لندن ـ “القدس العربي”: نشر موقع “ذي كرايدل”(المهد) تقريرا تحليليا بعنوان “انتشار الجزائر العسكري في النيجر يعيد رسم خطوط الصدع في الساحل” لأيدان ج. سيماردون قدم تحليلاً لخطوة الجزائر التاريخية بالانتشار العسكري في النيجر، وخلفيات هذا التحول في السياسة الخارجية الجزائرية، وأهدافه المتعلقة بالأمن وصراع النفوذ الإقليمي.
ووفق الكاتب يمثل أول انتشار بري خارجي معلن للجزائر منذ حرب 1973 صراعًا أوسع نطاقًا حول أمن منطقة الساحل، والنفوذ المغربي، والسيطرة على ممرات الطاقة في أفريقيا.
فقد عبرت قوات جزائرية إلى النيجر المجاورة، في أول نشر خارجي للجيش منذ الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973. ووصلت قافلة عسكرية إلى مدينة أرليت (Arlit) في أواخر شهر أكتوبر، بعد أيام من موافقة البرلمان الجزائري على ممارسة مهمة لحماية مصالح الطاقة في شمال النيجر.
يمثل أول انتشار عسكري خارجي معلن للجزائر منذ حرب 1973 صراعًا أوسع نطاقًا حول أمن منطقة الساحل، والنفوذ المغربي، والسيطرة على ممرات الطاقة في أفريقيا.
ويقول الكاتب إنه منذ سبعينيات القرن الماضي، اتبعت الجزائر إلى حد كبير سياسة ضبط النفس العسكري في الخارج مع الحفاظ على التزاماتها المناهضة للإمبريالية ودعم حركات التحرر في جنوب العالم.
وتتقارب الجزائر اليوم مع النيجر وحلف دول الساحل (AES) — الذي يضم النيجر ومالي وبوركينا فاسو — مع انحسار النفوذ العسكري الغربي وسعي القوى المتنافسة إلى موطئ قدم في شمال وغرب أفريقيا.
كما يأتي هذا التقارب ـ حسب الكاتب ـ في ظل تفاقم المواجهة بين الجزائر والمغرب، الذي تعمقت علاقاته مع إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، وهو ما تعتبره الجزائر تهديدًا لسيادتها. كما يمنح هذا الانتشار الجزائر موقعًا أقوى في منطقة الساحل، حيث تتصاعد المنافسة على طرق التجارة، والبنية التحتية للطاقة، والنفوذ الإقليمي.
لن تقتصر المساعدة الجزائرية للنيجر على تقوية حلف دول الساحل فحسب، بل ستوفر أيضًا استقلالية أكبر في مجال الطاقة. وسوف يساهم التدخل في حماية حقول النفط التابعة للنيجر على طول الحدود، وتوفير الأمن لأنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP) المقترح، والذي سينقل الغاز من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر.
تقاليد ضبط النفس العسكري في الجزائر
ويذكر الكاتب بأن فرنسا ضمت الجزائر إلى إدارتها في القرن التاسع عشر، وخلّفت حرب التحرير الدامية (1954–1962) ندوبًا عميقة.
وعقب الاستقلال، عُرفت الجزائر بـ “مكة الثوار”، حيث قصدها المناهضون للإمبريالية من مختلف أنحاء العالم — بمن فيهم جبهة البوليساريو الساعية لاستقلال الصحراء الغربية عن المغرب. وعندما اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973، عبأت الجزائر طائرات مقاتلة وأرسلت مساعدات إلى مصر وسوريا.
وقد أصبحت السياسة الخارجية الجزائرية أكثر حذرًا في ثمانينيات القرن الماضي تحت قيادة الرئيس الشاذلي بن جديد، وفي ظل المخاوف المتزايدة من تراجع الاتحاد السوفيتي. ثم قضت الحرب الأهلية (1992–2002) بين الحكومة والجماعات المسلحة على إمكانية انتهاج سياسة خارجية أكثر جرأة.
وحسب الكاتب فلم تكتفِ تلك الحرب بإجبار الجزائر على الانكفاء على الذات، بل دفعتها أيضًا نحو الغرب، حيث تعاونت مع واشنطن في مكافحة تنظيم القاعدة. غير أن هذا التوافق كان براغماتيًا وليس أيديولوجيًا. وعندما شن الحلف الأطلسي (الناتو) حربه على ليبيا، كانت الجزائر من أشد المعارضين، خوفًا من أن يؤدي إسقاط معمر القذافي إلى زعزعة استقرار المنطقة المغاربية — وهي المخاوف التي أثبتت الأيام صحتها.
ورغم انتشار الفوضى في المنطقة المغاربية والساحل، تجنبت الجزائر التدخل العسكري الخارجي واستعاضت عنه بالدبلوماسية.
المغرب وتحدي الساحل
وبحسب الكاتب فقد بدأ كل شيء يتغير في عام 2020. ففي إطار “اتفاقات إبراهيم”، طبع المغرب علاقاته مع إسرائيل مقابل اعتراف رسمي من الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية. وقد شكل هذا ضربة قوية للجزائر التي دعمت الصحراء الغربية.
ووفقه فالأسوأ من ذلك أن المغرب أصبح مركزًا لعمليات إسرائيل والإمارات. وفي عام 2023، شاركت إسرائيل للمرة الأولى في مناورات عسكرية بالمغرب، وتكرر ذلك في عام 2025.
وفي هذا العام، اتفقت الدولتان على تعميق التعاون العسكري. وفي الوقت نفسه، جاء التقارب مع الإمارات بالتزامن مع دعم أبوظبي للحركات الانفصالية والحكومات المنافسة في ليبيا والصومال والسودان. ومع دعم الإمارات لحكومة الاستقرار الوطني في ليبيا، خشيت الجزائر من التعرض للضغط من الجهتين الغربية والشرقية.
بحسب الكاتب فقد بدأ كل شيء يتغير بالنسبة للجزائر في 2020. ففي إطار “اتفاقات إبراهيم”، طبع المغرب علاقاته مع إسرائيل مقابل اعتراف رسمي أمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية. وقد شكل هذا ضربة قوية للجزائر التي دعمت الصحراء الغربية.
وبرأي الكاتب فرداً على ذلك، قطعت الجزائر علاقاتها مع المغرب في أغسطس/آب 2021 متهمة الرباط بدعم الانفصاليين بمنطقة القبائل. وعادت لتكرر الاتهام نفسه عندما قطعت علاقاتها مع الإمارات في سبتمبر 2026. كما رفعت ميزانيتها العسكرية من 9 مليارات دولار عام 2022 إلى 25 مليار دولار العام الماضي.
ميدانياً، واجهت الجزائر مشهدًا متغيرًا إلى الجنوب منها، حيث وقعت انقلابات في مالي (2021)، وبوركينا فاسو (2022)، والنيجر (2023)، لتشكل هذه الدول معًا حلف دول الساحل. وكان يفترض ظاهريًا أن ترحب الجزائر بهذه التطورات لمناهضتها المشتركة لفرنسا، لكن الجزائر رفضت الانقلابات.
كانت العلاقات متوترة بالفعل؛ فخلال العقد الماضي اتهمت مالي الجزائر بدعم المتمردين التوارق، فيما نددت النيجر بسوء معاملة المهاجرين. ومع وقوع الانقلابات، خشيت الجزائر من زيادة عدم الاستقرار في المنطقة ورفضت استخدام القوة العسكرية لحل الخلافات السياسية.
كما أثارت الأنباء عن مساعدة الإمارات لمالي والنيجر مخاوف من أن تتحول هذه الدول إلى قاعدة أخرى لعمليات أبوظبي. وتعرقلت الدبلوماسية الجزائرية أكثر عندما أنهت مالي اتفاقات الجزائر في يناير 2024.
وفي عام 2023، استدعت مالي سفيرها لدى الجزائر متهمة إياها بالاجتماع مع المتمردين. وفي مارس 2025، تدهورت العلاقات عندما أُسقطت طائرة مسيرة مالية بالقرب من الحدود (حيث ادعت الجزائر دخولها أراضيها بينما أكدت مالي أنها كانت داخل حدودها). وفي الشهر التالي، سحبت الجزائر سفيرها وحظرت الرحلات الجوية مع مالي، وتضامنًا مع مالي، استدعت بوركينا فاسو والنيجر سفراءهما من الجزائر.
الجزائر تعيد بناء العلاقات مع الساحل
لم تدم التوترات مع حلف دول الساحل طويلاً؛ فبرغم استمرار هجمات المسلحين، حققت حكومات الحلف بعض المكاسب الميدانية، مما خفف المخاوف الجزائرية الأولية. فمنذ انقلاب مالي، فشل المسلحون في السيطرة على مدن رئيسية، واستعادت مالي مؤخرًا مدينة كيدال الاستراتيجية في الشمال.
أما في النيجر، فقد ظلت السيطرة الميدانية ثابته إلى حد كبير. وفي بوركينا فاسو، تؤكد الحكومة زيادة سيطرتها على الأراضي من 69% عام 2023 إلى 74% عام 2025، وأفاد صندوق النقد الدولي بتحسن الوضع الأمني منذ تولي إبراهيم تراوري السلطة.
كما لم يتحول حلف الساحل إلى مركز عمليات للإمارات؛ بل على العكس، تصاعدت التوترات مؤخرًا. ففي أغسطس 2026، كشف تقرير للأمم المتحدة أن الإمارات دفعت فدية بقيمة 50 مليون دولار لمسلحين مرتبطين بالقاعدة في مالي. وذكرت مجلة “أفريكا إنتليجنس” أن المتمردين التوارق تواصلوا في أكتوبر مع الإمارات للحصول على تمويل وأسلحة مقابل الذهب.
ساهمت روسيا أيضاً في تهدئة التوترات بين حلف الساحل والجزائر. وحسب صحيفة “لوموند” الفرنسية فقد شجع بوتين ووزير خارجيته لافروف دول الحلف على إعادة العلاقات مع الجزائر
وساهمت روسيا أيضاً في تهدئة التوترات بين حلف الساحل والجزائر. وحسب صحيفة “لوموند” الفرنسية فقد شجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف دول الحلف على إعادة العلاقات مع الجزائر، ونجحت تلك الجهود.
وفي فبراير 2026، التقى رئيس النيجر عبد الرحمن تياني والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في الجزائر العاصمة، واستُأنفت العلاقات الدبلوماسية، واتفق البلدان على التعاون الأمني على طول الحدود وتطوير البنية التحتية، بما فيها مشروع خط الغاز العابر للصحراء.
وفي يوليو 2026، أعلنت الجزائر ومالي استعادة العلاقات. وفي أغسطس، تبرعت الجزائر بأربع مروحيات عسكرية للنيجر وأرسلت طائرات مقاتلة لإحباط محاولة انقلاب في نيامي.
الجزائر تتجاوز الدبلوماسية
وقد ساعدت خلافات حلف الساحل مع الإمارات والجهود الروسية في تخفيف التوتر مع الجزائر. لكن هذا لا يفسر وحده سبب لجوء الجزائر للانتشار العسكري وتحدي عقود من ضبط النفس.
في 21 أكتوبر 2026، وقعت الجزائر والنيجر بروتوكول تعاون عسكري، وافق عليه البرلمان الجزائري بإجماع الآراء بعد أربعة أيام. يقضي البروتوكول بنشر قوات جزائرية في ماداما (Madama)، وهي قاعدة عسكرية فرنسية سابقة بالقرب من الحدود الليبية. ثم كُشف عن وصول القافلة الجزائرية إلى أرليت القريبة من الحدود الجزائرية.
وبوجود مسافة 740 كيلومترًا بين أرليت وماداما (وهي نفس المسافة بين باريس وبرلين)، أصبح للجزائر نطاق عمليات شاسع. ووفقًا للجزائر، فإن مهمة القوات هي حماية الاستثمارات النفطية في شمال النيجر. لكن الجزائر تملك استثمارات هناك منذ عام 2022، فلماذا الآن؟
تدهورت العلاقات مع المغرب سريعًا بسبب الصحراء الغربية. وخلال العامين الماضيين، أيدت نحو عشر دول — بينها أعضاء في مجلس الأمن كفرنسا وبريطانيا، بالإضافة إلى إسبانيا (المستعمر السابق للصحراء) — مقترح “الحكم الذاتي” المغربي.
في المقابل، سحبت أربع دول (كولومبيا وغانا ومالي وبيرو) اعترافها بالصحراء الغربية. كما سعت الرباط لتوسيع نفوذها في غرب أفريقيا عبر “المبادرة الأطلسية”، مقدمة لدول الساحل الحبيسة منفذًا للموانئ المغربية.
وباتت الجزائر إثر ذلك تحت ضغط لاتباع سياسة خارجية أكثر فاعلية لمواجهة منافسها المغربي. كما يمنح نشر القوات في شمال النيجر الجيش الجزائري خبرة عملية في بيئة صحراوية مشابهة للحدود الجزائرية المغربية والصحراء الغربية، ويساعدها في منافسة المغرب على النفوذ بالساحل، ويوجه رسالة مفادها أن الجزائر مستعدة لاستخدام القوة لحماية مصالحها.
ويشير الكاتب في السياق إلى أن فرنسا سحبت خلال السنوات الأخيرة قواتها من خمس دول أفريقية وخفضت وجودها بشكل كبير في دولتين (كما انسحب الأوروبيون الأمريكيون من دول الساحل). من جانبها، خفضت الجزائر تجارتها مع فرنسا مما يقلل أثر أي عقوبات محتملة.
ومؤخرًا، حظرت الجزائر تصدير شحنات أسمدة بقيمة 219 مليون دولار إلى فرنسا رداً على دعمها للمغرب. وفي مقابل التراجع الغربي، زادت الصين تجارتها مع أفريقيا، في حين قدمت روسيا وتركيا مساعدات عسكرية.
باتت الجزائر تحت ضغط لاتباع سياسة خارجية أكثر فاعلية لمواجهة منافسها المغربي. كما يمنح نشر القوات في شمال النيجر الجيش الجزائري خبرة عملية في بيئة صحراوية مشابهة للحدود الجزائرية المغربية والصحراء الغربية
ويشير الكاتب إلى بُعد أنبوب الغاز العابر للصحراء (من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر) والذي تعود فكرته إلى سبعينيات القرن الماضي، في تدخل الجزائر.
وأنه في عام 2022، وقعت الجزائر والنيجر ونيجيريا مذكرة تفاهم بشأن أنبوب الغاز، ووقعت اتفاقية في 2025 لتسريع البناء. وبدأت الجزائر بالفعل عمليات البناء، ومن المتوقع أن تبدأ النيجر في أوائل عام 2027.
لكن الكاتب يلفت إلى أنه طالما استمر التمرد في النيجر، سيبقى خط الأنابيب عرضة للتهديد. ومع استمرار المغرب في تقديم المبادرة الأطلسية كبديل، تخشى الجزائر من فوات الأوان، ومن هنا جاء قرارها بالتدخل المباشر.
دور الجزائر الإقليمي المتغير
يقول الكاتب إنه على مدى نصف قرن، حاولت الجزائر الحفاظ على الاستقرار في جوارها عبر المفاوضات والدبلوماسية. لكن الدبلوماسية لها حدود. فقد أدى تنديد الجزائر بالانقلابات في الساحل إلى عزلتها فيما كان المغرب يبني علاقاته مع إسرائيل والإمارات ويحصل على اعتراف بسيادته على الصحراء الغربية.
وبرأيه فقد رفعت الجزائر ميزانيتها العسكرية وسط التوترات مع المغرب، وتنشر الآن قواتها في النيجر مع تعزيز التعاون مع حلف دول الساحل. وتكس طبيعة هذه التحركات عزم الجزائر على حماية مصالحها الإقليمية وتأمين البنية التحتية لتطوير أنبوب الغاز العابر للصحراء.
ويختم الكاتب بالقول إنه رغم التحديات الكبيرة المتبقية — كمواصلة المغرب تقربه من دول الساحل واستمرار النزاعات — فإن نهج الجزائر الأكثر حزمًا قد يعزز التعاون الأمني الإقليمي ويمنح دول الساحل نفوذًا أكبر على تطوير مواردها، ولو أن النجاح النهائي يظل مرهونًا بالظروف الميدانية.