سوط القضاء شريك هراوة الأمن


من داخل زنزانة يقبع فيها منذ تموز/ يوليو 2024، وصل رسام الكاريكاتير والمترجم المصري أشرف عمر إلى القائمة القصيرة لجائزة حرية التعبير لعام 2026 في الفنون، والتي تمنحها منظمة “مؤشر الرقابة” الدولية المعنية بمتابعة التقييد على حريات التعبير والصحافة على نطاق عالمي. والفنان محتجز بسبب رسومات انتقادية ساخرة تخص الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في مصر، وقد ارتبط عمله عموماً بالصحافة المستقلة التي تخاطب قضايا الشعب المصري، وخاصة موقع “المنصة”.
وكما بات تقليداً لدى السلطات الأمنية المصرية، جرى إلقاء القبض على عمر في منزله، وظهر لاحقاً أمام نيابة أمن الدولة التي قررت حبسه بتهمة نشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والانضمام إلى جماعة إرهابية، ثم وجهت إليه اتهامات بتمويل جماعة إرهابية والمشاركة في تحقيق أهدافها.
ووصول عمر اليوم إلى القائمة القصيرة لجائزة رفيعة عالمياً في ميادين مناهضة الرقابة والدفاع عن الحريات الصحافية يسلط الأضواء على مسلسل متكرر الحلقات عنوانه مصادرة الرأي وتسخير القضاء لقمع مبادرات المجتمع المدني في التعبير عن نبض الشارع المصري. أحدث الجولات كانت إغلاق موقع “مدى مصر” ومصادرة معداته وأجهزته، واعتقال رئيسة التحرير لينا عطا الله وإحالتها إلى محكمة الجنايات بتهمة تأسيس وإدارة موقع إلكتروني دون الحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وتغريمها ثلاثة ملايين جنيه. وكانت المحكمة قد رفضت تأجيل النظر في القضية لتمكين هيئة الدفاع من الاطلاع على أدلة الدعوى والتحقق من الإجراءات المتعلقة بطلب ترخيص الموقع.
جولة قمع أخرى سبقت إغلاق “مدى مصر” حين أقدمت السلطات الأمنية المصرية على اعتقال ستة صحافيين يديرون منصة “متصدقش”، وجرياً على العادة تراوحت الاتهامات بين الانتماء إلى جماعة إرهابية محظورة، والتمويل الخارجي، ونشر أخبار كاذبة، فضلاً عن تكدير السلم العام. وقد صادرت قوات الأمن هواتفهم وحواسيبهم الشخصية، واحتجزوا في مقارّ أمنية لمدة 5 أيام ولم يُعلن عن إحالتهم إلى نيابة أمن الدولة العليا إلا بعد تقديم 18 بلاغاً تفيد باختفائهم، ولم تكن بعيدة عن المصداقية سلسلة تقارير أشارت إلى تعرّضهم إلى التعذيب، قبل إحالتهم إلى محكمة الجنايات.
ولأنها قامت بواجب الحد الأدنى في الدفاع عن الموقوفين في الجولتين خصوصاً، وعن أكثر من 26 صحافياً محتجزين في السجون المصرية، لم تسلم نقابة الصحافيين من حملات تأثيم إلكترونية نظمتها جهات مرتبطة بالأجهزة الأمنية، تضمنت اتهام أعضاء مجلس النقابة بـ”الأخونة” و”دعم الإرهاب”.
وكان القضاء قد تجاهل أن إدارة منصة “مدى مصر” تقدمت بطلب ترخيص منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2018، وسددت الرسوم المقررة البالغة 50 ألف جنيه، ولم يصلها ردّ بالرفض. وإذ يصرّ المجلس الأعلى للقضاء على أن المحاكمات الصورية للصحافيين لا تنطوي على أي إخلال بضمانات المحاكمة، فإنه يمارس دور السوط المشارك في قمع الحريات إلى جانب هراوة الأجهزة الأمنية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *