طوت الأزمنة المعاصرة، أو تكاد، تلك الحبكات البوليسية التي ابتدعها الروائي الإنكليزي إيان فلمنغ، ونسبها إلى شخصية جيمس بوند الخارقة في شتى ملابسات المؤامرة والمناورة والمباغتة، وفي ميادين التجسس والجريمة وصراعات الحرب الباردة؛ الأمر الذي لم يترافق مع طيّ عقليتها، أو يمنع استلهام تقنياتها، في مواقع لم تكن تخطر على بال فلمنغ أو شركاه.
وهكذا، في دولة الاحتلال الإسرائيلي هذه الأيام، وهي باتت في عداد الأقرب عالمياً من خصال دولة الموز، والتوصيف لإسرائيليين كثر من الساسة إلى المعلّقين فالمؤرخين؛ تكشف وسائل إعلام، إسرائيلية حياكات تآمرية من طراز قد يندى له جبين فلمنغ وخرّافياته. ذلك لأنّ الفارق هنا لا يقتصر على حرب فرد فريد القدرات ضدّ أجهزة شيوعية أو كارهة للبشرية، بل هي حرب كبرى واسعة النطاق وخيمة العواقب لأغراض انتهازية حزبية وشخصية.
والأحدث في هذا الملفّ ما نشرته القناة 12 الإسرائيلية عن انخراط رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مع رئيس جهاز استخبارات الموساد رومان غوفمان شديد الولاء، وعدد من ضباط الأمن في الجهاز؛ لإطلاق عملية ضدّ إيران تتكفل بتصعيد الموقف إلى درجة تأجيل انتخابات الكنيست، وتُكسب أحزاب ائتلاف نتنياهو وقتاً إضافياً لتحسين مواقعهم في نوايا التصويت غير المواتية لهم، كما رصدتها استطلاعات الرأي.
الطريف، الذي يُلحق انتكاسة «دلالية» باستلهام السردية الجيمسبوندية الأمّ، أنّ الجهة التي أفسدت المخطط لم تكن تمثل أجهزة الاستخبارات في موسكو، أو هنا وهناك في عواصم المعسكر الشرقي؛ بل هي واشنطن دون سواها، زعيمة «العالم الحرّ» إياه، من البيت الأبيض تحديداً، وفي شخص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب!
تتمة سردية نتنياهو/ غوفمان تقول ما هو طريف أيضاً، ولا يخلو من بُعد كلاسيكي حول تدخّل القدر وضربة المصادفة العمياء: أحد الضباط الإسرائيليين الموكلين بالتنفيذ ارتكب خطأ أدّى إلى وصول أخبار العملية إلى واشنطن، قبيل التنفيذ، فسارعت إلى إحباطها؛ من واقع أنّ الوساطة القطرية بين إيران والولايات المتحدة كانت متواصلة، ولم تكن توحي بفشل وشيك.
وكانت ضغوط الرقابة العسكرية في دولة الاحتلال قد منعت القناة من تبيان تفاصيل أوسع حول سيناريو الخطأ غير المقصود الذي تسبب في تعطيل العملية، وبالتالي حُرمت البشرية من متعة تشويق إضافية كانت بدورها ستقذف مهارات جيمس بوند إلى الباحة الخلفية. بعض التعويض جاء، مع ذلك، من واقعة أخرى مكمّلة على أكثر من صعيد؛ مفادها وقوع صدام لفظي حادّ بين نتنياهو ورئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير، بتاريخ 25 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قبل يومين من موعد انتخابات الكنيست. وتقول الحكاية إنّ الأخير رفض توجيهات نتنياهو بإطلاق عمل عسكري ضدّ إيران، فدخل تاريخ الكيان الصهيوني/ دولة الموز كأوّل ضابط عالي الرتبة، في موقع مسؤولية رفيع، يرفض أوامر رئيس الحكومة ووزير الحرب معاً.
وذات يوم غير بعيد، ربيع 2024، ألقى السناتور الديمقراطي شك شومر خطبة من كنيس يهودي في نيويورك، مرتدياً القلنسوة اليهودية، وحثّ الإسرائيليين على انتخاب رجل غير نتنياهو؛ فأصدر حزب الليكود بياناً توبيخياً شديد اللهجة، ذكّر فيه أحد أخلص أصدقاء دولة الاحتلال في واشنطن بأنّ نتنياهو ليس زعيم جمهورية موز، وهو يحظى بتأييد غالبية واسعة من الشعب الإسرائيلي.
الحال تكررت مع كلّ، وغالباً أيّ، منتقد لسياسات الاحتلال؛ ليس من دون رفع الفزاعة المعهودة حول معاداة السامية، حتى لدى خصوم يهود. قبل «طوفان الأقصى» اقتضى الأمر من نتنياهو السعي إلى تقويض النظام القضائي وتحجيم المحكمة العليا، وبعد الشروع في جرائم حرب الإبادة توجّب أن تتنوّع الطرائق خاصة حين يدلهم خطر محدق.
ليس، بين حين وآخر، من دون استلهام جيمسبونديات انطوت، وأخرى تتجدد.