فرص الصعود في الغرب متاحة للعاملين


السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ليست مرتبطة بالانتخابات سواء لاختيار الرئيس أم لأعضاء الكونغرس. فالسياسة الخارجية شبه ثابتة بغض النظر عمن يقطن البيت الأبيض. وحتى الآن ما تزال تلك السياسة مرتبطة بشكل وثيق بمبدأ الحفاظ على أمن «إسرائيل» الذي لا يخضع للنقاش. وليس متوقعا أن يطرأ تغيير كبير على تلك السياسة بعد انتخاب عبد الرحمن السيد الذي كان مفاجأة للكثيرين. وسوف تبقى السياسة الأمريكية ملتزمة بالحفاظ على أمن «إسرائيل». مع ذلك فقد تردّد أن أمريكا عازمة على وقف الدعم المالي السنوي للكيان الإسرائيلي ويُقدّر بـ 4 مليارات دولار. وهذه مشروطة بأن تنفق على مشتريات أسلحة أمريكية ولا تدخل الموازنة العامة للكيان. وبعيدا عن هذه الاعتبارات، يمكن القول إن الحصانة التي يحظى بها كيان الاحتلال بدأت في التآكل، وأن هناك تغيرا في المزاج الشعبي الغربي لغير صالح الاحتلال. كما يمكن القول أيضًا إن هناك تحسسا كبيرا من سياسات رئيس وزاء الاحتلال التي تتسم بالتحدي والغرور والصلف والإصرار على الجريمة. ولا شك أن ما حدث في غزّة أحدث تغيرا في المزاج العام الغربي، خصوصا بعد أن انتشرت مشاهد الدمار التي لا يماثلها شيء سوى ما حدث في الحرب العالمية الثانية. فأكوام الدمار والخراب ما تزال مكانها، وما يزال أطفال غزة يتحركون بينها بحثا عن ممتلكاتهم من الألعاب والدمى.
في مثل هذه الأيام قبل عشرة أعوام كان الباب الرئيسي لمقر رئيس الوزراء البريطاني يشهد احتفاء خاصا بعيد «الديوالي» المرتبط بالديانة الهندوسية. يومها كان روشي سوناك، ذو الأصل الهندي، يحتفي بالمناسبة لإظهار انتمائه لتلك الديانة. ولم يحتج أحد على ذلك لأنه لا يؤثر على سياسات الرجل الذي يتصرف بوحي من منصبه وليس من انتمائه الديني. خصوصا أن هناك فصلا بين السياسة والدين في النظام السياسي الديمقراطي الذي تمارسه بريطانيا. ووفقا لذلك فمن حق أي مواطن أن ينتمي لأي دين أو مبدأ أيديولوجي طالما لم ينعكس ذلك على ممارسته في منصبه العام. وبين الحين والآخر يحتدم النقاش حول الثقافة والانتماء، وما إذا كان هناك ولاء مطلق للأصل والعرق، أم أن الإنسان متغيّر الطباع والأمزجة، وأن الظروف والبيئات التي يعيشها تملي عليه نمط حياته وتحدّد أولوياته. ويُفترض أن يكون المشروع السياسي لأي طرف، دينيا كان أم سياسيا أم حزبيا، مرتبطا بمصالح الناس ولا تقتصر اهتماماته على ما يحقق مصالح فئة دون أخرى. ولذلك فإن صعود أي شخص إلى مناصب عليا في الدولة يُفترض أن تحدده الكفاءة والقدرة وليس العِرق أو الأصل. وربما يكون هذا التفكير مثاليا، خصوصا أن الدولة الحديثة ما تزال محمّلة بأعباء التركة الثقيلة لعقود من التقوقع والانطواء على الذات، بالإضافة للعصبية ومشاعر الكبرياء، وكذلك الجهل وقصر النظر.

 العقل أساس الحياة الهانئة، وبدونه يسود الجهل والتقليد ويتغلّب منطق الغلبة والقوة المادّيّة على النقاش العقلي المؤدّي إلى الحقيقة

وهنا تُطرح التساؤلات حول المشروع الديمقراطي في نسخته العلمانية وما إذا كان قادرا على قيادة البلدان والسير بها على طريق التكامل والتنمية والصعود. وليس جديدا القول أن هناك من العلماء المسلمين من قطع أشواطا في المسارات العلمية في بلدان أجنبية فسحت له المجال للعمل والبحث ولم تفرض عليه شروطا صعبة للقيام بذلك. فما أقوى العقل البشري وأقدره على سبر الأغوار إذا أتيحت له فرص الانطلاق في آفاق العلم ولم يتعرّض لقيود أو شروط قاسية. وما أجمل هذا العقل حين يبدع في مجالات العلم والمعرفة ويبتعد عن التمايزات التي يفرضها الإنسان من خلال أنظمة سياسية أو حزبية، بعيدا عن قيم العدل والمساواة وتكافؤ الفرص. إن التمييز آفة التطور وخطر على الدولة الحديثة القادرة على استيعاب العقول النابغة في مجالات العلم والعلاقات الإنسانية. وليس من حق أحد أن يتذرع بالاختلاف الديني او الثقافي. فللعقل الإنساني مكانته في الإسلام، إذ يحظى باحترام وتقدير ولا يتعرض للانتقاص والقمع. فالعقل أساس الحياة الهانئة والإيمانية، وبدونه يسود الجهل والتقليد ويتغلّب منطق الغلبة والقوة المادّيّة على النقاش العقلي المؤدّي إلى الحقيقة. فالعقل هو الطريق للتوحيد والتديّن، كما هو طريق للتطور والإبداع والصعود بمستوى حياة البشر.
في ضوء التطورات السياسية في أمريكا بشكل خاص، أصبح هناك ضرورة لإعادة فتح السجال حول الحرّيّة وما تتيحه للأفراد من قدرة على اختيار ما يراه المرء مناسبا. هذه الحرّيّة ترتكز على العقل والقدرة على التمييز والتطوير والإبداع. ففي البيئات الحرّة يمارس العقل دوره ويشق طريق صاحبه نحو المزيد من الإبداع والعطاء والصعود في المسارات السياسية والعلمية. فكيف استطاع عبد الرحمن السيّد الصعود إلى ما وصل إليه وهو المسلم الملتزم الذي لم يتخلّ عن انتمائه الديني وأداء واجباته تجاه نفسه وربّه بدون إكراه من أحد. إنها الحرّيّة التي تدفع صاحبها لكسر القيود وتجاوز الحدود غير المشروعة على العقل والانتماء. ولولا تمتعه بروح عالية من الشعور بالانتماء وكذلك بضرورة العمل لإصلاح الحال وتحقيق مكاسب على المستوى الشخصي، لفاته القطار كما فات الكثيرين. ومن المؤكد أن الأشخاص الذين يفرّون بدينهم وحرّيّتهم وإنسانيتهم إلى خارج حدود بلدانهم بعد أن يحكمها الاستبداد يجدون عادة فرصا جديدة لتطوير الذات.
إن من يعيش على ظهر هذا الكوكب لا يعدم فرص النمو والتطور. ولكن ذلك مشروع باستخدام العقل بالإضافة للسعي المتواصل من أجل تحسين الظروف التي يعيشها الفرد. وما أكثر الذين شقّوا طريقهم ليصلوا إلى غايات كبرى ومناصب سياسية ومستويات حياتية متميزة. فالمحنة ليست آخر المطاف ولا القدر المحتوم الذي يحدّد نهاية الفرد. بل أن كان محنة فرصة امتحان مهمّة للإنسان، فبإمكانه الاستفادة منها على أوسع نطاق فيقطع خطوات على طريق الصعود، أو تجاهلها تماما، فتتضاءل فرص النمو والتوسع الحياتي لديه. وإنه ليس ظاهرة جديدة أن يصل بعض المسلمين إلى مناصب عليا في بلدانهم التي استوطنوها بعد أن أجبروا على الهجرة من أوطانهم الأصلية لأسباب سياسية أو ربما حياتية. فالمهم أن تتوفر لدى الشخص الرغبة في العطاء والإبداع والتغلّب على الظروف ليجد نفسه بعد ذلك على طريق الصعود والتطور.
بين العمل المشفوع بالأمل، وحالة الخنوع التي تفرض نفسها على الإنسان، ثمة مجالات كثيرة يمكن أن توفر للإنسان فرصة العمر، بتطوير الأداء ورفض الاستسلام. والطرق إلى الصعود الشخصي مفتوحة عادة أمام من يريد سلوكها، وهمّة الإنسان تستطيع دفعه على ذلك الطريق والحيلولة دون إصابته بحالة القنوط والياس. وما أكثر القصص التاريخية التي تروي مسيرة الأفراد على طريق التكامل والرقيّ، ومعها أنماط من المعاناة والشقاء. الشرط المهم للاستمرار في السير المتصاعد تعمّق الإيمان بحتمية تحقيق قدر من النجاح طال الزمن أم قصر. فليس هناك من توفرت له الفرصة بدون أن يبذل جهودا مضنية للاستفادة منها. فإذا وضع الإنسان رجله في بداية الطريق وأتبع ذلك بحماس داخلي لسلوك ذلك الطريق والاستعداد لتقديم ما يتطلبه من صبر وتضحيات، فسوف يرى العقبات تتساقط أمامه، وتُفتح أبواب العطاء في وجهه، ليجد نفسه مهرولا على طريق الصعود. ولا شكّ أن نجاح بضعة أشخاص في تحقيق نجاحات كبرى كما حدث لعبد الرحمن السيد، يفتح الأفق أمام الآخرين للسعي في ذلك الطريق بدون تردّد بشرط أن يكون العمل الجادّ هو الدافع والمحرّك وليس الطمع في تحقيق أمجاد شخصية من صنع مخيّلة الشخص نفسه. إن العقل قادر على توفير فرص الصعود المهني، كما أن الاجتهاد الشخصي له دوره في الاندفاع على طريق العمل والمعاناة، حيث أكدت قصص النجاح إمكان تحقيق ذلك ولو بعد حين. فما بين أداء التكليف الشرعي بالعمل الجاد «يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه» وتحقيق المكاسب مسافة شاسعة تتطلب صبرا وإصرارا وثباتا، وبدون ذلك تتوقف عجلة التطور ويجد الإنسان نفسه عاجزا عن السير الجاد على طريق الإصلاح والتطوير.

٭ كاتب بحريني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *