فيلم «النوم الكبير»… الجانب الآخر من أفلام المحقق الخاص


يشكل فيلم «النوم الكبير» The Big Sleep (1946) البداية الحقيقية لشخصية «فيليب مارلو» المحقق الخاص والمختلفة جذريا عن شخصية «هركيول بوارو» للكاتبة البريطانية أغاثا كريستي، فهو الرجل الخشن والحاد الذكاء، الذي يكن مشاعر عاطفية تجاه النساء ويتعامل مع مجرمين قريبين من مجرمي الواقع بالطريقة المناسبة. وقد شارك في التمثيل همفري بوغارت ولورين باكول بعد نجاح فيلمهما السابق «أن تملك وألا تملك» To Have and Have Not (1944).
تدور أحداث الفيلم عن أحد الأثرياء الذي يكتشف أن هناك من يحاول ابتزاز ابنته الصغرى بسبب خسائرها الكبيرة في المقامرة، فيلجأ إلى المحقق الخاص «فيليب مارلو» (همفري بوغارت). ولكن «مارلو» سرعان ما يكتشف أن الأمر أكثر تعقيدا مما كان يظن، حيث يتم العثور على المبتز مقتولا في منزله وقد تم تفتيش المنزل، كما أن صورا فاضحة للابنة الصغرى قد التقطت في المنزل، وهناك من أخذها ليستعملها في تهديدها. في هذه الأثناء تحاول الابنة الكبرى (لورين باكول) الضغط على «مارلو» لمعرفة ما لديه من معلومات. ويجد «مارلو» نفسه في عوالم المقامرة والمنشورات الإباحية والإجرام والابتزاز، التي يقودها أناس لا يعرفون الرحمة، وعلى استعداد للقيام بأي شيء لتحقيق مآربهم، فتحدث عدة جرائم قتل. ولكن «مارلو» ينجح تدريجيا في الكشف عن خفايا ما يحدث حوله، كما يكتشف محاولة الابنة الكبرى لحماية شقيقتها. وتبدأ مشاعر عاطفية بينهما تصل أوجها في النهاية، وتنتهي هنا قصة الفيلم.

أول ما يميز الفيلم هو الإثارة والتوتر اللذان يبدآ من المشهد الأول. ولا يعود ذلك إلى الإخراج المتقن للمخرج هورد هوكس والأداء المتقن للممثلين فحسب، بل كذلك للرواية التي اقتبس منها الفيلم وهي من تأليف ريمند تشاندلر. ولم يحاول الفيلم تجميل العالم السفلي من المجتمع الأمريكي، إذ أوضح الطبيعة الأنانية والعنيفة لشخصيات ذلك العالم، فلا وجود للأصدقاء أو طيبي القلب لأنهم إن وجدوا فسيسحقون تحت أقدام الأشرار بكل قسوة، ومن دون تردد. وإذا وجد المشاهد أن انخراط فتاة حسناء من عائلة مرموقة في هذا المجتمع مستحيلا، فهو على خطأ، اذ يكشف التاريخ عن حالات كثيرة مماثلة. ولكن عيوب القصة في الفيلم كانت في الحقيقة غريبة، فمثلا لم يوضح الفيلم الدور الذي أراده الثري من «مارلو» في قضية الابتزاز، أي ماذا أراد منه أن يفعل بالضبط، بل لمح الفيلم إلى أنه أراده أن يقتل المبتز. وكان مشهد سقوط سيارة في الفيلم عديم المعنى، حتى إن المخرج سأل كاتب الرواية إن كانت هناك جريمة ما في هذا الأمر، فأبدى الكاتب عدم معرفته، على الرغم من وجود ذلك في الرواية الأصلية التي ألفها.
شمل الفيلم سبع جرائم قتل، يشهد «مارلو» أربعا منها، في الوقت الذي يقتل فيه بنفسه رجلا واحدا. ويقوم المحقق الخاص بابلاغ الشرطة في كل مرة، من دون أن تشك الشرطة به أبدا، وتصدق كل ما يقول، وهذا بالطبع مناقض للواقع تماما. ويظهر المجرمون وكأنهم يسرحون ويمرحون كما يشاؤون في عالم الإجرام، مما يعد عديم العلاقة بالواقع، حيث كانت كفة قوى الأمن الأمريكية دائما الأرجح في مكافحتها للعصابات الإجرامية.
ما يميز الفيلم، هو أن أغلب الممثلات جميلات للغاية ويتغزلن بالمحقق «مارلو» بشكل مباشر ومبالغ به، ما يثير الاستغراب، فمن الواضح أن هذا كان إضافة من قبل المخرج لاعطاء الانطباع بأن «مارلو» شخص بالغ الجاذبية بالنسبة للجنس اللطيف. ولكن نظرة واحدة إلى الممثل همفري بوغارت، تبين عدم واقعية هذا، فالممثل قبيح الشكل وقصير القامة، كما أن المحقق في الفيلم فقير الحال ولم يكن لطيف المعشر، فكيف تعجب به أي فتاة. أما مشهد المكتبة الشهير الذي جمع الممثل مع الممثلة الجميلة دوروثي مالون، فلم يكن غير قابل للتصديق فحسب، بل إنه كان كذلك غير موجود في الرواية الأصلية.

ولكن هذا المشهد أصبح من أشهر مشاهد الفيلم، بسبب الممثلة الحسناء، وليس بسبب همفري بوغارت. والجانب الآخر من شخصية «مارلو» في هذا الفيلم، الذي أثار الاستغراب كانت طريقته الخشنة وغير المؤدبة في الكلام مع النساء، وحتى في طريقته الاعتراف بحبه للشخصية التي أدتها لورين باكول. وكان واضحا كذلك أن الممثل لم يكن قادرا على الدخول في مواجهة عنيفة، فمظهره الهزيل لم يدل على أي قوة جسدية. ويجعلنا كل هذا نتساءل عن سبب اختيار همفري بوغارت، لاداء هذا الدور. وكان «مارلو» في الفيلم في الثامنة والثلاثين، ولكن بوغارت بدا أكبر من ذلك، وحتى أكبر من سنه الحقيقي عندما صور الفيلم، إذ كان في الخامسة والأربعين من عمره. وما فاقم من خطأ اختياربوغارت لهذا الدور أنه كان مدمنا على تناول الكحول إلى درجة أنه كان أحيانا غير قادر على مواصلة العمل. وكان ذلك أحد أسباب استغراق التصوير ستة وسبعين يوما بدلا من اثنين وأربعين يوما، كما كان مخططا له، ولكنه لم يكن السبب الوحيد، حيث كان المخرج وكتاب السيناريو يغيرون القصة والحوار طوال فترة التصوير.
كانت الرواية التي اقتبس منها الفيلم ناجحة فور صدورها عام 1939، مما جعل كاتبها ريمند تشاندلر كاتبا شهيرا. وإذا وجد المشاهد الفيلم، ممتعا بالفعل، فلأن الرواية ربما كانت أفضل منه في تصوير عالم الإجرام في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد اختار الكاتب عنوان «النوم الكبير»، إشارة إلى الموت بسبب العنف الذي يميز عالم الإجرام والأجواء الكئيبة للفيلم، فالجميع يعيشون حياة بائسة ولا يعلمون متى سيداهمهم الموت قتلا. ومن الجدير بالذكر أن الكاتب الأمريكي وليام فوكنر، اشترك في كتابة حوار هذا الفيلم.
ويستحق ريمند تشاندلر تقديرا أكثر مما حصل عليه أثناء حياته، إذ كانت موهبته واضحة منذ شبابه، إلا أن ظروفه وحياته البائسة حدتا من فرصة نجاحه، فلم يبدأ بالكتابة بشكل جدي إلا في سن الرابعة والأربعين عندما فصل من عمله بسبب إدمانه على الكحول وتحرشه المستمر بالموظفات في العمل عام 1932، أي أثناء الأزمة الاقتصادية التي مرت كالإعصار في الولايات المتحدة الأمريكية. وكان هذا الكاتب من مفرطي تناول المشروبات الكحولية حتى إنه كان يظن أنه لا يستطيع الكتابة إلا اذا كان ثملا. وتمثل رواية «النوم الكبير» مثالا لطريقته في الكتابة، إذ اتسمت الرواية بالحوار الذكي والمليء بالتوتر والقسوة، والذي كون جزءا مهما من الرواية.
تحولت ست من روايات ريمند تشاندلر إلى أفلام سينمائية وأحيانا لأكثر من مرة، فمثلا أنتج فيلم ثان لرواية «النوم الكبير» عام 1978، حيث أدى دور «مارلو» الممثل الأمريكي روبرت ميتشوم، من دون أن ترقى هذه النسخة إلى مستوى النسخة الأصلية. أما روايته «وداعا يا حبيبتي» Farewell, My Lovely (1940)، فقد تحولت إلى فيلم ثلاث مرات (1942، 1944 و1975).
مثل شخصية «فيليب مارلو» في السينما والتلفزيون والمذياع مجموعة من مشاهير السينما العالمية وكان آخرهم ليام نيسن في فيلم «مارلو» Marlowe (2022). ولكن أفضلهم أداء ربما كان جيمس غارنر في فيلم «مارلو» Marlowe (1969)، حيث استطاع أن يكون الأكثر إقناعا في تجسيد شخصية المحقق الخاص الجذاب من قبل الناس، لا سيما النساء نظرا لوسامته الرجولية، كما بدا مناسبا للمواقف العنيفة تجاه خصومه.

باحث ومؤرخ من العراق



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *