الشتاء الرابع في حرب الإبادة… خيام النازحين تغرق وتنكأ جراح غزة


غزة – «القدس العربي»: انقشعت غيوم المنخفض الجوي الأول في الموسم الشتوي الرابع منذ بدء الحرب على غزة، لكن مأساة عشرات آلاف الأسر الغزية بقيت، بل تفاقمت على نحو أشد خطورة مما كانت عليه، بعدما فقدت مأواها المؤقت، ومعه الكثير من مقتنياتها الأساسية، حين غمرت مياه الأمطار مناطق النزوح ودمرت الخيام وما فيها، لتبدأ هذه الأسر حياة أشد قسوة في ظل تدني درجات الحرارة، إلى جانب بؤس الحياة ومشقة العيش في واقع غزة الأليم تحت الحرب وتبعاتها.
وهذا المنخفض الجوي العميق، الذي ضرب المنطقة وصب مياهه فوق غزة صبًا، في بداية الموسم الشتوي الرابع الذي يعيشه سكان القطاع منذ بدء الحرب، لم يكن مجرد أمطار تتساقط وتحمل معها الخير، كما كان الحال قبل سنوات الحرب، حين كانت تزيد من منسوب المياه الجوفية، وتسقي المزارع، وتضفي أجواء باردة على الشوارع ودافئة داخل البيوت التي كان سكانها يستعدون جيدًا لمثل هذه المنخفضات، بل حولت هذه الأمطار الواقع المأساوي الذي يعيشه السكان إلى كارثة عمقت المأساة الإنسانية التي يعيشها أكثر من مليوني مواطن في غزة، بعدما أسهمت الظروف والوقائع التي خلقتها آلة الحرب الإسرائيلية في غرق الكثير من المناطق التي يقطنها النازحون، حيث تدمرت خيام النزوح وما فيها من مقتنيات، لتجد هذه العائلات نفسها في الشوارع بعدما فقدت المأوى.

قصص من المأساة

وإذا كان تأخر المطر في السنوات التي سبقت الحرب يدفع السكان إلى إقامة الصلوات والإكثار من الدعاء لله، فإن الواقع تبدل مع هذا المنخفض الجوي، إذ رفع السكان أيديهم صوب السماء يدعون الله أن يوقف المطر، والدموع تنهمر من عيونهم حزنًا على ما أصابهم من واقع أليم.
وتقول أسماء عمر، وهي أرملة فقدت زوجها خلال الحرب، وتعيل بمفردها أطفالها، وتقيم في خيمة نزوح إلى الغرب من بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة: «ما ضل اشي، المطر دخل الخيمة وخرب (أتلف) كل حاجة».

2166 استغاثة وغرق 70 ألف خيمة نزوح

وكانت هذه السيدة قد بدأت، بمساعدة الأقارب والجيران، إعادة تثبيت خيمة نزوحها التي انهار جزء منها من شدة الرياح، وإخراج ما فيها من مقتنيات، على أمل العثور على شيء تستفيد منه في محنتها الجديدة، فأخرجت أغطية الشتاء والملابس الشتوية، والمياه تقطر منها.
وأضافت لـ»القدس العربي»، مستذكرة اللحظة الصعبة في بداية موسم الشتاء الجديد: «دخلت مياه المطر علينا في الخيمة من الأعلى ومن الأرض».
وكان جزء من سقف خيمة هذه السيدة قد تلف بسبب طول مدة الاستخدام، فيما انجرفت مياه الأمطار، التي لم تجد لها مصرفًا أرضيًا بسبب تضرر شبكات البنية التحتية جراء القصف خلال الحرب، إلى منطقة نزوحها، وشكلت هناك بركة كبيرة ارتفع منسوب المياه فيها إلى أكثر من 30 سم في بعض زوايا المنطقة، لتغمر الخيام من الأسفل.
واضطرت أسماء إلى السير مع أبنائها إلى منزل قريب تضرر سابقًا بفعل الحرب، وتسللت إليه مياه الأمطار أيضًا، حيث أقامت عند سكانه خلال ساعات الليلة الأولى من المنخفض، ثم انتقلت نهارًا إلى أحد منازل الأقارب، وعادت مع انقشاع الغيوم إلى منطقة سكنها في الخيام، لتبدأ مرحلة الإصلاح.
وقالت: «هذه مش (ليست) أول مرة تغرق فيها خيمتي»، وعبرت عن مخاوفها من المنخفضات الجوية المقبلة خلال فصل الشتاء، في ظل انعدام الإمكانات وتلف الخيام.
وهذا الحال المأساوي عاشته أيضًا الأسر التي تقطن منطقة الإيواء نفسها التي تسكنها هذه السيدة وأسرتها، وعشرات آلاف الأسر الأخرى التي تقطن مناطق النزوح الإنساني الضيقة في مختلف أنحاء قطاع غزة، حيث أدت الغارات الإسرائيلية وعمليات التوغل البري إلى تدمير ممنهج للبنية التحتية، في ظل انعدام قدرة البلديات على التعامل مع مثل هذه الظروف، وتكدس السكان في منطقة جغرافية لا تمثل سوى أقل من 30% من المساحة الإجمالية لقطاع غزة.

الهروب تحت المطر

ويقول إبراهيم النجار (55 عامًا)، الذي يقطن منطقة مواصي خان يونس، وهي واحدة من أكثر المناطق في القطاع تكدسًا بالنازحين: «الواقع أليم جدًا».
واستذكر لحظة غمر المياه مخيم الإيواء الذي يقطنه، وما أصاب الناس وقتها من مشاعر خوف، حيث كانت المياه تنهمر من سماء وصف لونها بالأسود من شدة الغيوم المحملة بالأمطار، فيما كانت مناطق السكن كالحة السواد، مع انعدام الإنارة هناك، ليعتمد النازحون على ما توفره هواتفهم النقالة من إضاءة قليلة.
وكغيره، حمل إبراهيم وأسرته المكونة من ستة أفراد ما استطاعوا حمله من مقتنيات، وتركوا الخيمة تواجه مصيرها بمفردها، وساروا جميعًا، برفقة آخرين من جيران النزوح، إلى مناطق قريبة تضم منازل لمواطنين ومساجد، احتموا بها حتى بزوغ فجر اليوم الثاني.
وأشار لـ»القدس العربي» إلى أن محاولاته، كغيره من النازحين، لتهيئة الخيمة ومنطقة النزوح للتعامل مع المنخفض الجوي، من خلال تقوية أوتاد الخيمة ووضع أكياس الرمال على جوانبها لمنع تسرب المياه، «فشلت من شدة المطر وغزارته». وأضاف: «في وقت حدوث الكارثة ما كنت تسمع في المخيم (منطقة تجمع النازحين) إلا صوت صراخ النساء والأطفال، الكل كان خايف».
وهذا الرجل من بين آلاف النازحين الذين أتلف المنخفض خيامهم، وكان قد اضطر إلى السكن في خيمة بعدما أُجبر على ترك منزله الواقع شرق مدينة خان يونس، خلف الخط الأصفر، وقد فقد الكثير من الأغطية والملابس الشتوية بسبب المياه، فيما تضرر الجزء الأمامي من خيمة نزوحه بعدما تمزق جزء كبير منه بفعل شدة الرياح.
وكان سكان قطاع غزة يعانون أصلًا، بسبب ظروف الحرب والحصار المشدد الذي تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وتعيق من خلاله دخول مستلزمات الإيواء، وبسبب قلة المال المتوفر لديهم، من نقص الأغطية والملابس الشتوية، وغياب وسائل التدفئة الكهربائية نتيجة عدم توفر التيار الكهربائي، ما يعمق أزمتهم الإنسانية. وخلال سنوات الحرب الماضية، سُجلت في كل موسم شتاء وفيات بين الأطفال وكبار السن من شدة البرد داخل الخيام.

غرق المنازل

وقد أصاب المنخفض الجوي مناطق النزوح في مختلف أنحاء القطاع، سواء في شماله أو في مدينة غزة أو وسطه وجنوبه، كما تضررت من شدة الأمطار المنازل التي لحقت بها أضرار بليغة ومتوسطة وطفيفة جراء غارات الحرب السابقة، واشتكى كثير من المواطنين الذين يقطنون هذه المنازل من تسرب المياه إلى غرف نومهم.
ويقول هيثم صالح (50 عامًا)، الذي يقطن مخيم النصيرات وسط القطاع، إن مياه الأمطار أغرقت الطابق الثاني من منزله، وغمرت غرفة نوم أبنائه، مشيرًا إلى أن سطح هذا الطابق العلوي تضرر بشدة جراء قصف إسرائيلي استهدف منزلًا مجاورًا. وأوضح أن كل محاولاته قبل بدء موسم الشتاء، بوضع غطاء بلاستيكي أعلى المنطقة المتضررة، لم تفلح في التصدي لمياه الأمطار. واشتكى هذا المواطن، وآخرون كثيرون، من تسرب المياه إلى غرف أخرى من منازلهم، بسبب تحطم زجاج النوافذ في غارات الحرب السابقة.
وفي بداية غرق مناطق النزوح، حاول سكانها إزاحة المياه التي غمرت المنطقة باستخدام وسائل بدائية، على أمل جرفها إلى مناطق أخرى بعيدة، ولوحظ أن الرجال والنساء وحتى الأطفال شاركوا في هذه المحاولات، غير أن شدة الأمطار أفشلت ما كانوا يسعون إليه. ويقول محمد أبو حسين، النازح في مواصي خان يونس: «أطفالنا كانوا يرتجفون من شدة البرد، كل ملابسهم تبللت من المطر، وما كان في أي مأوى متوفر».
وأضاف لـ»القدس العربي»: «معقول العالم مش قادر يساعدنا، إلنا أربع سنين بنغرق في كل منخفض».
ويعلم محمد، الذي عمل كغيره مع نهاية المنخفض على إعادة تثبيت خيمته، أنه إذا جاء المنخفض الجوي الجديد فسيواجه المصير نفسه، لكنه قال: «شو (ماذا) أفعل، ما في خيار آخر، وين أروح أنا وأسرتي».
ونشر كثير من سكان غزة صورًا ومقاطع فيديو لغرق خيامهم ومناطق نزوحهم على مواقع التواصل الاجتماعي، في مشاهد عكست حجم الأزمة ومأساة الحياة في غزة.

2166 استغاثة

ويشير محمود بصل، الناطق باسم جهاز الدفاع المدني، إلى أن عشرات مراكز الإيواء غرقت بالكامل بفعل الأمطار، ليجد المواطنون أنفسهم بلا مأوى، في ظل غياب أي أماكن بديلة تحميهم من قسوة الظروف الجوية، ووصف اللحظات التي عاشها السكان بأنها «صعبة».
وقد أعلن جهاز الدفاع المدني، الذي أعلن حالة الطوارئ القصوى مع بداية المنخفض، عن تلقيه 2166 نداء استغاثة من المواطنين وإدارات مخيمات النازحين ومراكز الإيواء والأسر المتضررة، منذ بدء تأثير المنخفض الجوي.
وأوضح أن طواقمه تمكنت من تلبية 218 نداءً فقط، بسبب العدد الكبير من الاستغاثات ومحدودية الإمكانات.
كما أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن نحو 70 ألف خيمة تؤوي النازحين غرقت بعد 12 ساعة من بدء المنخفض الجوي، ما يعني تضرر 350 ألف نازح، وقدر الخسائر الأولية بنحو 3 ملايين دولار، مشيرًا إلى أن المنخفض تسبب، إلى جانب غرق خيام النزوح، في انهيار عشرات الجدران، ما أسفر عن وقوع إصابات متفاوتة، بينها إصابات خطيرة، في مختلف مناطق القطاع.
وتقدر الجهات المختصة وجود 200 ألف خيمة مهترئة تحتاج إلى الاستبدال بعدما خرجت من الخدمة، بسبب طول مدة استخدامها وتأثرها بالعوامل الجوية، في حين تمنع إسرائيل إدخال هذه الكميات من الخيام.
ويؤكد «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (أوتشا) أن غزة بحاجة إلى نحو 121 ألف خيمة و561 ألف غطاء بلاستيكي و1.7 مليون فراش، استعدادًا لموسم الأمطار والبرد، مشيرًا إلى أن المخزون المتاح لدى شركاء الإيواء داخل القطاع لا يتجاوز نحو 2800 خيمة، ومحذرًا من أن نقص التمويل والقيود المفروضة على دخول المواد الأساسية يعرقلان الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وقد طالب المكتب بالسماح فورًا بإدخال مستلزمات الشتاء والآليات الثقيلة إلى قطاع غزة، في ظل الأمطار الغزيرة التي تسببت في غرق مراكز إيواء وعرّضت النازحين للخطر، وأعرب عن قلقه إزاء ما تعيشه الأسر المتضررة.
غير أن وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة أكدت أن وحدات السكن المؤقت (الكرفانات) تمثل البديل الحقيقي والأفضل لخيام النازحين، إلى حين بدء عملية إعادة الإعمار، في ظل تضرر آلاف الخيام بفعل الأمطار والرياح المصاحبة للمنخفض الجوي.
وتمنع سلطات الاحتلال إدخال هذه الوحدات السكنية المؤقتة، وتسمح بين الحين والآخر بإدخال خيام بكميات قليلة لا تفي باحتياجات القطاع.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *