مياه الصرف الصحي والصيد الجائر يهددان بيئة الفرات في الأنبار!


الأنبار/فاطمة موسوي

تواجه مياه نهر الفرات في محافظة الأنبار تحديات بيئية تتصل بتصريف المخلفات السائلة ومخاطر التلوث، في وقت تتطلب فيه حماية الثروة السمكية والتنوع البيئي تشديد الرقابة على مصادر التلوث وممارسات الصيد الجائر.

وبين الإجراءات القانونية بحق الجهات المسؤولة عن تصريف مياه الصرف الصحي من دون معالجة، ومطالبات الناشطين بفرض رقابة أكثر فاعلية، تتصاعد الدعوات إلى حماية النهر من الأضرار التي قد تنعكس على البيئة وصحة السكان ومصادر رزقهم.

وقال مدير بيئة الأنبار، قيس ناجح، خلال حديث لـ(المدى) إن إجراءات قانونية اتُّخذت بحق دائرة مجاري الأنبار بسبب تصريف مياه الصرف الصحي والمخلفات السائلة من دون معالجة إلى ناظم الورّار، مبيناً أن الإجراءات تضمنت فرض غرامات وإقامة دعوى قضائية من قبل إحدى مديريات الأنبار.

وأضاف أن القضية باتت حالياً أمام القضاء العراقي، بهدف إيجاد حل يمنع تصريف المخلفات السائلة إلى نهر الفرات من دون معالجة.

وتسلط هذه القضية الضوء على أهمية معالجة مياه الصرف الصحي قبل طرحها في المجاري المائية، لما قد تحمله من ملوثات عضوية وكيميائية وميكروبات، بحسب طبيعة المياه ومصادرها. فالتصريف غير المعالج قد يخلّ بالتوازن البيئي، ويؤثر في جودة المياه والكائنات التي تعيش فيها، فيما تتطلب معرفة حجم الأضرار الفعلية إجراء فحوص مختبرية دورية للمياه والرواسب، ومراقبة مصادر التصريف.

ولا تقتصر حماية النهر على معالجة مياه الصرف الصحي، إذ تمثل الثروة السمكية أحد المكونات المهمة للنظام البيئي، كما يعتمد عليها صيادون وأسر في توفير الغذاء ومصادر الدخل. ويجعل ذلك الحد من التلوث وتنظيم الصيد مسؤوليتين متكاملتين، لا يمكن التعامل مع إحداهما بمعزل عن الأخرى.

وتبرز الحاجة إلى تنسيق العمل بين الجهات البيئية والبلدية والرقابية والأمنية، لضمان الالتزام بالمعايير البيئية، ومتابعة المخالفات، وإعلان نتائج الفحوص والإجراءات المتخذة بحق الجهات المتسببة بالتلوث. كما يتطلب الحد من التجاوزات وضع آليات واضحة لرصد مواقع التصريف، والتحقق من كفاءة محطات المعالجة، والتأكد من عدم تحويل الأنهار والمجاري المائية إلى منافذ للتخلص من المخلفات.

الصيد الجائر يهدد الثروة السمكية والتوازن البيئي

ويحذر الخبير البيئي علي الفهد، خلال حديث لـ(المدى) من أن الصيد الجائر يمثل تهديداً للثروة السمكية والتنوع البيئي في الأنهار، خصوصاً عندما تترافق ممارسات الصيد غير المنظم مع الضغوط الناتجة عن التلوث وتراجع جودة المياه. فاستمرار صيد الأسماك بكميات تفوق قدرة الأنواع على التكاثر والتعويض الطبيعي قد يؤدي إلى تراجع أعدادها، ويؤثر في استقرار السلاسل الغذائية داخل النظام المائي.

ويشير الفهد إلى أن الأضرار لا تتوقف عند انخفاض أعداد الأسماك التي يجري اصطيادها، إذ يمكن أن تمتد إلى الأنواع الأخرى التي تعتمد عليها أو تتأثر بوجودها، ما يخل بالتوازن بين الكائنات الحية في البيئة النهرية. كما أن استخدام وسائل صيد ضارة أو غير انتقائية قد يتسبب في قتل الأسماك الصغيرة والكائنات التي لا تستهدفها عمليات الصيد، ويقلل فرص تجدد المخزون السمكي.

ويؤكد أن معالجة هذه المشكلة تتطلب مراقبة مواسم الصيد وأدواته، وتطبيق القوانين التي تمنع الممارسات المخالفة، إلى جانب توعية الصيادين بأهمية الحفاظ على المخزون السمكي. ويضيف أن حماية الأسماك تحتاج أيضاً إلى تحسين نوعية المياه والحد من مصادر التلوث، لأن تدهور البيئة المائية قد يضعف قدرة الأسماك على النمو والتكاثر، حتى في المناطق التي لا تشهد صيداً مكثفاً.

ويخلص الفهد إلى أن الحفاظ على الثروة السمكية مسؤولية مشتركة بين المؤسسات المختصة والصيادين والمجتمع، وأن نجاح الإجراءات يتطلب متابعة مستمرة تستند إلى بيانات علمية عن أعداد الأسماك وجودة المياه والتغيرات التي تطرأ على التنوع البيئي.

الرقابة وفرض الغرامات ضرورة للحد من المخالفات

من جانبه، يدعو الناشط المدني محمد حميد في حديث لـ(المدى) إلى تعزيز الرقابة على الجهات التي تتسبب بتلوث نهر الفرات، وتطبيق الإجراءات القانونية بحق المخالفين، معتبراً أن حماية البيئة لا تتحقق بمجرد تسجيل المخالفات، وإنما تحتاج إلى متابعة نتائج الإجراءات وضمان عدم تكرار التجاوزات.

ويشدد حميد على ضرورة إجراء جولات تفتيشية منتظمة على مواقع تصريف مياه الصرف الصحي، والتحقق من التزام الجهات المعنية بمعالجة المخلفات قبل طرحها في الأنهار. كما يدعو إلى إعلان نتائج الفحوص البيئية بصورة واضحة، بما يتيح للمواطنين معرفة مستوى جودة المياه والإجراءات المتخذة لمعالجة مصادر التلوث.

ويرى أن فرض الغرامات ينبغي أن يتناسب مع طبيعة المخالفة وحجم الأضرار التي تثبتها الجهات المختصة، مع إحالة الحالات التي تستوجب ذلك إلى القضاء، وعدم الاكتفاء بإجراءات شكلية لا تمنع استمرار التصريف المخالف. ويؤكد أن حماية النهر مسؤولية مؤسساتية تتطلب تحديد واجبات كل جهة، ومحاسبة المقصرين، وتوفير الإمكانات اللازمة لمعالجة مياه الصرف الصحي ومراقبة نوعيتها.

كما يشير إلى أهمية إشراك منظمات المجتمع المدني والصيادين والسكان القريبين من النهر في الإبلاغ عن التجاوزات، ونشر الوعي بمخاطر رمي المخلفات والصيد الجائر. ويطالب بأن تشمل الرقابة حماية الثروة السمكية، من خلال متابعة وسائل الصيد المخالفة وتنظيم مواسمه، بالتوازي مع إجراءات الحد من التلوث.

ويخلص حميد إلى أن الحفاظ على نهر الفرات يتطلب عملاً مستمراً يتجاوز الحملات المؤقتة، ويربط بين الرقابة البيئية والمساءلة القانونية والتوعية المجتمعية، بما يضمن حماية الموارد المائية والتنوع البيئي وحقوق الأجيال المقبلة في بيئة سليمة.

وبين المسار القضائي المتعلق بتصريف المخلفات السائلة، والتحذيرات من مخاطر الصيد الجائر، تبرز الحاجة إلى إجراءات متكاملة لحماية نهر الفرات في الأنبار. فمعالجة مصادر التلوث، ومراقبة جودة المياه، وتنظيم الصيد، وتطبيق القانون، تمثل خطوات مترابطة للحفاظ على البيئة النهرية والحد من الأضرار المحتملة على الثروة السمكية والمجتمعات التي تعتمد على النهر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *