صنعاء – «القدس العربي»: تتواصل الاشتباكات العنيفة بين قوات الحكومة المعترف بها دوليًا وقوات جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) في محافظتي لحج وتعز جنوب وجنوب غربي اليمن، بالتزامن مع اشتداد المواجهات في محور الجوف شمال شرقي البلاد، بعد ساعات من إعلان القوات الحكومية تأمين سيطرتها على جبال حويشيان؛ وفي غضون ذلك، تصدّر المشهد تصعيد أممي ومطالبات بإجراء تحقيق في وفاة أحد موظفي الأمم المتحدة في سجون صنعاء.
وبالعودة إلى تفاصيل العمليات العسكرية على الأرض، احتدمت المواجهات في جبهة المقاطرة بمحافظة لحج، ففي حين أفادت مصادر ميدانية بسقوط قلعة المقاطرة ومنطقة زريقة اليمن تحت سيطرة الجماعة، واصلت الأخيرة هجومها نحو منطقة سوق الربوع، إلا أن القوات الحكومية صدّت الهجوم وأجبرت المهاجمين على التراجع إلى مواقعهم في سوق الإثنين وهيجة العبد، وفق ما أفادت به وسائل إعلام موالية للحكومة.
ومع استمرار المواجهات بين الطرفين في محيط سوق الربوع، حيث تتمركز القوات الحكومية، أفادت مصادر بأن قوات الجماعة نجحت في ردم الطريق الذي استُهدِف بغارات جوية يوم الجمعة أسفل هيجة العبد، وفتحته مجددًا أمام تحركاتها العسكرية.
كما أكّدت مصادر عسكرية تعزيز القوات الحكومية بوحدات من درع الوطن وقوات العمالقة الجنوبية، خاصة مع تكثيف الجماعة لهجماتها على أكثر من جبهة في مديرية المقاطرة.
وعلى صعيد آخر، التطورات المعلنة من قبل جماعة «أنصار الله» عن جبهة المقاطرة، هو ما أعلنه عضو المكتب السياسي للجماعة فضل أبو طالب، مساء الأحد، ممثلًا في سقوط جبهة زريقة اليمن بأيدي الجماعة، وما اعتبره «هروبًا جماعيًا» لتحشيدات الطرف الآخر وفق تدوينة على منصة «إكس» مرفق بها مقطع فيديو.
وتكمن أهمية جبهة الزريقة، وهي عزلة واقعة على الحدود الإدارية بين محافظتي لحج وتعز، وتتبع مديرية المقاطرة، في موقعها الاستراتيجي والجغرافي الحاكم الذي يؤثر مباشرة على موازين السيطرة في جنوب غرب اليمن وممرات الملاحة الدولية.
ولم يصدر تعليق فوري من جهة القوات الحكومية إزاء هذه التطورات.
وكان الإعلام العسكري لقوات المقاومة الوطنية قد نشر السبت فيديو يوثق جانبًا من المواجهات التي خاضتها وحدات اللواء 24 واللواء 22 واللواء 13 مشاة لليوم الثاني على التوالي، مستخدمة مختلف أنواع الأسلحة في القتال ضد قوات الجماعة بجبهة الزريقة.
وعلى مقربة من المقاطرة، استمرت الهجمات المتبادلة والاشتباكات في جبهة مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج بين قوات العمالقة الجنوبية وقوات الجماعة.
ونشرت قوات العمالقة الجنوبية تسجيلًا يوثق ما قالت إنه تدمير مركبة عسكرية للجماعة ومصرع من عليها هناك، دون تحديد الموقع بدقة في المنطقة وتاريخ الحدث.
في موازاة جبهات لحج، وتحديدًا في محافظة تعز، شهدت الجبهة الغربية للمدينة هدوءًا ملحوظًا، بينما تجددت الاشتباكات المتقطعة في الجبهة الجنوبية الشرقية، وتحديدًا في مناطق الأقروض والشقب وكحلان، دون تحقيق أي تقدم من قِبل أي من الطرفين.
وذكرت القوات الحكومية أنها تخوض معارك عنيفة ضد قوات الجماعة في جبهة كحلان بصبر جنوبي تعز، فيما أفادت مصادر ميدانية بإحباط القوات الحكومية محاولة تقدم لقوات الجماعة في جبهة وتير بمديرية المسراخ جنوبي تعز.
وفي هذا السياق، ذكر اللواء 22 ميكا بتعز على حسابه في «فيسبوك» أن قواته في جبهة وتير استهدفت تحركات ومرابض الجماعة، وردّت بشكل مباشر على مصادر النيران.
في محافظة الجوف الواقعة شمال شرق البلاد، أفادت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ الحكومية بأنها صدت هجومًا لقوات الجماعة على محور حويشيان. وأوضح بيانها أن المواجهات أسفرت عن تكبيد الجماعة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، إلى جانب تعطيل وإحراق عدد من الآليات. كما نشرت الفرقة تسجيلًا يُظهر استهداف مواقع وتجمعات للجماعة بواسطة الطيران المسير.
وكانت القوات الحكومية قد أعلنت استعادة السيطرة على سلسلة جبال حويشيان في محيط مدينة الحزم، مركز المحافظة، وأسر عدد من عناصر الجماعة، بالإضافة إلى ضبط أسلحة ومعدات عسكرية، وذلك ضمن عملية «فجر اليمن».
ولم يكن قد صدر حتى وقت إعداد هذا التقرير أي تعليق فوري من الجماعة إزاء هذه التطورات.
ومع تصاعد حدة المعارك على الأرض، تتواصل الغارات الجوية، حيث أفادت وسائل إعلام موالية للحكومة بأن الطيران الحربي استهدف تجمعات للجماعة في طريق هيجة العبد وحصن المخعف بعزلة الأقروض في مديرية المسراخ جنوب شرقي تعز.
فيما أفادت وسائل إعلام الجماعة بأن «الطيران السعودي» نفذ غارتين استهدفتا محطة شركة النفط في مديرية باجل بمحافظة الحديدة غربًا، إضافة إلى غارتين على كلية الطب بجامعة الحديدة، وغارة أخرى على محطة وقود في مدينة ذمار في الوسط. على صعيد الغارات العابرة للحدود، جددت جماعة «أنصار الله» تحذيرها من أن منشآت أرامكو السعودية النفطية في مرمى أهدافها، كما جددت التحذير لشركات الطيران العالمية من استخدام الأجواء السعودية.
ونقلت وكالة أنباء «سبأ» التابعة للجماعة عن مصدر عسكري تحذيره من أن منشآت أرامكو في مرمى قواتهم، وأن «الاستثمارات فيها مغامرة محفوفة بالخسائر».
كما حذّر المصدر العسكري «شركات الطيران العالمية من استخدام الأجواء السعودية باستثناء أجواء مكة المكرمة والمدينة المنورة».
وفي السياق ذاته، أعلن المتحدث الرسمي للتحالف العربي، اللواء تركي المالكي، أن قيادة القوات المشتركة نفذت صباح الأحد عملية عسكرية نوعية استهدفت تحييد المصادر الحيوية التي تستخدمها الجماعة في تنفيذ ما اعتبرها اعتداءاتها المتكررة وتهديد أمن المملكة واليمن، وخطوط الملاحة البحرية في جنوب البحر الأحمر.
وأشار في بيان إلى أن هذه العملية جاءت استجابة لاستمرار الجماعة في اعتداءاتها المتعمدة والممنهجة على المدنيين والمنشآت المدنية في اليمن والمملكة، مع ثبوت استمرار استغلال المصادر الحيوية لدعم جهودها الحربية وتعزيز قدراتها العسكرية، لا سيما الصاروخية والطائرات المسيّرة.
وعلى الصعيد الميداني لتبعات الاستهدافات، نقلت وكالة أنباء «سبأ» التابعة للحكومة عن مصدر محلي قوله إن امرأتين قتلتا، إحداهما طفلة، وإصابة ثالثة جراء هجوم بطائرة مسيّرة نفذته الجماعة على حي التبدد في منطقة المطار القديم غرب تعز.
فيما أفادت جماعة «أنصار الله» بإصابة ثلاثة مواطنين جراء غارات «الطيران السعودي» على محطة وقود في مدينة باجل بمحافظة الحديدة، وإصابة مواطن بقصف مدفعي سعودي في مديرية شدا بمحافظة صعدة الحدودية.
وفيما تثير هذه الحوادث مخاوف متزايدة بشأن سلامة المدنيين، اتسعت رقعة التنديد الأممي على خلفية وفاة أحد موظفي الأمم المتحدة في أحد سجون صنعاء؛ حيث أدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الحادثة، فيما طالب المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، بإجراء تحقيق عاجل ومفصل.
وأعرب غوتيريش عن بالغ صدمته وأسفه العميق لرحيل محمد الشامي، الموظف الأممي في صنعاء، الذي وافته المنية أثناء احتجازه التعسفي من قبل السلطات الحوثية في اليمن. وأوضح أن الشامي كان يعمل في مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وأنه محتجز منذ عام 2024. كما لفت إلى أن هذه هي حالة الوفاة الثانية لموظف أممي تحت قبضة الحوثيين، بعد وفاة زميله في برنامج الأغذية العالمي عام 2025. وأكد الأمين العام مجددًا على ضرورة الإفراج غير المشروط عن جميع موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية وأعضاء المجتمع المدني المحتجزين حتى الآن.
وفي إطار التفاعل الأممي الصارم مع الحادثة، اعتبر المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، وفاة محمد الشامي «خسارة مأساوية». وأوضح أن عائلة الشامي لم تتلقَ أي تفسير حول أسباب أو ملابسات الوفاة، مؤكدًا حقهم في معرفة الحقيقة.
وطالب بإجراء تحقيق عاجل، شامل، مستقل، ودقيق، مع ضمان المحاسبة. وأضاف: «أشعر بحزن وأسى عميقين جراء وفاة محمد الشامي، زميل يمني احتُجز تعسفيًا من قبل الحوثيين لسنوات. أدعو إلى فتح تحقيق فوري في الحادثة، إذ تستحق عائلته معرفة الحقيقة».
وكان رئيس الوزراء في الحكومة اليمنية المعترف بها، شائع الزنداني، قد أدان وفاة الموظف الأممي، محملاً الجماعة المسؤولية الكاملة، مؤكدًا «أن هذه الجريمة، واستمرار احتجاز أكثر من 70 موظفًا أمميًا، إلى جانب العشرات من العاملين في المجال الإنساني، ليست حوادث معزولة، بل امتداد لسلسلة من الانتهاكات»، وفقًا لتعبيره.
ولم يصدر تعليق من جماعة «أنصار الله» ردًا على هذه البيانات حتى كتابة هذا التقرير.