ما زلت أتذكر كيف تهربت من الجلوس إلى طاولة أعدها لي ناشري الأول بمناسبة معرض الكتاب في الجزائر، في منتصف التسعينيات، للقيام ما يسميه الناشرون البيع بالإهداء، تركت الكرسي المخصص لي فارغا وذهبت للتعرف على ما تعرضه دور النشر من كتب جديدة، لحين سماع ناشري الغاضب وهو يطلب مني الالتحاق «بموقعي» على الكرسي المخصص لي، فقد جاءت المجاهدة جميلة بوحيرد تبحث عن نسخة من كتابي ولم تجدني في جناح الناشر، بغرض شراء نسخة من كتابي الصادر حول الانتخابات لابنتها الباحثة في العلوم السياسية، والصديقة، المقيمة في الخارج، كانت فرصة للتعرف أكثر على هذه القامة الثورية وزيارتها في بيتها، رغم أنني لم أنجح في إقناعها بكتابة مذكراتها التي اقترحتها عليها.
تحسنت علاقاتي مع هذه الظاهرة التي نسميها بيع بالإهداء في معرض الكتاب، بعد التجربة الأولى، من دون أن تتحول إلى علاقة حميمية فعلية، فما زلت لحد الآن وبعد نشر أكثر من عشرة كتب، أشعر بنوع من الحرج وأنا جالس لبيع كتبي في المعرض على كرسي، كل سنة، لأشعر بحرج أكبر عندما أمرّ على بعض الوجوه التي أعرفها وهي تعرض كتبها، من دون أن أتمكن دائما من تحيتها وشراء نسخة منها، لأسباب كثيرة، منها الازدحام الكبير الذي يميز معرض الجزائر.
مدخل أردته عن قصد بهذا الأسلوب الذاتي، وأنا أتحدث عن معرض الكتاب الذي يعيش الجزائريون أجواءه هذه الأيام – ما بين 28 أكتوبر إلى السابع من نوفمبر 2026- عادة ما تتميز بجو عائلي احتفالي يشارك فيها الكثير من الجزائريين والجزائريات بمن فيهم سكان المناطق الداخلية الذين يستغلون العطلة المدرسية التي تصادف أيام المعرض للقيام بزيارة وأكثر، مع أبنائهم وأصدقائهم، لتحقيق عدة أغراض، منها اقتناء الكتب الجديدة الصادرة بهذه المناسبة، التي تصل إلى المعرض من الناشرين العرب والأجانب بالجديد الذي تعرفه، رغم الغلاء الذي ما زال يميز أسعار الكتاب الأجنبي، الذي لم يمنع من زيادة الطلب عليه كما هو ملاحظ على الكتاب باللغة الإنكليزية، بعد الانتشار الذي بدأت تعرفه هذه اللغة بين الجزائريين، في وقت تقلص فيه الطلب الكبير الذي كان على الكتاب الديني.
الفئات الوسطى المتعلمة الكبيرة في السن، كما هو حال قدماء الإطارات المتقاعدين، هم الأكثر إقبالا على المطالعة نتيجة قدرتهم المالية وتنشئتهم التعليمية التي تحصلوا عليها في المدرسة الجزائرية، في زمن سابق لم يعد موجودا
هل سعر الكتاب غالي في الجزائر؟ كنت أجيب عن هذا السؤال بإجابة مستفزة وأنا أقارن فيها بين سعر الكتاب وسعر زجاجة البيرة، أو النبيذ في الجزائر، كمدخل لأشرح أكثر وأقول، إن القدرة الشرائية للجزائري هي التي تدهورت، كما يعكسه التدهور الذي تعيشه العملة الوطنية، في مجتمع لم يتحول فيه فعل القراءة إلى ضرورة وسلوك يومي شائع بين أفراده، لم تستثمر في التحفيز عليه المنظومة التعليمية ولا الوسط العائلي، معاينة تبقى بالطبع في حاجة إلى عرض تفاصيل أكثر عن علاقة الجزائري بالكتاب وبالتالي فعل المقروئية، الذي ما زال غير منتشر بالشكل الذي قد يوحي به انتشار التعليم الجامعي في الجزائر، ولا تلك الصور الملتقطة لزوار معرض الكتاب بأعدادهم الكبيرة في الجزائر، الذين يزورونه لتحقيق أغراض عدة، قد لا يكون شراء الكتاب على رأسها بالنسبة لجزء مهم من زوار المعرض، تحولت فيها الزيارة إلى خرجة عائلية وفسحة أكثر منها شيئا آخر.
رغم التنوع الذي يعرفه النشر في الجزائر، الذي يحتله من يسمون ـ بالمؤثرين من الجنسين – مكانة متميزة، يتبعهم مشاهدوهم في كل مكان يتوجهون له، زيادة على بعض الروائيين المعروفين باللغتين العربية والفرنسية، الذين تزاحمهم منذ سنوات وجوه جديدة من أجيال أصغر، فرضت نفسها على هذه الساحة الأدبية بالاستمرارية التي ميزتها، باللغتين دائما التي أضيفت لها الأمازيغية كلغة ثالثة، كما هو معروف عن الساحة الثقافية الجزائرية، استسهلت دخولها سنويا، بعض الأسماء كموضة ثقافية موسمية قصيرة العمر. تماما كما استسهل بعض المتعلمين الكتابة التاريخية في مواضيع شتى، غاب عنها التخصص والجدية المطلوبتين، أغرقت سوق الكتاب في الجزائر، الذي ما زال بعيدا جدا عن الوصول إلى السوق العربية والدولية، نتيجة سيطرة الرؤية البيروقراطية، من دون أن تضيف هذه «الكتابة التاريخية» الجديد بالضرورة، كتبت في الغالب حول تاريخ جهتها وزعمائها وأفراد عائلاتها في بعض الأحيان، وهي تظن انها تكتب تاريخا، ليستمر الرواج الذي تعرفه المذكرات والشهادات الشخصية، التي ما زالت تحظى بقبول كبير لدى القارئ الجزائري الذي يؤكد مرة أخرى الأزمة التي يعيشها في علاقاته بتاريخه القديم الحديث والمعاصر، كما يبنه الاهتمام الكبير بمرحلة الحركة الوطنية وثورة التحرير، رغم التنافس الذي تجده من قبل الوسائط الاجتماعية كما يحصل مع البودكاست هذه الأيام. مقابل كتابات متخصصة في العلوم الاجتماعية والإنسانية عادة ما تكون أكثر جدية، بالفرنسية في الغالب، من اقتراح جامعيين في تخصصات شتى لم تعرف ما تستحقه من رواج، رغم الطلب عليها الذي يستمر لوقت أطول لدى القارئ الجزائري، يقف في وجهه كعائق غياب النشر المتخصص، وسلسلة المكتبات وتوزيعها بشكل متوازن في بلد واسع جغرافيا كالجزائر، ما زال يشكو أبناؤه من مركزية توزيع الكتاب في المدن الكبرى كالعاصمة التي ما زالت تحتكر تنظيم المعارض الكبرى للكتاب، في مجتمع لم تتحول المطالعة فيه إلى عادة يومية، بين افراد الأسرة، كما تشير بعض المؤشرات التي – تبقى في حاجة إلى استطلاعات رأي دورية – أن الفئات الوسطى المتعلمة الكبيرة في السن، كما هو حال قدماء الإطارات المتقاعدين، هم الأكثر إقبالا على المطالعة نتيجة قدرتهم المالية وتنشئتهم التعليمية التي تحصلوا عليها في المدرسة الجزائرية، في زمن سابق لم يعد موجودا، أثر سلبا على علاقة الشباب بالكتاب والمقروئية.
ليتميز معرض الكتاب لهذه السنة، حتى وهو ينظم في جو الغلق الذي تعرفه الساحة الإعلامية ـ السياسية منذ سنوات، برفع المنع الذي كان مسلطا على بعض دور النشر الجزائرية المشاكسة ، دار نشر كوكو- والسماح لبعض الناشرين الفرنسيين بالعودة إلى معرض الكتاب الجزائري، بعد المنع الذي تعرضوا له في سنوات سابقة، نتيجة تدهور العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية الرسمية، وصلت إلى المجال الثقافي الذي كان ولا يزال الطرف الفرنسي حاضرا فيه بقوة، من دون أن يصل إلى استعادة مكانته التي كانت لديه في عقود سابقة عندما كانت باريس تنافس الجزائر في مجال النشر، حتى عندما كان الأمر يتعلق بمواضيع جزائرية بحتة، ساهم تعريب الساحة الثقافية في القضاء عليها، زيادة على الاستثمارات التي قام بها المال الجزائري الخاص في ميدان النشر، في انتظار اهتمام أكبر بالشأن الثقافي الأوسع – الصناعة السينمائية على سبيل المثال – من قبل هذه البورجوازية التي لا تريد أن تكبر وتوسع مجال حضورها الثقافي بعد النجاح الذي فرضته داخل المجال الاقتصادي، تؤكده النسبة العالية للتوظيف -61 في المئة – التي تستولي عليها.
كاتب جزائري