الرباط – «القدس العربي»: تفاعلت الأحزاب والنقابات ومكونات المجتمع المدني المغربي مع مستجدات قضية الصحراء، في أعقاب اجتماع مجلس الأمن الأخير والبيان الصادر عن الديوان الملكي، فيما رصد باحثون ومحللون أبعاد التحول في الموقف الأممي وانعكاساته على المرحلة المقبلة؛ خاصة مع الإعلان عن التوقف النهائي لبعثة «الأمم المتحدة»، بعد 35 عامًا من وجودها في الصحراء الغربية.
واعتبر الخبير الأكاديمي محمد بنطلحة الدكالي، مدير «المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء»، أن مستجدات مجلس الأمن ينبغي قراءتها من زاويتين، أولاً: دلالات نتائج التصويت، وثانياً: الرسائل السياسية التي حملها بيان الديوان الملكي. وأوضح، في تصريح لـ «القدس العربي»، أن حصول المشروع الأمريكي على تأييد أحد عشر عضواً، رغم إسقاطه بالفيتو الروسي، يعكس دعماً واسعاً لمضمونه، خاصة ما يتعلق بتعزيز مكانة مبادرة الحكم الذاتي المغربية وتطوير مهام بعثة «المينورسو»، مقابل محدودية التأييد للمشروع الروسي الذي لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات.
وشدد على أن الفيتو الروسي لا يلغي القرار 2797 المعتمد سنة 2025، ولا ينتقص من المكانة التي اكتسبتها المبادرة المغربية للحكم الذاتي ضمن المرجعية الأممية لتسوية النزاع. واعتبر أن بيان الديوان الملكي يتجاوز التعليق على نتائج التصويت، ليعبّر عن توجه مغربي نحو إنهاء مرحلة طويلة من التدبير الأممي للنزاع، امتدت منذ إنشاء بعثة «المينورسو» سنة 1991، وإعادة النظر في موقع القضية داخل مجلس الأمن.
وأضاف بنطلحة الدكالي أن تأكيد المغرب تشبثه بوقف إطلاق النار وحماية الأمن والاستقرار يعكس تمسكه بتحمل مسؤولياته في الدفاع عن أراضيه ومواطنيه ووحدته الترابية. ونبّه إلى أن القضية لا تختزل في قرارات مجلس الأمن أو مستقبل البعثة الأممية، بل ترتبط أيضاً بواقع تاريخي ووطني، ومؤسسات قائمة ومشاريع تنموية كبرى واندماج متواصل للأقاليم الجنوبية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمملكة المغربية. وخلص إلى أن الرهان يتمثل في الانتقال من التدبير الأممي المتكرر للنزاع إلى البحث عن تسوية سياسية نهائية على أساس مبادرة الحكم الذاتي.
تثبيت المكتسبات
واعتبر الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، عبد الحكيم قرمان، متحدثًا إلى «القدس العربي»، أن مستجدات اجتماع مجلس الأمن تشكل محطة سياسية واستراتيجية مهمة، لما تعكسه من تحولات في موازين التأييد الدولي، وما تفتحه من آفاق أمام مرحلة جديدة عنوانها تثبيت المكتسبات وتسريع مسار التسوية النهائية.
وأوضح أن أهمية هذه المحطة لا تقتصر على عدم تمديد ولاية «المينورسو»، بل تكمن أيضاً فيما تحمله من مؤشرات على تجاوز المقاربة التقليدية التي ظلت قائمة لعقود، والانتقال من منطق إدارة النزاع إلى العمل على تغيير محدداته، عبر جعل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية محور أي مسار سياسي مستقبلي.
وأضاف أن التطورات الأخيرة أعادت طرح مدى ملاءمة الآليات الأممية المعتمدة لمتطلبات المرحلة الراهنة، في ظل التحولات الجيوسياسية وتنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية. كما اعتبر أن الدعوة إلى إعادة النظر في موقع القضية داخل مجلس الأمن تعكس توجهاً نحو تجاوز نمط من التدبير لم يفض، على امتداد عقود، إلى تسوية نهائية.
وفي قراءته لنتائج التصويت، توقف قرمان عند حصول المشروع الأمريكي على أحد عشر صوتاً، مقابل ثلاثة أصوات للمشروع الروسي، معتبرًا أن هذه المعطيات، إلى جانب ما أورده بيان الديوان الملكي بشأن دعم أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة لمبادرة الحكم الذاتي، تعكس اتساع دائرة التأييد الدولي للمقترح المغربي، وتطورًا في طبيعة الترافع الدبلوماسي الذي بات يتجه إلى التأثير في مرجعيات التفاوض وأسس الحل، وليس الاكتفاء بالدفاع عن الموقف الوطني المغربي.
وحسب المتحدث نفسه، فإن التحدي المقبل يتمثل في تحويل هذا الرصيد الدبلوماسي إلى مسار عملي يفضي إلى تسوية سياسية نهائية ومستدامة، مع تدبير التحولات المرتبطة بمستقبل «المينورسو» والإطار الأممي وفق المقتضيات القانونية والمؤسساتية، بما يحافظ على الاستقرار ويجنب المنطقة أي فراغ غير محسوب. كما شدد على أهمية مواصلة التنمية في الأقاليم الجنوبية، معتبرًا أن المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والبنية التحتية والاستثمارات تشكل رافعة موازية للدبلوماسية وعنصرًا في تعزيز الاستقرار والاندماج الإقليمي والإفريقي والأطلسي.
منعطف لافت
واعتبر الباحث في علم الاجتماع السياسي، عبد الهادي مزراري، في تصريح لـ«القدس العربي»، أن التطورات التي شهدها مجلس الأمن تشكّل منعطفًا لافتًا، بالنظر إلى تعثر اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي، موضحًا أن الخلاف بين واشنطن وموسكو تمحور أساسًا حول مستقبل بعثة «المينورسو» وطبيعة مهامها.
وأبرز أن تعثر المجلس في التوصل إلى موقف بشأن مستقبل البعثة يطرح تساؤلات حول استمرار مهامها ودور المبعوث الأممي وآليات متابعة الملف؛ موضحًا أن المغرب عبّر، من خلال بيان الديوان الملكي، عن موقفه الداعي إلى إنهاء مهام البعثة وإعادة النظر في موقع القضية داخل الأمم المتحدة، مع تجديد الالتزام بوقف إطلاق النار ودعم المسار السياسي في إطار القرار 2797.
وسجل مزراري أن هذه التطورات تأتي في سياق مكاسب دبلوماسية راكمها المغرب منذ سنة 1991، من خلال توسيع دائرة الدول الداعمة لسيادته على أقاليمه الجنوبية ولمبادرة الحكم الذاتي، مستحضرًا مواقف الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وهولندا، إلى جانب مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية وعدد من الدول الإفريقية ودول أمريكا اللاتينية.
وخلص إلى أن المرحلة الراهنة تختلف عن سياق إنشاء بعثة «المينورسو» قبل خمسة وثلاثين عاماً، بالنظر إلى التحولات التي عرفتها القضية وموازين الدعم الدولي، معتبرًا أن تطورات 30 تشرين الأول/ أكتوبر قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تدبير الملف، ستكشف الأيام المقبلة عن مآلاتها وانعكاساتها على مستقبل النزاع ومسار التسوية السياسية.
والتقت مواقف عدد من الأحزاب، أغلبية ومعارضة، عند التأكيد على دعمها للتوجهات الرسمية بشأن قضية الصحراء، وتجديد مساندتها للمسار الدبلوماسي المغربي ومواصلة التعبئة دفاعاً عن السيادة الوطنية، إلى جانب تثمين المشاريع التنموية بالأقاليم الجنوبية. وفي هذا السياق، وصف حزب «الأصالة والمعاصرة» (قائد التحالف الحكومي) بيان الديوان الملكي بأنه يعكس النهج المعتمد في تدبير الملف، مشيداً بالمسار المتعلق بالوحدة الوطنية وما يرتبط به من تحولات سياسية وميدانية. واعتبر حزب «الاستقلال» أن المستجدات تشكل فرصة لمواصلة العمل الدبلوماسي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مشيراً إلى اتساع نطاق الدعم الدولي للمقترح.
مواقف حزبية
وجدد حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» تأكيده أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الحل السياسي الوحيد، معتبراً أن تعثر مجلس الأمن يعكس محدودية المقاربة الأممية السابقة في إنهاء النزاع. أما حزب «التقدم والاشتراكية»، فسجل أن تصويت أحد عشر عضواً لصالح المشروع الأمريكي يعكس دعماً مهماً للقضية الوطنية المغربية، داعياً إلى تكريس الحكم الذاتي مرجعاً للمفاوضات، ومطالباً الجزائر وجبهة البوليساريو بالتفاعل مع المسار السياسي الجديد.
وأعلن حزب «العدالة والتنمية» تأييده لمضامين بيان الديوان الملكي، مؤكداً انخراطه في الجهود الرامية إلى الدفاع عن السيادة والوحدة الترابية للمغرب. كما أشاد حزب «الحركة الشعبية» بالموقف الملكي، داعياً إلى إنهاء مهمة بعثة «المينورسو» وسحب ملف الصحراء من منظومة الأمم المتحدة، على اعتبار أن استمرار الآليات الحالية لم يعد، وفق تقديره، ملائماً للتحولات التي عرفتها القضية. وفي السياق ذاته، أكد حزب «التجمع الوطني للأحرار» دعمه الكامل للمواقف والتوجهات الملكية، مشيداً بالتقدم الذي تعرفه القضية الوطنية المغربية وبمواقف الدول الداعمة للمغرب. كما نوه حزب «الاتحاد الدستوري» بالتحركات الدبلوماسية الرسمية التي أسهمت في توسيع نطاق الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي.