه في المجلسين. ودائما يكون تردي الوضع الاقتصادي أهم سبب للتصويت السلبي. تضاف لعدم شعبية قرارات ترامب وتخليه عن وعوده الانتخابية، والحرب التجارية وتداعيات حرب إيران.
تجلت نتائج الانتخابات الصادمة بترجمة الغضب بالعقاب الشعبي، بتسونامي على جميع الأصعدة: نتائج انتخابات مجلس النواب: نجح الحزب الديمقراطي بالفوز بـ42 مقعداً جديدا من الجمهوريين مع احتمال ارتفاع عدد النواب الديمقراطيين إلى 260 نائباً من 215. ولا تزال نتائج 19 دائرة انتخابية لم تُحسم حتى كتابة هذا المقال. مع تقدم المرشحين الديمقراطيين في عدة دوائر. في المقابل تراجع عدد النواب الجمهوريين من 219 إلى 162 نائبا.
ونجح الديمقراطيون بانتزاع الأغلبية في مجلس الشيوخ برفع مقاعدهم من 47 مقعداً إلى 54 مقعداً. وفي انتكاسة كبيرة تراجع عدد أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين من 52 إلى 44 عضواً. مع بقاء مقعدين لم يتم حسمهما مع تقدم المرشحين الديمقراطيين لترتفع مقاعدهم إلى 9. تُضاف لخسارتهم مجلس النواب، خسر الجمهوريون في معاقلهم الرئيسية في الولايات المحافظة «الحمراء»: ولايات تكساس، وميسسبي، وكنساس، وكارولاينا الشمالية والجنوبية وجورجيا.
ستدخل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وحكام الولايات الأمريكية التاريخ بكونها أهم وأكثر انتخابات مفصلية بتاريخ الانتخابات الأمريكية
ونجح الديمقراطيون للمرة الأولى منذ عام 2010 بحصد 22 منصبا لحكام الولايات من 36 انتخاب لحكام الولايات. ما يرفع عدد حكام الولايات الديمقراطيين إلى 28 حاكم ولاية للديمقراطيين مقابل 22 حاكم ولاية للجمهوريين.
وسجلت انتخابات التجديد النصفي انتصارات ملفتة وتاريخية وغير مسبوقة للمرشحين العرب والمسلمين في الكونغرس الفيدرالي والمجالس التشريعية في الولايات. بتنوع خلفيتهم العرقية، بقيادة عبدالرحمن (عبدول) السيد أول نائب مسلم بتاريخ الولايات المتحدة من ولاية ميشيغان. وانتصر على عنصرية ترامب ووزرائه والمال السياسي من آلون ماسك، ولوبي إيباك الداعم والموالي لإسرائيل. إضافة لفوز ستة نواب مسلمين بعودة رشيدة طليب وإلهان عمر، ود. آدام حماوي من نيوجيرسي وأندريه كارسون منذ عام 2008، ولطيفة سايمون من كاليفورنيا ودارياليزا أفيلا شوفالييه من نيويورك. والتحدي يكمن في هل تنجح كتلة النواب العرب والمسلمين وتشكل لوبيا مؤثرا يلعب دورا يدافع عن القضايا العربية والإسلامية في الكونغرس الأمريكي بعدما بقي ذلك حكرا على اللوبيات الموالية لإسرائيل وموقفها وسرديتها.
يُعزى تحقيق الديمقراطيين انتصارات كبيرة لعدة عوامل: فشل إدارة ترامب بالتعامل معها ومعظمها من صنعها وقرارات ترامب الخاطئة. وكان ملفتا ما ذهب إليه نائب ترامب فانس بتحميله خسارة الحزب الجمهوري المدوية لأربعة عوامل:
1- الحرب على إيران: السبب الرئيسي المباشر لخسارة الحزب لعدم شعبيتها وتسببها في تداعيات سلبية قوية.
2- التركيز على خفض ارتفاع كلفة المعيشة التي تسبب بحالة استياء شعبية كبيرة لارتفاع كلفة أسعار المواد الاستهلاكية والطاقة والمعيشة والتضخم.
3-الحاجة لوضع أمريكا أولاً-حسب شعار ماغا: بإعادة الأولوية لهموم ومطالب الأمريكيين المتضررين وإنهاء الحروب.
وأخيراً الحاجة لتغيير طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة مع إسرائيل-ينقل فانس أن غالبية المستطلعة آراؤهم طالبوا بتعديل طبيعة التحالف والعلاقات مع إسرائيل. يٌضاف لذلك إعلان الرئيس ترامب إنهاء الدعم المالي والعسكري لإسرائيل(4 مليارات دولار سنويا). لكن دون تفاصيل لآلية تطبيقه..
كذلك كان ملفتا فشل المال السياسي الذي ضخه آيلون ماسك أغنى رجل في العالم بدعم وتمويل الحملات الانتخابية لعشرات المرشحين بعدم تحقيق النتائج المتوقعة حيث خسر 6 من 7 مرشحين لعضوية مجلس الشيوخ. وكذلك برغم إنفاق ايباك 120 مليون دولار على المرشحين وبمجمل 120 مليون دولار مع اللوبيات التابعة لها بارتفاع 26%-منها55.3 مليون دولار على مرشحين خسروا بنسبة 75% من السباقات الانتخابية شديدة التنافس!! ما يعني للمرة الأولى ينكسر نفوذ وهيمنة إيباك على النظام السياسي الأمريكي. وهذا يؤسس لواقع سياسي جديد-بتراجع نفوذ اللوبيات وأصحاب المليارات والمال السياسي وحتى انتقاد إسرائيل من أسباب حرب إيران وتداعياتها.
٭ أستاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت