فيلم «الرحلة 114»… شهادة السينما في جريمة اغتيال الإعلامية سلوى حجازي


ربما هي الصدفة أو لعله الترتيب المقصود من جانب صُناع الفيلم الوثائقي المهم «الرحلة 114»، أن يتزامن العرض الأول للفيلم مع الاحتفال بانتصارات أكتوبر كي تظل العلاقة قوية وبارزة بين اغتيال الإعلامية الشهيرة، سلوى حجازي في الحادي والعشرين من شباط/فبراير عام 1973 بعد تعقب الطائرة الليبية التي كانت تُقلها في الرحلة المنكوبة 114 من العاصمة الليبية طرابلس إلى القاهرة، وتستهدفها بصاروخ إسرائيلي غادر أطلق من طائرة فانتوم فوق صحراء سيناء قبل وصول الطائرة إلى مطار القاهرة بزمن محدود.
لقد مثل الحادث المروع في حينه صدمة كُبرى للمصريين والعرب، وتوالت الاستنكارات وخطابات الشجب والإدانة من بلدان ومنظمات دولية عديدة، إذ كشف الحادث الأليم عن دناءة الجيش الإسرائيلي الذي لم يجد ما يفعله بعد الهزيمة المُنكرة التي مُني بها في حرب أكتوبر، سوى ضرب طائرة مدنية تُقل مجموعة من الركاب المُسالمين من جنسيات مُختلفة وتقتلهم جميعاً، إلا نفراً قليل منهم نجا بفضل العناية الإلهية من الموت، هؤلاء استعانت أسرة الفيلم الوثائقي المذكور بأحدهم ليُدلي بشهادته في الحادث، حيث لا يزال الرجل باقياً على قيد الحياة حتى الآن.
الناجون من الموت بعد سقوط الطائرة كانوا بحسب ما ذكرت مصادر موثوق بها خمسة أفراد فقط، بينهم ليبيان ومصري وفلسطيني، وهم فيصل الشريعي وعبد الله محمد الخليلي وفتحي الكوم وشاكر الترهوني وشخص آخر لم يرد اسمه بين الأسماء المذكورة.
لقد سجل الفيلم شهادة الراكب الذي تمت استضافته، حيث تحدث بإيجاز عن اللحظات الأخيرة قبل سقوط الطائرة، واصفاً إياها باللحظات المأسوية، كاشفاً عن شعور غلب كل جميع ركاب الطائرة المُستهدفة، وهو الإيمان المُطلق بإرادة الله وتسليم الأمر كله لرب العالمين، بعد ترديد الشهادة في ظل أجواء من الاضطراب والتوتر وفقدان الأمل في الهبوط الآمن للطائرة التي لاحقها الصاروخ الصهيوني فأصابها إصابة بالغة أدت لانفجارها وسقوطها في الحال.
لحظات غاية في الدقة سجلها الفيلم بتقنيات حديثة متطورة وصور مُشابهة أغلب الظن أنها صُنعت باستخدام الذكاء الاصطناعي لمُحاكاة الحادث وتقريبه من الواقع المؤلم والحزين، لرفع مستوى الإحساس لدى المُتلقي ببشاعة الكارثة الإنسانية والجريمة التي اقترفها العدو بنذالة وخسة، كعهده دائماً، فهو ذاته من ضرب مدرسة بقر الابتدائية بطائرات الفانتوم وأزهق روح أكثر من 30 طفلاً بريئاً كانوا مشغولون بيومهم الدراسي غير واعين بما يجري حولهم من صراعات وحروب.
والعدو الإسرائيلي هو نفسه أيضاً الذي ارتكب مُجزرة عُمال مصنع أبو زعبل، المدنيين البسطاء فأرداهم قتلى في لحظات معدودة، فمن صنع كل هذه الجرائم النكراء، من الطبيعي أن لا يتورع عن إسقاط طائرة تقل على متنها مدنيين من خيرة الشخصيات وأنبغها.
مثلت لحظة التصويب الصاروخي وانفجار الطائرة ذروة المأساة الإنسانية في الفيلم الوثائقي الرحلة 114 الذي كتبة الكاتب محمد سعد وجمعت وثائقه سُها سعيد وأخرجه سامح خضير، فضمنه أهم التفاصيل والشهادات التي بلغت بمقدار الزمن عشرات الساعات فوضعت المخرج في حيرة، حين عز عليه الاستغناء عن أي من الوثائق والشهادات، فآثر أن يُضاعف الزمن التوثيقي للفيلم ويتجاوز به الزمن المقرر سلفاً 22 دقيقة تقريباً، فجاءت الرؤية السينمائية بموجب الإضافة قوية ومؤثرة ودالة على فداحة الحدث وأهمية التفاصيل. ومن دواعي التميز الإبداعي للفيلم الخاص في ماهيته ومضمونه، أنه احتوى على شهادات حية وقوية لأفراد أسرة الشهيدة البطلة سلوى حجازي، الذين أعربوا عن فخرهم بأمهم وامتنانهم لتخليد ذكراها وتوثيق حياتها الإعلامية والإنسانية على نحو ما ورد في سياق الأحداث الحقيقية والواقعية لنجمة الشاشة الصغيرة، التي نالت شهرة واسعة أثناء عملها كمذيعة بالتلفزيون المصري خلال فترتي الستينيات والسبعينيات، وبعد رحيلها المُفجع إبان حرب أكتوبر 1973 فصار اسمها مُرتبطا بالوطنية والفدائية والتضحية، وهي التي ضاقت يوماً ما بالأضواء التي كانت تُحاصرها وتحد من حريتها، فالتمست من المسؤولين آنذاك أن يُلحقوها بالعمل الإذاعي لتنعم بالراحة والهدوء، لكن قوبل طلبها بالرفض فاستمر ظهورها على الشاشة الصغيرة، تؤدي دورها بكفاءة وتمكن.
كان من أهم برامج سلوى حجازي، الإعلامية المرموقة التي ولدت في عام 1933 والتحقت بمدرسة الليسية الفرنسية وتخرجت في المعهد العالي للنقد الفني، برنامج شريط تسجيل وبرنامج العالم يُغني وبرنامج المجلة الفنية، ثم برنامجها الشهير عصافير الجنة الموجه للأطفال بغرض التوعية وترسيخ القيم والمبادئ والمُثل العُليا، فقد شكل هذا البرنامج في حينه لوحه تشكيلية بديعة اعتنت بتثقيف الطفل ورعاية مواهبه وقُدراته الذهنية وتنمية ذكائه الفطري.
وأصدرت الإعلامية الراحلة قبل وفاتها ديوان شعر كتبته باللغة الفرنسية، تحت عنوان «ظلال وضوء» تصدرته مقدمة مهمة كتبها الشاعر الكبير كامل الشناوي الذي كان يؤمن بموهبتها الشعرية ويتحمس لكتابتها بالفرنسية.
بعد استشهادها نالت الراحلة وسام العمل من الدرجة الثانية بقرار من الرئيس السادات، وبعد مرور أكثر من نصف قرن كرمتها الهيئة الوطنية للإعلام بمنحها وسام ماسبيرو كقيمة رمزية لاسمها وتاريخها الإعلامي والوطني المُشرف.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *