رواية «جريمة الطبيب»… محاكمة الضمير بين الرحمة والجريمة


تكشف بعض السلوكيات الإنسانية عن صراعات نفسية عميقة، تتداخل فيها المشاعر المكبوتة مع دوافع لاواعية قد تدفع الإنسان إلى أفعال غير مألوفة، أو إلى اتخاذ قرارات يصعب تفسيرها بمنطق العقل وحده. ومن هنا، يتيح التحليل النفسي قراءة ما تخفيه التصرفات الظاهرة من آلام ورغبات ومخاوف، ويكشف أثر التجارب الماضية في تشكيل مواقف الإنسان واستجاباته.

في هذا السياق، تطرح رواية «جريمة الطبيب» للكاتبة الألمانية ريكارتا هوخ إشكالية تتقاطع فيها الفلسفة مع علم النفس، من خلال جريمة تثير أسئلة شائكة عن الدوافع الإنسانية وحدود المسؤولية الأخلاقية. فالفعل الذي يبدو إجرامياً في ظاهره قد ينطوي على دوافع مغايرة، تتصل بالرحمة والرغبة في إنهاء الألم، من دون أن يلغي ذلك ما يثيره من تساؤلات أخلاقية وقانونية.

تبني هوخ روايتها على مشاهد متتابعة تكاد تشبه فصولاً مسرحية، تدور معظم أحداثها في قاعة المحكمة، حيث تتكشف تدريجياً ملابسات الجريمة وتناقضات الشخصيات وانفعالاتها. ويقف الطبيب ديروجا متهماً بقتل زوجته السابقة مينجو سويتر، التي كان يُعتقد أنها توفيت متأثرة بمرض السرطان. غير أن الشكوك تبدأ حين تُفتح وصيتها، ويتبين أنها أوصت بكامل ثروتها، المقدّرة بأربعمئة ألف مارك، لطليقها. وتدفع هذه الوصية قريبتها البارونة تراوشكويتز إلى التشكيك في ظروف الوفاة والمطالبة بالتحقيق فيها. وبعد استخراج الجثة وفحصها، يتبين أن الوفاة ناجمة عن مادة سامة، لتتحول الشكوك إلى اتهام مباشر للطبيب، وتبدأ محاكمة تكشف، إلى جانب الأدلة والشهادات، تعقيدات النفس البشرية والتباس الحدود بين الجريمة والرحمة.
كان رئيس المحكمة الدكتور زوينيمان يصوّب اهتمامه نحو شخصيّة الدكتور ديروجا الذي بدا متهكّما، غير آبه بما يدور حوله من المهاترات الكلاميّة، يترصّد انفعالاته في تجويد مستقى من معين العاطفة والألم والسخرية، العاطفة بسبب تعلّقه بزوجته السابقة التي كان يكنّ لها شرارة من الحبّ الغاضب، والألم نتيجة وفاتها التي حسمت مصيره في داخله، لأنّه كان يعدّ الموت منقذا له لما تعرّض له في الفترة الأخيرة من الاكتئاب الحاد، والسخرية بسبب التجاوزات المدوية التي وجّهت أصابع الاتّهام إليه بوصفه مجرما عاتيا وفتّاكا بالنساء.

يحضر الشهود الذين توافدوا في ترتيب منظّم، من صديق الطبيب إلى مديرة منزله ومكتبه، والحلّاق الذي يصفّف له شعره، والصديق الذي يجالسه في الحانة، وزميله الطبيب الثري الذي أقرضه المال ولم يرجعه إليه، وصديقة قديمة كان قد استأجر من جدّتها شقّة تابعة لمنزلهم في بداية زواجه وأشادت بطيبة قلبه وبراعته في حلّ النزاعات بين جميع من عرف، ومدى حزنه لفقدان طفلته الوحيدة، وانتهاء بصديقة القتيلة التي لازمتها حتّى لفظت أنفاسها الأخيرة. أجمع الشهود رغم اختلاف مشاعرهم تجاه المتّهم على أنّه سريع الانقباض والانفعال، وربّما قصدت الكاتبة من دون الافصاح عن طرحها بالكلمات، بأنّ فينومينولوجيا هوسرل قد أطبقت بإصرار على مشاعر الطبيب لأنّها تظهر تبدّل القياس بين الجوهر والفعل، وبأنّ البحث عن الفعل يقيّض العثور على الجوهر.

فهو ساحرٌ أحيانا، وساخرٌ مغيّبٌ عن الواقع في أحيان أخرى، ورحيمٌ في بعض الأوقات، وقاس سريع الغضب في أوقات أخرى، ورغم هذا فهو مركزٌ لالتقاط الجاذبيّة النسائيّة الآسرة، إذ نلاحظ بأنّ جميع النساء في الرواية، وحتّى عدوّته البارونة تراوشكويتز قد وقعت في أسر هواه، وكذلك ابنتها، حتّى كاد يتحوّل إلى نجم لامع يستقطب الإثارة والوله، لتنتفي عنه صفات المجرم بكلّ شروطها. ولكنّ الغموض الذي يرخي سدوله على شخصيّته يزداد احتداما، فهو ينفي بأنّه سافر في القطار إلى المدينة التي تقطن فيها زوجته السابقة، رغم إجماع الشهود على الأمر، بدءا من مديرة منزله التي قالت بأنّه حضّر بنفسه حقيبة سفره ووضع فيها ثوبا تنكّريّا، ومن ثمّ زميله الطبيب الثري الذي رآه وهو يشتري بطاقة السفر في محطّة القطار، وحتّى بعض الشهود الذين جزموا بأنّه ألمح أمامهم بأنّه علم بأنّ زوجته السابقة ستخلف له ميراثا ضخما وستتبدّل أموره من الفاقة إلى الثراء العظيم.

يصرّ الطبيب على براءته، لكنّ طبيعته المتبدّلة وجهله بالموقف النفسيّ الراهن الذي يمرّ به يجعل موقفه لا يتلقّى تسهيلا هيكليّا أو نفسيّا، وضعف الحواجز بين الواقعي وغير الواقعي عنده يهيّئ صورته في إطار مذبذب وهش، ويستمرّ التوتّر بين الخارج والداخل في التفاقم، ليخلق عنده طبيعة سلبيّة تحكم حصارها على ملامحه، ورغم تأثيره وجاذبيّته الأخّاذة على النساء اللواتي عرفهن، فهو في الوقت عينه يجرّمه معظم الرجال الذين يعرفونه، وتنجلي الحقيقة في النهاية عندما يتسلّم محامي البارونة تراوشكويتز من خلال عاملة بسيطة معطفا قديما معلّقا على إحدى الأشجار عثرت عليه بالصدفة، وهو ثوب التنكّر الذي ارتداه المجرم ليلة وفاة زوجة الطبيب السابقة، وفي إحدى جيوبه رسالةٌ خطّتها بنفسها تتضرّع فيها إلى طليقها بأن يسارع بالحضور لانهاء وجعها بالقتل الرحيم.
حينها، تتوضّح الحقيقة، ويتحوّل الطبيب من مجرم قاس إلى قاتل إنسانيّ، أراد أن يلبّي استغاثة زوجة سابقة وحبيبة، وأمّ لطفلته السابقة. ولم يكن على دراية بالميراث الذي خلّفته له وقد تصرّف بوازع من ضمير وليس بنيّة الطمع والإثم. تعلن المحكمة براءة الطبيب، ولكنّه يصرّ على أن ينهي حياته ليلتحق بزوجته وابنته الراحلتين، عاقدا النيّة أن يترك الميراث لأورسولا صديقة طليقته، لأنّها كانت أمينة على أدقّ أسرار حياتها.

تطرح الرواية نظريّة الانفعال من أوسع أبوابها، مع ردود الفعل الفيزيولوجيّة المتفرّقة التي تصاحب دلالات واضحة تكشف نفسها على ملامح الشخصيّات في الرواية، مع هفوات حارقة بمعناها ومغزاها، حسب وصف فرويد، من فلتات اللسان وزلّات في الأحاديث، كما تركّز على موضوع القتل الرحيم، الذي تجمهرت الآراء من حوله بين معارض ومؤيّد، بين اعتباره سلبا للروح الانسانيّة التي وهبها الله، وإظهاره كمنفذ أخير لآلام لا تنتهي من خلال تسريع الموت.
وبين الاختلاف في وجهتي الجريمة التي تتلوّى تحت حبال الانفعال الذي يعجز عن حلّ المشكلة فيلجأ إلى التملّص، تستخدم وسائل مشتقّةٌ من الإذعان لرغبة الموت، إلى الردّ بقسوة على اتّهامات الغير، وتقدير غائيّة الانفعال في اتّجاهين، أحدهما الرأفة بالطرف المتألم، وثانيهما التطرّق إلى الحلول الساحقة التي تنهي الألم ولكنّها تفتح للجدل مسالك عديدة وتقدير الحدس التجريبي لغائيّة الانفعال.

وقد برعت الكاتبة ريكارتا هوخ في الكشف التدريجي عن الحقائق، وجعلت من قاعة المحكمة فضاءً لاستكشاف تناقضات السلوك الإنساني ودوافعه النفسية، من دون أن تفقد الحبكة عنصر التشويق والإثارة. فالشفقة التي دفعت الطبيب إلى وضع حدّ لآلام زوجته السابقة، عبر إنهاء حياتها، لا تبدّد ما يثيره فعله من صراع أخلاقي ونفسي. أما تفكيره في الانتحار في نهاية الرواية، فيمكن قراءته بوصفه تعبيراً عن شعور عميق بالذنب، أو عجزاً عن التصالح مع ما أقدم عليه، مهما كانت المبررات التي ساقها لتصرفه.
ومن خلال هذا الصراع، تكشف الرواية أثر الرغبات المكبوتة والتجارب الماضية في تشكيل الوعي وتوجيه السلوك. وتنجح الكاتبة في إظهار ما تختزنه النفس البشرية من مخاوف وتناقضات، وتضع شخصياتها أمام حقائق يصعب مواجهتها، لتطرح تساؤلات عن العلاقة بين الرحمة والجريمة، وبين حرية الاختيار والعبء النفسي الذي قد يترتب على القرارات المصيرية.

كاتبة لبنانية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *