الجزائر ـ “القدس العربي”: أثار التضامن مع الصحافي الفرنسي المدان بالسجن في الجزائر كريستوف غليز، خلال حفل الكرة الذهبية في لندن، تفاعلا واسعا في الجزائر، حيث رأى البعض ما حدث توظيفا لمنصة رياضية دولية للضغط في قضية أمام القضاء الجزائري.
وقبل دقائق من إعلان الفائز سهرة الإثنين،، ظهرت على شاشة الحفل الكبرى صورة الصحافي غليز، مرفقة بعبارات تضامن معه ودعوات إلى إطلاق سراحه. وحرص منشط الحفل، اللاعب الفرنسي السابق تييري هنري، على إعلان تضامنه مع الصحافي والتذكير بقضيته، في خطوة أعادت الملف إلى واجهة النقاش الإعلامي والرياضي.
وفي الجزائر، لم يستسغ كثيرون توظيف منصة عالمية مثل حفل الكرة الذهبية للحديث عن قضية لا تزال في يد العدالة الجزائرية. وكتب الصحفي يونس صابر شريف في هذا السياق، متسائلا عن أسباب تدخل مجلة “فرانس فوتبول” في قضية تخص عدالة دولة ذات سيادة، مشيرا إلى أن غليز دخل الجزائر بتأشيرة سياحية، رغم أن مهمته كانت إجراء تحقيق صحفي، وأنه كان يريد لقاء شخصية مرتبطة بكيان إرهابي. وتساءل شريف عن سبب تعبئة حفل الكرة الذهبية من أجل غليز، وعن توقيت هذا التضامن، في وقت يوجد فيه صحفيون آخرون في السجون، بل إن بعضهم قتلوا، من دون أن يحظوا بتحرك مماثل من القائمين على الجائزة.
من جهتها، اعتبرت صفحة “شوية كورة” في تدوينة لها أن تقديم قضية غليز خلال الحفل بوصفها قضية صحافي مسجون بسبب عمله المهني يمثل اختزالا للوقائع، وطرحت تساؤلات بشأن إغفال التهم التي أدين بها والسياق القانوني للقضية. وشددت على أن التضامن معه لا ينبغي أن يحجب حقيقة صدور حكم قضائي بحقه، معتبرة أن حرية الصحافة لا تعني، وفق طرحها، إعفاء الصحفي من المساءلة القانونية. وأضافت الصفحة أن الجزائر ليست مطالبة بتبرير سيادتها أمام المنصات العالمية، وأن من حق الآخرين الدفاع عن غليز وانتقاد الحكم، لكن من دون تجاهل التهم التي أدين بها أو تقديم القضية من زاوية واحدة.
وفي منشورات أخرى، طُرحت تساؤلات عن عدد الصحافيين الرياضيين الذين استشهدوا في غزة، وعن عدد لاعبي كرة القدم الذين سقطوا هناك، في إشارة إلى ما اعتبره مدونون تسييسا للمناسبة الرياضية.
في مقابل ذلك، رأى آخرون أن هذه القضية أضحت مضرة لصورة البلاد، داعين لإيجاد مخرج لها. وكتب الحقوقي عبد المومن خليل إن حفلات الكرة الذهبية ستتواصل كل عام، وستتابعها مئات الملايين من الأشخاص عبر العالم، داعيا إلى التحرك.
وليست هذه المرة الأولى التي تبرز فيها قضية غليز في مناسبة مرتبطة بكرة القدم، إذ سبق أن أثارت تصريحات النجم الفرنسي ذي الأصول الجزائرية زين الدين زيدان بشأن الصحفي تفاعلات واسعة في الجزائر، كما طُرحت القضية في سياق التحركات المطالبة بالإفراج عنه خلال الفترة الماضية.
ففي أول ندوة صحافية لزيدان في نيسان/أبريل الماضي، بعد تعيينه مدربا للمنتخب الفرنسي، سئل عن موقفه من قضية غليز، فأعلن دعمه له ولعائلته، معربا عن أمله في أن يتمكن من العودة إلى منزله ووالديه. وأثار التصريح نقاشا بين من اعتبره تعبيرا عن تعاطف إنساني، ومن رأى أن المدرب كان عليه تجنب التعليق على ملف قضائي حسمته العدالة الجزائرية.
كما سبق أن منح الاتحاد الدولي لكرة القدم غليز اعتمادا رمزيا لتغطية كأس العالم 2026، فيما أعرب رئيس الاتحاد جياني إنفانتينو عن أمله في أن يستفيد الصحافي من عفو رئاسي. وتندرج هذه التحركات ضمن مساع متواصلة لإبقاء القضية حاضرة في المحافل الرياضية الدولية، وهو ما دفع بعض المتفاعلين إلى اعتبار تكرار إثارتها محاولة للضغط على الجزائر.
وكان الصحفي الفرنسي قد أوقف في مايو 2024، خلال إعداده تحقيقا صحفيا في منطقة القبائل بشأن نادي شبيبة القبائل، قبل أن تتم متابعته قضائيا بتهم تتعلق بالإشادة بالإرهاب وحيازة منشورات ذات طابع دعائي اعتُبرت مضرة بالمصلحة الوطنية.
وصدر بحقه حكم بالسجن سبع سنوات، أيدته محكمة الاستئناف، قبل أن يتخلى عن الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا، فيما رفضت المحكمة الطعن الذي تقدم به النائب العام، ليصبح الحكم نهائيا وتنتهي بذلك مراحل التقاضي.
ويتمسك المدافعون عن غليز بأن قضيته ترتبط بحرية الصحافة، فيما يستند منتقدو حملة التضامن إلى التهم التي أدين بها وإلى ارتباط القضية باتصالاته بشخصية مرتبطة بحركة تقرير مصير منطقة القبائل، التي تصنفها السلطات الجزائرية منظمة إرهابية منذ عام 2021.
وكان غليز وفق ما أفاد محاموه قد تخلى الطعن في الحكم الصادر ضده ليصبح الحكم نهائيا. ويتيح انتهاء المسار القضائي، وفق ما يؤكده محاموه، إمكانية الاستفادة من العفو الرئاسي الذي يدخل ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية.